سنن التنزيل
دراسةُ سورة البقرة · الجزء 9 من 11

سورة البقرة — المحور التاسع: من اختلاف الناس بعد البينات إلى سلطان الله المطلق: الهداية والاختيار واليقين بالبعث

  • 15 دقيقةً للقراءة
  • 11 آيةً

اختلاف الناس رغم وضوح الحق يكشف حاجتهم الدائمة لهداية الوحي، ويؤكد مسؤولية الاختيار الإنساني في ظل سلطان الله المطلق واليقين بقدرته على البعث.

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: 253] البقرة: 253.

بعد أن عرضت السورة قصة طالوت وجالوت، وما كشفت عنه من امتحان القيادة والطاعة والثبات، وختمتها بذكر داود عليه السلام وما آتاه الله من الملك والحكمة، تنتقل إلى الحديث عن الرسل الذين حملوا الهداية إلى الناس.

وهذا الانتقال يعيدنا إلى الأصل الذي تقوم عليه السورة: أن الإنسان لا يستغني عن هداية الوحي، وأن امتلاكه للقوة أو العلم أو السلطان لا يجعله مستقلًا عن أمر الله.

وتبدأ الآية بتقرير أن الله فضل بعض الرسل على بعض.

فمنهم من كلمه الله، ومنهم من رفعه درجات، وآتى عيسى ابن مريم البينات وأيده بروح القدس.

وهذا التفضيل من الله، وليس مجالًا للأهواء أو العصبيات بين أتباع الأنبياء.

وقد سبق أن عرضت السورة دعوة إبراهيم عليه السلام، وذكرت موسى وعيسى وغيرهما من أنبياء الله، ثم ستختم بإعلان المؤمنين:

﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] البقرة: 285.

ولا تعارض بين الآيتين.

فالله فضل بعض رسله على بعض بما شاء، أما المؤمنون فلا يفرقون بينهم في أصل الإيمان برسالاتهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.

وهنا يظهر أن الإيمان بالرسل ليس ولاءً لقومية أو جماعة، وإنما إيمان بمن اصطفاهم الله لهداية عباده.

ثم يقول تعالى:

﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: 87، 253].

وهنا يذكر القرآن ما آتى الله عيسى عليه السلام من البينات والتأييد.

ثم تنتقل الآية إلى حقيقة تستحق التأمل:

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: 253].

فقد جاءت الرسل بالبينات، ومع ذلك وقع الاختلاف والاقتتال بين من جاءوا بعدهم.

وهنا ينبغي أن نميز بين أمرين: وضوح الحق في نفسه، واستجابة الناس له.

فليس كل من وصلته البينة استجاب، وليس كل من عرف الحق التزمه.

وقد سبق أن عرضت السورة تجربة بني إسرائيل مع الآيات والعهود، وكيف وقع من بعضهم الإعراض والمخالفة بعد مجيء البينات.

والآن يأتي تقرير المعنى في سياق أوسع يتعلق بأتباع الرسل.

لكن لا ينبغي أن نفهم ذلك على أن كل اختلاف بين الناس دليل على الكفر أو البغي، أو أن كل اقتتال يمكن نسبته إلى خلاف ديني وحده.

فالآية تتحدث عن واقع وقع بعد مجيء البينات، وتقرر أن الناس اختلفوا، فمنهم من آمن ومنهم من كفر.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253].

وهنا يقرر القرآن نفاذ مشيئة الله.

لكن مشيئته سبحانه لا تعني أن الإنسان معذور في كل ما يختاره من ظلم أو عدوان.

فالله أمر بالعدل ونهى عن الاعتداء، وجعل الإنسان مسؤولًا عن عمله.

وهذا أصل مهم في فهم القدر.

فوقوع الشيء بمشيئة الله لا يعني أنه محبوب له أو مأمور به شرعًا.

وقد يقع الظلم في قدر الله، لكنه يظل ظلمًا يحاسب عليه فاعله.

فالإيمان بالقدر لا يلغي مسؤولية الإنسان، كما أن وقوع الاختلاف لا يبرر العدوان، ولا يجعل القوة معيارًا لصحة الموقف.

ثم يقول تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254] البقرة: 254.

وهنا يأتي الأمر بالإنفاق بعد الحديث عن الرسل والاختلاف.

واللافت أن القرآن لا يكتفي بالأمر بالبذل، وإنما يربطه باليوم الآخر.

فالإنسان يملك في الدنيا فرصة العمل، ويستطيع أن ينفق من المال الذي رزقه الله.

لكن هذه الفرصة ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية.

وسيأتي يوم لا يستطيع فيه أن يشتري النجاة بماله، ولا أن يعتمد على صداقة دنيوية أو شفاعة مستقلة عن إذن الله.

وهنا ينبغي أن نفهم قوله:

﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: 254]

في ضوء ما سيأتي مباشرة في آية الكرسي:

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255].

فالمنفي هو ما يتوهمه الإنسان من شفاعة يملكها أحد استقلالًا عن الله، أما الشفاعة التي يأذن بها سبحانه فهي ثابتة بما دل عليه الوحي.

وهذا يحرر الإنسان من الاتكال على الأماني والعلاقات، ويعيده إلى مسؤوليته عن عمله.

وقد يؤخر الإنسان الإنفاق والإصلاح والتوبة، ويظن أن أمامه وقتًا طويلًا.

لكن القرآن يذكره بأن زمن العمل محدود.

فما دام يملك القدرة على أداء حق واجب، فلا ينبغي أن يؤخره دون عذر.

وما دام يستطيع الإسهام في خير مشروع، فلا يجعل طول الأمل سببًا لضياع الفرصة.

ثم تأتي آية الكرسي:

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] البقرة: 255.

وهنا تبلغ السورة مقامًا عظيمًا في التعريف بالله سبحانه.

فبعد أن عرضت أحوال الإنسان مع الهداية والابتلاء والمال والقوة، تعيد القلوب إلى من تقوم به السماوات والأرض.

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 255].

فهو وحده المستحق للعبادة.

﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255].

فحياته كاملة تليق بجلاله، وهو القائم بنفسه، المقيم لغيره، الذي لا يستغني عنه شيء من خلقه.

ثم يقول تعالى:

﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255].

وهنا يظهر كمال حياته وقيوميته.

فالإنسان يضعف ويتعب وينام، وتنقطع قدرته عن متابعة ما حوله.

أما الله سبحانه فلا يعتريه ما يعتري المخلوقين من نقص.

وهذا المعنى يورث المؤمن طمأنينة عظيمة.

فقد ينام من يعتمد عليهم، وقد يعجزون أو يغيبون، لكن الله لا يغيب عنه شيء من أمر عباده.

ولا يعني ذلك أن المؤمن يستغني عن الناس أو عن الأسباب التي أتاحها الله له، وإنما يعلم أن اعتماده النهائي على ربه.

ثم يقول تعالى:

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 255].

وهنا يقرر القرآن ملك الله الشامل.

فالإنسان قد يملك مالًا أو أرضًا أو سلطة ملكًا مقيدًا مؤقتًا، لكنه لا يخرج بذلك عن ملك الله.

وما في أيدينا من نعم وقدرات إنما هو مما استخلفنا الله فيه وابتلانا بكيفية استعماله.

ولهذا لا يجوز أن يتحول الملك إلى ذريعة للكبر أو الظلم.

ثم يقول تعالى:

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255].

وهنا يظهر سلطان الله المطلق.

فلا أحد يفرض على الله قرارًا، ولا يملك أن يتصرف في ملكه استقلالًا عنه.

وهذا يصحح ما قد يتسلل إلى الإنسان من تصورات تجعل لبعض المخلوقين سلطة غيبية مستقلة.

ثم يقول تعالى:

﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255].

وهنا يظهر كمال علم الله ومحدودية علم الإنسان.

وقد يبلغ الإنسان مراتب عظيمة من المعرفة، ويكشف كثيرًا من أسرار الكون، لكنه يظل عالمًا بما أذن الله له أن يعلمه، ولا يحيط بعلم الله.

وهذا لا يدعو إلى ترك البحث أو التقليل من قيمة العلم، بل إلى التواضع العلمي.

فمن أعظم أسباب الخطأ أن يظن الإنسان أن ما عرفه هو كل ما يمكن معرفته.

وقد يتخذ قرارًا بناءً على معلومات ناقصة، ثم تظهر له نتائج لم تكن في حسابه.

ولهذا يحتاج إلى العلم والمشاورة والتثبت، مع الاعتراف بأن علمه محدود.

ثم يقول تعالى:

﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: 255].

فنؤمن بما أخبر الله به، ولا نخوض في كيفية الغيب بما لا دليل عليه.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].

فحفظ السماوات والأرض لا يثقله ولا يعجزه.

وهنا يظهر الفرق بين قدرة الخالق وقدرة المخلوق.

فالإنسان قد يعجز عن إدارة شأن صغير من شؤونه، وقد تنهكه مسؤوليات محدودة.

أما الله سبحانه فلا يعجزه شيء.

ومن عرف أن الله هو الحي القيوم، وأن له ملك السماوات والأرض، وأن علمه محيط بكل شيء، أدرك أن افتقاره إلى الله ليس حالًا عارضًا عند الشدة، وإنما حقيقة ملازمة لوجوده كله.

لكن هذا اليقين لا ينبغي أن يبقى مجرد معرفة نظرية بأسماء الله وصفاته.

فمن آمن بأن الله عليم، راقب عمله في السر والعلن.

ومن آمن بأن الله مالك الملك، لم يغتر بما في يده.

ومن آمن بأن الله قيوم، لم يجعل الأسباب مستقلة عن خالقها.

ومن آمن بعظمته، لم يتخذ من دونه ندًا في العبادة أو التوكل.

ثم يقول تعالى:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256] البقرة: 256.

وهنا يأتي تقرير عظيم بعد آية الكرسي.

فالله الذي له الملك كله، وهو العلي العظيم، يبين لعباده أن الإيمان لا يُنشأ بمجرد الإكراه.

وقد تبين الرشد من الغي، وجاء الوحي بالهداية والبينات.

وهذا لا يعني أن الحق والباطل سواء، ولا أن جميع المعتقدات صحيحة.

بل الآية نفسها تقرر أن الرشد قد تبين من الغي.

لكن معرفة الحق والدعوة إليه شيء، وإكراه الإنسان على اعتقاده شيء آخر.

ولا ينبغي أن نلغي بهذا الأصل الأحكام التفصيلية التي تناولها الفقهاء في أبواب الدين والمجتمع، كما لا يجوز أن نتخذ تلك التفصيلات ذريعة لإهدار دلالة الآية الواضحة في نفي الإكراه في الدين.

ثم يقول تعالى:

﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256].

وهنا يبين القرآن حقيقة الاستمساك بالإيمان.

فلا يكفي أن يعلن الإنسان الإيمان بالله، ثم يجعل لغيره حقًا من حقوق الألوهية والعبادة.

بل لا بد من الكفر بالطاغوت والإيمان بالله.

وهذا المعنى يعيدنا إلى أصل التوحيد الذي قامت عليه دعوات الرسل.

ثم يقول تعالى:

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257] البقرة: 257.

وهنا يظهر أثر ولاية الله للمؤمنين.

فالقرآن يصور الهداية انتقالًا من الظلمات إلى النور.

واللافت أن الظلمات جاءت جمعًا، والنور مفردًا.

ويمكن أن نتأمل في ذلك تعدد صور الضلال واتحاد أصل الهداية في الحق الذي جاء من عند الله، دون أن نجزم بأن هذا هو المعنى الوحيد المقصود من التعبير.

ثم يقول تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: 257].

وهنا تظهر خطورة الولاية التي تصرف الإنسان عن الحق.

وقد يتعلق المرء بشخص أو جماعة أو سلطة تعلقًا يجعله يقدم طاعتها على طاعة الله.

لكن ينبغي ألا نخلط بين الولاء المحرم للطاغوت وبين العلاقات الإنسانية المشروعة، أو التعاون المباح، أو الوفاء بالعهود.

فالقرآن يأمر بالعدل، ولا يجعل مجرد الاختلاف في الدين مبررًا للظلم.

ثم تنتقل السورة إلى ثلاثة مشاهد تتعلق بالقدرة الإلهية والإحياء بعد الموت.

يبدأ المشهد الأول بقوله تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: 258] البقرة: 258.

وهنا يعرض القرآن محاجة إبراهيم عليه السلام لرجل آتاه الله الملك.

ولم يسمه القرآن، فلا حاجة إلى الجزم باسمه اعتمادًا على روايات لا تثبت بها دلالة الآية.

واللافت أن سبب الاغترار جاء في قوله:

﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: 258].

فالملك الذي كان ينبغي أن يكون سببًا للشكر أصبح سببًا للمحاجة في الله.

وهنا يظهر خطر أن تتحول النعمة إلى باب للكبر.

فقد يمنح الله الإنسان مالًا أو علمًا أو سلطانًا، ثم يظن أنه أصبح فوق المساءلة.

وقد يتعامل مع ما يملكه وكأنه دليل على أنه أحق من غيره بكل شيء.

لكن النعمة لا تجعل الإنسان خارج حدود العبودية.

قال إبراهيم عليه السلام:

﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: 258].

فأجاب الرجل:

﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258].

وهنا ادعى لنفسه ما لا يملك حقيقته على الوجه الذي يختص به الله.

فانتقل إبراهيم عليه السلام إلى حجة لا يستطيع خصمه أن يدفعها بمثل هذا التلبيس:

﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 258].

ثم يقول تعالى:

﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 258].

وهنا تظهر قوة الحجة الواضحة.

فإبراهيم عليه السلام لم يدخل في جدل طويل مع ادعاء باطل، وإنما أقام حجة تكشف عجز خصمه.

ومن هدايات هذا المشهد أن الحوار في الحق يحتاج إلى وضوح وبرهان، لا إلى رفع الصوت أو الإكثار من الخصومة.

كما يذكرنا بأن السلطة لا تجعل قول صاحبها صحيحًا.

فقد يملك الإنسان القدرة على إصدار الأوامر، لكنه لا يملك أن يغير حقائق الوجود.

فالملك لا يصنع الحقيقة، والقوة لا تحول الباطل إلى حق، ومن أعظم صور الغرور أن يخلط الإنسان بين ما يستطيع فرضه على الناس وما يملكه حقًا من قدرة.

ثم يأتي المشهد الثاني:

﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 259] البقرة: 259.

وهنا يعرض القرآن إنسانًا مر على قرية خربة، فتساءل عن كيفية إحيائها بعد موتها.

ولم يسمه القرآن، كما لم يحدد اسم القرية.

والأولى أن نقف عند ما ذكره النص، دون أن نجعل تحديد الأسماء والأماكن شرطًا لفهم العبرة.

ثم يقول تعالى:

﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: 259].

وهنا تتحول المسألة من سؤال عن إحياء القرية إلى آية تقع في حياة السائل نفسه.

فقد أماته الله مائة عام ثم بعثه.

ثم سأله:

﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ [البقرة: 259].

فقال:

﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة: 259].

فجاء الجواب:

﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة: 259].

وهنا تظهر محدودية إدراك الإنسان للزمن.

فقد يظن أنه أحاط بما وقع له، لكن الحقيقة أوسع من علمه.

ثم يوجهه الله إلى الطعام والشراب، وإلى حماره، وإلى العظام وكيف ينشزها ثم يكسوها لحمًا.

والغاية التي يذكرها القرآن:

﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 259].

ثم يقول تعالى:

﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 259].

وهنا ينتهي المشهد إلى اليقين بقدرة الله.

فمن خلق الإنسان أول مرة قادر على إعادته بعد موته.

وهذه الحقيقة لا تتعلق بالبعث وحده، بل تصحح نظرة الإنسان إلى حدود الممكن والمستحيل.

فقد يعجز الإنسان عن تصور كيفية وقوع شيء، لكنه لا يملك أن يجعل عجزه عن التصور دليلًا على عجز الله.

ومع ذلك ينبغي أن نميز بين الإيمان بقدرة الله المطلقة وبين ادعاء وقوع أحداث خارقة معينة دون دليل.

فالله قادر على كل شيء، لكننا لا نملك أن نجزم بأنه سيغير مجرى حادثة محددة بمعجزة، أو أنه سيحقق لنا نتيجة معينة خارج الأسباب المعتادة.

ثم يأتي المشهد الثالث مع إبراهيم عليه السلام:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾ [البقرة: 260] البقرة: 260.

وهنا يطلب إبراهيم عليه السلام أن يريه الله كيفية إحياء الموتى.

فيقول له ربه:

﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: 260].

فيجيب:

﴿بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260].

وهذا الجواب من أعظم ما يبين الفرق بين أصل الإيمان وطلب زيادة الطمأنينة.

فإبراهيم عليه السلام لم ينف إيمانه، بل أثبته صراحة:

﴿بَلَىٰ﴾.

ثم بين أنه يريد طمأنينة القلب.

وهنا ينبغي ألا نجعل طلب الفهم أو زيادة اليقين دليلًا على ضعف الإيمان في كل حال.

فقد يؤمن الإنسان بحقيقة، ثم يطلب مزيدًا من العلم الذي يزيد قلبه طمأنينة.

لكن لا ينبغي كذلك أن نسوي بين سؤال المؤمن طلبًا للعلم وبين الإعراض عن الحق بعد ظهوره.

فالسؤال تختلف قيمته بحسب مقصده وطريقته وموقف صاحبه من الدليل.

ثم يأمر الله إبراهيم عليه السلام أن يأخذ أربعة من الطير، ويبين له ما يفعل بها، ثم يدعوها فتأتيه سعيًا.

ويختم بقوله:

﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 260].

وهنا يجتمع اسمان عظيمان من أسماء الله.

فهو العزيز الذي لا يعجزه شيء، والحكيم الذي يضع الأمور مواضعها.

وهذا الاقتران بالغ الدلالة.

فقد يتصور الإنسان القدرة مجرد إمكان لفعل الشيء، لكن القرآن يذكر القدرة مقرونة بالحكمة.

فالله قادر على ما يشاء، وفعله قائم على حكمته، وإن لم ندرك نحن تفاصيلها.

ولا يعني ذلك أن نعين حكمة خاصة لكل حادثة دون دليل، أو أن نجزم بأن ما نراه من أذى سيؤدي حتمًا إلى منفعة دنيوية محددة.

وإنما نؤمن بكمال علم الله وحكمته، مع الاعتراف بمحدودية معرفتنا.

وبذلك تتصل هذه الآيات في بناء واحد.

فقد بدأت بذكر الرسل والاختلاف الذي وقع بعد مجيء البينات.

ثم دعت المؤمنين إلى الإنفاق قبل يوم الحساب.

ثم جاءت آية الكرسي لتقرر كمال حياة الله وقيوميته وملكه وعلمه وسلطانه.

ثم قررت أن الرشد قد تبين من الغي، وأن الله ولي المؤمنين يخرجهم من الظلمات إلى النور.

ثم عرضت ثلاثة مشاهد تكشف قدرة الله على الإحياء والإماتة، وتبين عجز الإنسان عن الإحاطة بسلطان ربه.

وفي جميع ذلك يظهر أن الإنسان لا يستغني عن الوحي، مهما بلغ من العلم أو القوة أو المكانة.

فهو يحتاج إلى الهداية ليعرف الحق.

ويحتاج إلى التقوى ليعمل به.

ويحتاج إلى التواضع حتى لا يغتر بما يملك.

ويحتاج إلى اليقين بالبعث حتى لا يجعل الدنيا غايته النهائية.

وهذا اليقين ينبغي أن يثمر عملًا صالحًا.

فمن آمن بأن الله يملك كل شيء، لم يجعل المال معبودًا يضحي من أجله بالحق.

ومن آمن بالآخرة، لم يحصر حساب الربح والخسارة في الدنيا.

ومن علم أن الله مطلع على السرائر، حرص على الإخلاص في أعماله.

ومن عرف أن الله هو الرازق، بذل من رزقه فيما أمره به، دون أن يجعل الخوف من الفقر سببًا لترك الحقوق الواجبة.

ومن هنا تنتقل السورة إلى تفصيل واسع في الإنفاق، وما يفسده من الرياء والمن والأذى، ثم إلى الربا والديون والحقوق المالية.

فتبدأ بقوله تعالى:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261] البقرة: 261.

وهنا تبدأ السورة في بناء أخلاق المال، لتبين أن ما يملكه الإنسان ليس مجرد وسيلة لإشباع رغباته، وإنما أمانة يظهر فيها صدق إيمانه، وعدله مع الناس، واستجابته لأمر الله.

شارك المقال