سنن التنزيل
دراسةُ سورة المائدة · الجزء 4 من 6

سورة المائدة — من الآية 51 إلى 86: الولاء والهوية وامتحان الثبات على الحق

  • 32 دقيقةً للقراءة
  • 41 آيةً

الولاء الصادق يختبر ثبات الإنسان على الحق واستقلال موقفه، بحيث لا يدفعه الخوف من تبدل موازين القوى إلى التنازل عن مبادئه أو التفريط في مقتضيات العدل.

حين تصبح العلاقات امتحانًا للوفاء بالعهد

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51] المائدة: 51.

بعد أن قررت السورة مرجعية الوحي، وحذرت من اتباع الأهواء في الحكم، تنتقل إلى جانب آخر من جوانب الوفاء بالعهد: العلاقات والولاءات التي قد تؤثر في استقلال الموقف وثبات الإنسان على مبادئه.

فالإنسان لا يعيش وحده، والمجتمعات والدول لا تستطيع أن تستغني عن العلاقات والتحالفات والتعاون مع الآخرين. لكن هذه العلاقات قد تتحول من وسائل لتحقيق المصالح المشروعة إلى أسباب للتبعية والتنازل عن الحقوق والمبادئ.

ومن هنا ينبغي أن نفهم النهي عن اتخاذ الأولياء في سياق السورة وما تقرره سائر آيات القرآن.

فليس المقصود تحريم كل علاقة مع اليهود والنصارى، ولا منع البر بهم أو العدل معهم أو التعاون معهم فيما هو مشروع.

وقد قررت السورة نفسها إباحة طعام أهل الكتاب، والزواج بالمحصنات منهم بشروطه الشرعية، وأمرت بالعدل حتى مع من توجد معهم عداوة.

كما قال الله تعالى:

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8] الممتحنة: 8.

وإنما يعالج هذا الموضع من سورة المائدة الولاء الذي يفضي إلى الانحياز المناقض لمقتضى الإيمان، أو إلى نصرة من يعادي المؤمنين على حساب دينهم وحقوقهم.

ولا يجوز أن تتحول الآية إلى حكم شامل على كل فرد بسبب انتمائه الديني، أو إلى ذريعة للاعتداء على المخالفين.

فالقرآن الذي ينهى عن موالاة تضر بالدين والحق هو نفسه الذي يأمر بالعدل ويحرم الاعتداء.

وهنا تظهر قاعدة مهمة: ليست كل علاقة ولاءً محرمًا، كما أن كل علاقة تحقق مصلحة ليست بالضرورة علاقة مشروعة.

فالعبرة بطبيعة العلاقة ومضمونها وآثارها، وبمدى التزامها حدود الله.

الخوف من تبدل الموازين

ثم يقول تعالى:

﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: 52] المائدة: 52.

هنا تكشف السورة الدافع الذي جعل بعض الناس يسارعون إلى تلك الموالاة.

إنه الخوف من تغير الظروف.

﴿نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: 52].

فقد كانوا يخشون أن تتبدل موازين القوة، أو تتغير الأحوال، فيفقدوا ما يظنون أنه مصدر أمنهم.

وهذا المعنى يتكرر في حياة الأفراد والجماعات والدول.

فقد يعرف الإنسان الحق، لكنه يخشى أن يفقد مكانته إذا التزم به.

وقد تعرف مؤسسة ما يقتضيه العدل، لكنها تتردد في اتخاذ موقف لأنها تخشى خسارة مصالحها.

وقد ترتبط دولة بعلاقات خارجية مشروعة في أصلها، ثم تتحول هذه العلاقات إلى تبعية تجعلها عاجزة عن اتخاذ موقف مستقل حتى حين تُنتهك حقوق واضحة.

لكن القرآن لا يذم مجرد تقدير المخاطر؛ فالحكمة تقتضي النظر في العواقب، وإعداد البدائل، وتجنب التهور.

إنما يذم أن يتحول الخوف إلى مبرر للتنازل عن الحق أو إعانة الظلم.

ثم يقول تعالى:

﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: 52].

وهنا يفتح القرآن أمام المؤمن أفقًا يتجاوز الحسابات الظاهرة.

فموازين القوة ليست ثابتة إلى الأبد، والأحوال قد تتغير على غير ما يتوقعه الناس.

لكن هذه الآية لا تمنحنا حق تحديد موعد لتحول سياسي أو عسكري، ولا الجزم بأن واقعة معاصرة بعينها هي المقصودة بالفتح المذكور.

إنما تعلمنا ألا نجعل الواقع القائم حكمًا نهائيًا على المستقبل، وألا نبيع المبادئ خوفًا من احتمالات لم تقع.

حين ينكشف الفرق بين الادعاء والحقيقة

ثم يقول تعالى:

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 53] المائدة: 53.

تنتقل الآية إلى لحظة انكشاف المواقف.

فقد كان بعض الناس يؤكدون انتماءهم ووفاءهم بالأيمان المغلظة، لكن حقيقة مواقفهم لم تكن موافقة لما أعلنوه.

وهنا تعود السورة إلى المعنى الذي افتتحت به:

﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].

فالوفاء لا يقاس بكثرة القسم ولا بارتفاع الصوت في إعلان الانتماء، وإنما يظهر حين تتعارض المصلحة العاجلة مع مقتضيات العهد.

وقد يكثر الإنسان من الحديث عن المبادئ ما دامت لا تكلفه شيئًا، لكنه حين يأتي الامتحان يتبين مدى صدقه.

ولا يعني ذلك أن نحكم على بواطن الناس بمجرد الظنون؛ فالله وحده يعلم السرائر، وإنما نتعامل مع الأفعال الظاهرة بما تقتضيه البينات والعدل.

وهنا تظهر سنة تتكرر في حياة المجتمعات: أن الأزمات تكشف كثيرًا مما كانت تخفيه أوقات الرخاء.

لكنها لا تمنح أحدًا حق اتهام الناس بالنفاق دون دليل.

سنة الاستبدال: حين لا يكون الانتماء ضمانًا للبقاء على الهداية

ثم يقول تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 54] المائدة: 54.

هذه الآية من المواضع العظيمة التي تكشف أن الانتماء إلى جماعة المؤمنين لا يجعل الإنسان مستغنيًا عن الثبات على دينه.

لكن ينبغي أن نلتزم دقة النص؛ فالآية تتحدث صراحة عن الارتداد عن الدين، فلا يصح أن نجعل كل تقصير أو اختلاف في الرأي أو إخفاق سياسي ارتدادًا، أو أن نجزم بأن جماعة معينة قد استبدلها الله بسبب واقعة محددة.

ومع ذلك فإن الآية تكشف حقيقة كبرى: أن دين الله لا يتوقف بقاؤه على فرد بعينه، ولا على جماعة بعينها.

فالإنسان محتاج إلى الهداية، وليس الله محتاجًا إلى أحد من خلقه.

ثم تعرض الآية صفات القوم الذين يأتي الله بهم.

وأول ما يلفت النظر أنها لم تبدأ بذكر قوتهم أو عددهم أو سلطانهم، وإنما بدأت بالمحبة:

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54].

فأصل العلاقة بالله ليس مجرد تكليف يؤديه الإنسان ظاهرًا، بل إيمان ومحبة يثمران الطاعة والثبات.

ثم تقول:

﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54].

وهنا يجتمع التواضع للمؤمنين مع العزة في الثبات على الدين.

فالعزة ليست كبرًا ولا ظلمًا، والتواضع ليس ضعفًا ولا ذلًا مذمومًا.

قد يكون الإنسان شديدًا في تمسكه بمبدئه، لكنه رحيم في معاملته، منصفًا في حكمه، بعيدًا عن الاعتداء.

ثم تقول الآية:

﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: 54].

فالمحبة ليست دعوى مجردة، بل تثمر بذل الجهد في طاعة الله والقيام بالواجبات المشروعة.

ومن أعظم امتحانات الثبات ألا يصبح رضا الناس أو خوف اللوم هو الذي يحدد موقف الإنسان.

وقد يواجه المرء ضغوطًا من أسرته أو محيطه أو أصحاب النفوذ، فيحتاج إلى شجاعة أدبية تحفظه من التنازل عن الحق.

لكن عدم الخوف من اللوم لا يعني رفض النصيحة أو الاستعلاء على النقد؛ فقد يكون الناصح محقًا، وقد يكون الإنسان مخطئًا فيما يظنه صوابًا.

وإنما المقصود ألا يترك الحق الذي تبين له لمجرد الخوف من اعتراض الناس.

وهكذا تجمع الآية بين المحبة والتواضع والعزة والعمل والثبات.

فالقوة التي يريدها الإيمان ليست قوة منفصلة عن الأخلاق، وإنما قوة يحكمها الحب لله والعدل مع الناس.

الولاية التي تعيد ترتيب الانتماء

ثم يقول تعالى:

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55] المائدة: 55.

بعد التحذير من الولاءات التي تضر بالإيمان، تبين السورة أصل الولاية التي ينبغي أن يستند إليها المؤمن.

فالله هو ولي المؤمنين، ورسوله صلى الله عليه وسلم مبلغ هدايته، والمؤمنون تربطهم رابطة الإيمان وما تقتضيه من نصرة وتعاون وتكافل.

وتأمل أن الآية وصفت المؤمنين بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

فالصلاة تعبر عن صلتهم بالله، والزكاة عن مسؤوليتهم تجاه الناس.

وهنا يتبين أن الانتماء الإيماني ليس مجرد هوية يرفعها الإنسان، وإنما التزامات تظهر في العبادة والحقوق.

ثم يقول تعالى:

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56] المائدة: 56.

ولا ينبغي أن نفهم الغلبة هنا على أنها وعد لكل جماعة تسمي نفسها حزب الله بانتصار دنيوي فوري، مهما كانت أعمالها وأخطاؤها.

فالانتساب اللفظي لا يكفي، كما أن سنن النصر والابتلاء تجري بحكمة الله.

إنما تبين الآية عاقبة الولاية الصادقة لله ورسوله والمؤمنين.

ومن هنا ينبغي ألا تتحول الأسماء والشعارات إلى بدائل عن حقيقة الإيمان والعمل.

حين تتحول المقدسات إلى موضع استهزاء

ثم يقول تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 57] المائدة: 57.

تحدد الآية هنا وصفًا سلوكيًا واضحًا: اتخاذ الدين هزوًا ولعبًا.

ثم تقول:

﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: 58] المائدة: 58.

وهنا تتصل قضية الولاء باحترام المقدسات.

فليس من الحكمة أن يجعل المؤمن من يستهزئ بدينه ويتعمد إهانة شعائره موضع ثقة وولاية تناقض مقتضيات إيمانه.

لكن ينبغي التمييز بين الاستهزاء المتعمد وبين السؤال أو النقد أو الاختلاف في الاعتقاد.

فليس كل من ناقش حكمًا شرعيًا أو خالف المسلمين في دينهم مستهزئًا بهم.

كما أن الرد على الإساءة ينبغي أن يبقى منضبطًا بالعدل، وألا يتحول إلى اعتداء على الأبرياء.

والقرآن يعلمنا أن تعظيم المقدسات لا ينفصل عن الالتزام بأخلاق الدين نفسه.

فلا يصح أن ندافع عن حرمة الصلاة مثلًا ثم ننتهك حرمة الدماء، أو أن نغضب لإهانة شعيرة ثم نظلم إنسانًا لا علاقة له بالإساءة.

حين يصبح الالتزام بالدين موضع اعتراض

ثم يقول تعالى:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 59] المائدة: 59.

هنا يبين القرآن أن من أسباب اعتراض بعض أهل الكتاب على المؤمنين إيمانهم بالله وبما أنزل من الوحي.

ثم تأتي الآية التالية:

﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 60] المائدة: 60.

وتذكر الآية صورًا من العقوبة التي وقعت على من استحقوها بأفعالهم.

ولا يجوز أن نجعلها وصفًا لجميع اليهود أو النصارى، أو أن نستعملها لإهانة إنسان بسبب نسبه أو دينه.

فالقرآن يربط الجزاء بالأفعال التي استحق أصحابها العقوبة بسببها.

ومن هنا فإن العبرة ليست في ترديد أوصاف العقوبة على الآخرين، وإنما في إدراك خطورة المعصية والفساد وعبادة الطاغوت.

فقد يقرأ الإنسان أخبار من عوقبوا ثم يغفل عن مراجعة نفسه.

والتدبر الصحيح يجعل هذه الآيات باعثًا على الخوف من الله، لا وسيلة للكبر على خلقه.

فساد الباطن حين يتحول إلى سلوك عام

ثم يقول تعالى:

﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: 61] المائدة: 61.

تعود السورة إلى التمييز بين الظاهر والباطن.

فقد يعلن الإنسان موقفًا لا يوافق ما في قلبه، لكن الله يعلم حقيقة ما يكتم.

ثم يقول تعالى:

﴿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 62] المائدة: 62.

وهنا يظهر أثر فساد الباطن في السلوك.

فالإثم والعدوان وأكل السحت ليست مجرد أخطاء فردية معزولة حين تتحول إلى ظواهر متكررة، بل تصبح أسبابًا لفساد العلاقات والمؤسسات.

وتأمل لفظ:

﴿يُسَارِعُونَ﴾.

فالمشكلة ليست وقوع الإنسان في الذنب ثم ندمه، بل المبادرة إليه والاستمرار فيه.

وقد يصبح الفساد في بعض البيئات أمرًا مألوفًا، حتى يتعامل الناس معه باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة.

وقد يعتاد الموظف الرشوة، أو المسؤول استغلال المنصب، أو التاجر أكل أموال الناس بالباطل، ثم تتراجع حساسية المجتمع تجاه هذه الأفعال.

وهنا لا يعود الخلل في فرد واحد، بل يمتد إلى المناخ الذي يسمح للفساد بالانتشار.

مسؤولية العلماء عن منع الفساد

ثم يقول تعالى:

﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 63] المائدة: 63.

هذه الآية من المواضع العظيمة في بيان المسؤولية الاجتماعية للعلماء وأهل التأثير.

فقد ذمت الآية الذين يسارعون في الإثم والعدوان، ثم توجهت باللوم إلى من كان ينبغي أن ينهاهم عن ذلك.

وهنا تتسع دائرة المسؤولية.

فليس كل من لم يرتكب الفساد بنفسه قد أدى واجبه كاملًا.

فقد يكون الإنسان صاحب علم أو مكانة أو تأثير، ويعلم بوقوع ظلم ظاهر، ثم يسكت عنه مع قدرته على البيان المشروع.

وقد يختار الصمت حفاظًا على مصلحة شخصية، أو خوفًا من فقدان مكانته.

لكن ينبغي أن نميز بين السكوت المذموم وبين العجز الحقيقي أو مراعاة المآلات الشرعية.

فليس كل من لم يتكلم في واقعة معينة مقصرًا بالضرورة؛ فقد يجهل حقيقتها، أو يعجز عن تغييرها، أو يخشى مفسدة راجحة لا يستطيع دفعها.

ومع ذلك فإن الآية تضع أمام أهل العلم سؤالًا لا ينبغي أن يغيب:

هل يؤدي العلم وظيفته في حماية الحق، أم يتحول إلى مكانة اجتماعية لا يترتب عليها إصلاح؟

وهذا المعنى يتجاوز العلماء بالمعنى الاصطلاحي إلى كل صاحب مسؤولية.

فالمعلم مسؤول عن الأمانة العلمية، والقاضي عن العدل، والمسؤول عن منع الفساد في مؤسسته، وصاحب التأثير عن ألا يجعل تأثيره وسيلة لتزيين الباطل.

فالمجتمع لا يفسده انتشار الظلم وحده، بل يزداد فساده حين تتعطل الأصوات والمؤسسات القادرة على مقاومته بالوسائل المشروعة.

حين يكشف الكلام عن سوء معرفة بالله

ثم يقول تعالى:

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64] المائدة: 64.

تذكر الآية مقالة باطلة نسبت إلى اليهود في سياقها، ويرد القرآن عليها بإثبات كمال جود الله وعطائه.

فالله لا يعجزه شيء، ولا تضيق خزائنه، ولا يمنعه مانع من أن يرزق من يشاء.

وهذا المعنى يصحح تصور الإنسان عن ربه.

فقد يضيق رزق الإنسان، أو تتعثر بعض أسبابه، فيسيء الظن بالله، وينسى أن خزائن الله لا تنفد.

لكن الإيمان بسعة عطاء الله لا يعني أن كل إنسان سيحصل على ما يريد في الوقت الذي يريده.

فالله يعطي ويمنع بحكمة، ويبتلي بالغنى والفقر، ويجري الأرزاق وفق سننه.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: 64، 68].

وهنا يظهر أن الوحي الواحد قد يكون سبب هداية لمن أقبل عليه بصدق، وقد يزداد به المعاند طغيانًا حين يقابله بالرفض والاستكبار.

فالخلل ليس في نور الوحي، وإنما في موقف المتلقي منه.

ثم يقول تعالى:

﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64].

وهنا تتصل العقيدة بالسلوك، ثم بالمآلات الاجتماعية.

فالفساد والعدوان ليسا طريقًا مضمونًا إلى الاستقرار، وإن امتلك أصحابه أسباب القوة.

لكن لا يجوز أن نقتطع هذه الآية لنجزم بأن كل حرب معاصرة ستنتهي بطريقة محددة أو في زمن معين، أو أن كل من ينتمي إلى جماعة دينية معينة يحمل المسؤولية عن أفعال دولة أو جيش.

إنما نقرأها في سياقها، ونستخلص منها خطورة الفساد وإيقاد الحروب، وأن الله لا يحب المفسدين.

وفي واقعنا نرى كيف يمكن للقوة العسكرية أن تهدم البيوت وتقتل الأبرياء وتفرض واقعًا قاسيًا، لكنها لا تجعل الظلم حقًا، ولا تمنح المعتدي براءة أخلاقية أو شرعية.

فالحقوق لا تتغير حقيقتها لمجرد أن أصحاب القوة استطاعوا انتهاكها.

باب الإيمان والتقوى يظل مفتوحًا

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: 65] المائدة: 65.

بعد ما عرضته السورة من صور الانحراف، يأتي هذا الوعد ليبين أن باب الهداية لم يغلق.

فالقرآن لا يجعل الماضي وحده حكمًا نهائيًا على الإنسان، وإنما يفتح أمامه طريق الإيمان والتقوى.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: 66] المائدة: 66.

وهنا تربط الآية بين إقامة ما أنزل الله وبين البركة والرزق في هذا الخطاب الموجه إلى أهل الكتاب.

ولا ينبغي أن نفهم ذلك على أن كل مؤمن سيكون غنيًا، أو أن كل فقير إنما أصابه الفقر بسبب معصية.

فقد يبتلي الله المؤمنين بضيق الرزق، وقد يمهل الظالمين فيوسع عليهم.

لكن الآية تقرر أن الاستقامة على هداية الله باب من أبواب الخير والبركة.

ثم تأتي الجملة التي ينبغي ألا تغيب عنا:

﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66].

فتفرق الآية بين الناس داخل الجماعة الواحدة.

وهذا من أعظم ضوابط الإنصاف.

فحتى في سياق النقد الشديد لأفعال كثيرين، يقرر القرآن وجود أمة مقتصدة منهم.

ومن هنا لا يجوز أن نحول الأحكام المتعلقة بأفعال جماعة إلى إدانة لكل أفرادها.

وهذا الضابط لا يختص بأهل الكتاب، بل ينبغي أن نلتزمه في أحكامنا على جميع الشعوب والمجتمعات.

فالأفعال تنسب إلى أصحابها، والجرائم إلى مرتكبيها ومن شاركوا في المسؤولية عنها، لا إلى كل من يجمعهم دين أو نسب أو وطن.

أمانة البلاغ: لا يجوز أن يحجب الخوف الحق

ثم يقول تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 67] المائدة: 67.

هنا تبلغ مسؤولية البلاغ منزلة عظيمة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بتبليغ ما أنزل الله إليه، دون كتمان شيء من الرسالة.

وقد تكفل الله بعصمته من الناس بما يحقق إتمام تبليغ الرسالة.

ولا يجوز أن ننقل هذا الوعد الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى كل داعية أو عالم أو مصلح، فنعده بأنه لن يصيبه أذى إذا قال الحق.

لكننا نتعلم من الآية أن أمانة البيان لا يجوز أن تخضع للأهواء والمصالح.

فالعالم مسؤول عن بيان ما علمه من الحق وفق قدرته وحكمته، وصاحب القرار مسؤول عن ألا يخفي ما يتعلق بحقوق الناس لمجرد خوفه من المساءلة.

وقد يكون من أصعب الامتحانات أن يقول الإنسان كلمة الحق حين يخشى أن يخسر بسببها مكانة أو منفعة.

لكن الصدق لا يعني التهور، كما أن الحكمة لا تعني كتمان الحق لمصلحة شخصية.

وهنا يعود معنى الآية الرابعة والخمسين:

﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: 54].

فالوفاء بالعهد يقتضي الثبات على الحق، مع حسن تقدير الوسائل والمآلات.

إقامة الكتاب لا مجرد الانتساب إليه

ثم يقول تعالى:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: 68] المائدة: 68.

هذه الآية تعيدنا إلى أصل يتكرر في السورة: أن قيمة الانتساب الديني لا تنفصل عن إقامة ما أنزل الله.

فليس كافيًا أن يقال إننا أهل كتاب، إذا لم يظهر أثر الكتاب في الاعتقاد والعمل.

وهذا المعنى ينبغي أن نوجهه إلى أنفسنا.

فنحن نعتز بأن الله أنزل إلينا القرآن، لكن هل أقمنا ما أمرنا به من العدل والصدق والأمانة وحفظ الحقوق؟

وهل تحول القرآن في حياتنا إلى مرجعية تضبط المعاملات والسياسات والمواقف، أم بقي حاضرًا في الشعارات وغائبًا عند تعارض المصالح؟

فالسورة لا تدعونا إلى الاكتفاء بنقد الأمم السابقة، وإنما تجعل أخبارها مرآة نراجع بها واقعنا.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 68].

وهنا يتكرر أن موقف الإنسان من الوحي قد يكشف ما في قلبه.

فالذي يطلب الحق ينتفع بالبيان، أما الذي يريد أن يحافظ على هواه فقد يقابل البيان بمزيد من العناد.

النجاة ليست دعوى انتساب

ثم يقول تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: 69] المائدة: 69.

تأتي هذه الآية في سياق يعالج دعاوى الانتساب ومواقف أهل الكتاب من الوحي.

وهي تقرر أن النجاة لا تقوم على مجرد الاسم الذي ينتسب إليه الإنسان، وإنما على الإيمان الحق والعمل الصالح.

وينبغي أن تُفهم الآية في ضوء سائر نصوص القرآن التي تقرر وجوب الإيمان برسل الله جميعًا، ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعد بعثته وبلوغ رسالته على وجه تقوم به الحجة.

فلا يصح أن نجعل الآية نافية لما قرره القرآن من وجوب الإيمان بالرسالة الخاتمة، كما لا يصح أن نتخذها ذريعة للحكم على مصائر أشخاص بأعيانهم دون علم بحقيقة أحوالهم وما بلغهم من الحق.

فالحساب النهائي إلى الله، وهو أعلم بعباده.

والعبرة التي نأخذها لأنفسنا أن الانتساب إلى الإسلام لا يغني عن حقيقة الإيمان والعمل الصالح.

فقد يحمل الإنسان اسمًا عظيمًا، لكنه يقصر في الوفاء بما يقتضيه.

ولهذا ينبغي أن يكون اعتزازنا بالإسلام دافعًا إلى الاستقامة، لا سببًا للاغترار.

حين يتكرر نقض الميثاق حتى يبلغ الاعتداء على الرسل

ثم يقول تعالى:

﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: 70] المائدة: 70.

هنا تعود السورة إلى الميثاق مرة أخرى.

وقد بدأت بذكر العهد، ثم عرضت نقض بني إسرائيل له، ثم جاءت قصة ابني آدم لتقرر حرمة النفس، وها هي تذكر أن الاعتداء بلغ عند فريق منهم حد قتل الرسل.

وتأمل قوله:

﴿بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ﴾ [المائدة: 70].

فالمشكلة لم تكن أن الرسل جاءوا بلا بينة، وإنما أن ما جاءوا به خالف أهواء بعض من خوطبوا.

وهنا يظهر خطر جعل الهوى ميزانًا لقبول الحق ورفضه.

فقد يقبل الإنسان من الدين ما يوافق مصالحه، لكنه يعارض ما يقيد رغباته.

وقد يتدرج هذا الرفض حتى يتحول إلى عدوان على من يحمل الحق.

ولا يجوز أن نعمم فعل القتل على كل بني إسرائيل؛ فالآية نفسها تقول:

﴿فَرِيقًا﴾.

لكنها تكشف أن الانحراف حين يستحكم قد يجعل الإنسان يعادي من جاء لإصلاحه.

ثم يقول تعالى:

﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 71] المائدة: 71.

وهنا يظهر تكرار الغفلة بعد التوبة.

فقد يتعرض الإنسان لتجربة تكشف له خطأه، فيرجع مدة، ثم يعود إلى ما كان عليه إذا لم يعالج جذور الانحراف.

وهذا يعلمنا أن الإصلاح الحقيقي لا يقف عند الاعتراف المؤقت بالخطأ، بل يحتاج إلى تغيير الأسباب التي أدت إليه.

فقد تتكرر الأخطاء في المؤسسات والدول لأن المعالجة تقتصر على الأشخاص، بينما تبقى الأنظمة التي أنتجت الفساد دون إصلاح.

وقد تتكرر أخطاء الإنسان لأنه يندم على النتائج، لكنه لا يغير العادات والأسباب التي قادته إليها.

وهنا تظهر أهمية الاستقامة بعد التوبة.

التوحيد: أصل العهد الذي لا يستقيم بدونه العمل

ثم يقول تعالى:

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 72] المائدة: 72.

تعود السورة إلى تصحيح الاعتقاد في عيسى عليه السلام.

وقد سبق أن قررت في الآية السابعة عشرة بطلان القول بألوهيته، وها هي تذكر دعوته الصريحة إلى عبادة الله.

﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 72، 117].

فالمسيح عليه السلام لم يدع الناس إلى عبادته، وإنما دعاهم إلى عبادة ربه وربهم.

ثم يقول تعالى:

﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: 72].

وهنا يظهر أن التوحيد ليس قضية هامشية في السورة، بل هو أصل العهد مع الله.

فقد تتعدد الواجبات والأحكام، لكن أساسها جميعًا أن يُعبد الله وحده.

ثم يقول تعالى:

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: 73] المائدة: 73.

فالقرآن يقرر وحدانية الله وينفي الشرك.

لكن تقرير الحكم العقدي لا يعني إباحة ظلم من يخالفنا في الاعتقاد.

فمن تمام الوفاء بالتوحيد أن نلتزم ما أمرنا الله به من العدل والصدق والرحمة.

ثم يقول تعالى:

﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 74] المائدة: 74.

وتأمل كيف يأتي فتح باب التوبة بعد بيان خطورة الاعتقاد الباطل.

فليس المقصود من البيان مجرد إدانة المخالف، بل دعوته إلى الحق وفتح طريق الرجوع إليه.

وهذا يوجه طريقة خطابنا للناس.

فالدعوة إلى التوحيد ينبغي أن تجمع بين وضوح العقيدة وحسن البيان، دون مجاملة في الحق أو ظلم للمخالف.

المسيح وأمه: البشرية التي لا تنقص من منزلة النبوة

ثم يقول تعالى:

﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: 75] المائدة: 75.

هنا يقدم القرآن دليلًا واضحًا على بشرية المسيح وأمه.

فكلاهما كان يأكل الطعام، ويحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر من أسباب الحياة.

وهذه الحاجة تنافي الألوهية التي لا يليق بها نقص ولا افتقار.

لكن إثبات بشرية عيسى عليه السلام لا ينقص من مقامه رسولًا كريمًا من أولي العزم، كما أن إثبات بشرية مريم عليها السلام لا ينقص من فضلها وصدقها.

بل إن القرآن يكرمهما بما يليق بمقامهما، دون أن يرفعهما إلى مرتبة الألوهية.

وهذا يعلمنا أن تعظيم الصالحين ينبغي أن يبقى منضبطًا بالحق.

فقد يبدأ الغلو بمحبة صادقة، ثم يتجاوز الإنسان حدود ما شرعه الله في التعظيم.

ولهذا فإن المحبة لا تعني إلغاء الفروق بين الخالق والمخلوق، ولا بين مقام النبوة ومقام الألوهية.

ثم يقول تعالى:

﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: 75].

فوضوح البيان لا يمنع وقوع الانحراف إذا غلب الهوى أو التقليد.

حين يعبد الإنسان ما لا يملك له ضرًا ولا نفعًا

ثم يقول تعالى:

﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: 76] المائدة: 76.

تعود السورة إلى أصل التوحيد من زاوية أخرى.

فالمعبود الحق هو الله الذي يملك النفع والضر، ويسمع ويعلم.

أما المخلوق، مهما بلغت منزلته، فلا يملك استقلالًا ما اختص الله به.

وهذا المعنى يحرر قلب الإنسان من التعلق المطلق بالمخلوقين.

فقد يتعلق المرء بإنسان قوي، أو بمنصب، أو بمال، حتى يظن أن مصيره كله بيده.

لكن القرآن يعيد ترتيب نظرته إلى الكون.

فالناس يملكون أسبابًا محدودة، وقد ينفع بعضهم بعضًا بإذن الله، لكنهم لا يملكون التصرف المطلق في الأقدار.

ومن هنا فإن المؤمن يأخذ بالأسباب، ويعرف أقدار الناس وحقوقهم، لكنه لا يجعل قلبه عبدًا لقوة بشرية أو مصلحة عابرة.

ثم يقول تعالى:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77] المائدة: 77.

وهنا يجتمع التحذير من الغلو واتباع الهوى.

فالغلو قد يبدأ من تجاوز حدود التعظيم، ثم يتحول إلى اعتقاد أو ممارسة لم يأذن بها الله.

وقد ينتشر بسبب تقليد من سبق دون مراجعة الدليل.

وهذا التحذير لا يخصنا في باب الاعتقاد وحده، بل ينبغي أن يجعلنا نراجع صور التشدد والتجاوز في حياتنا.

فليس كل ما يظنه الإنسان تعظيمًا للدين يكون مشروعًا.

وقد يكون من الوفاء للدين ألا نضيف إليه ما ليس منه، وألا نضيق على الناس بما لم يضيق الله به عليهم.

من المعصية الفردية إلى فساد المجتمع

ثم يقول تعالى:

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: 78] المائدة: 78.

ثم تكشف الآية التالية جانبًا بالغ الأهمية:

﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 79] المائدة: 79.

هنا لا تكتفي السورة بذكر المعصية والاعتداء، بل تكشف أن من أسباب الفساد تعطّل التناهي عن المنكر.

فقد يقع الخطأ من فرد، لكن الخطر يتسع حين يصبح المجتمع غير قادر على مقاومته أو تصحيحه.

وقد يتكرر الظلم حتى يألفه الناس.

وقد تنتشر الرشوة أو الخيانة أو الاعتداء على الحقوق، ثم يصبح السكوت عنها أمرًا معتادًا.

وهنا ينبغي أن نميز بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الاجتماعية.

فمرتكب المنكر مسؤول عن فعله، لكن من كان قادرًا على النهي عنه بالوسائل المشروعة، ثم ترك واجبه دون عذر، قد يتحمل نصيبًا من المسؤولية بحسب حاله.

ولا يعني ذلك أن كل فرد مسؤول عن منع كل منكر في العالم، أو أن العاجز يأثم لعجزه.

فالتكليف مرتبط بالعلم والقدرة والحكمة ومراعاة المآلات.

لكن الآية تمنعنا من اختزال الدين في صلاح الفرد وحده، مع تجاهل ما يجري حوله من ظلم وفساد يستطيع الإسهام في إصلاحه.

ومن هنا فإن المجتمع الصالح يحتاج إلى ثقافة لا تطبع مع المنكر، وإلى مؤسسات تراقب الفساد وتحاسب عليه، وإلى علماء ومربين يبينون الحق، وإلى أفراد يؤدون واجبهم بحسب استطاعتهم.

فالفساد لا يتسع بوجود من يرتكبه فقط، بل يجد طريقه إلى الانتشار حين يفقد المجتمع قدرته على مقاومته وتصحيحه.

الموالاة التي تكشف فساد الاختيار

ثم يقول تعالى:

﴿تَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: 80] المائدة: 80.

وهنا تعود السورة إلى قضية الموالاة التي بدأت بها هذا المقطع.

فقد عرضت في الآية الحادية والخمسين النهي عن الولاء الذي يناقض مقتضى الإيمان، ثم بينت دوافع الخوف والمصلحة، وها هي تعود إلى نتائج الاختيار الفاسد.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 81] المائدة: 81.

وهنا تظهر الصلة بين حقيقة الإيمان وطبيعة الولاء.

فقد يدعي الإنسان أنه متمسك بالحق، لكن اختياراته العملية قد تكشف أنه يقدم مصالح أخرى عليه.

ومع ذلك ينبغي ألا نحول هذه الآيات إلى منع شامل للتعاون المشروع بين المختلفين في الدين.

فالتعاون على إغاثة المنكوبين، وحفظ الحقوق، ومواجهة الظلم، وتحقيق المصالح المباحة لا يدخل بمجرده في الموالاة المحرمة.

إنما الخطر أن تصبح العلاقة سببًا في نصرة الباطل أو التنازل عن الحق.

وهذا المعنى يحتاج إليه الفرد والدولة معًا.

فقد تكون للدولة علاقات اقتصادية أو سياسية مع دول مختلفة، وهذه العلاقات لا يحكم عليها بمجرد اختلاف الدين، بل بمضمونها وآثارها وما تقتضيه من التزامات.

لكن لا يجوز أن تصبح المصالح الاقتصادية ذريعة لإعانة العدوان أو تبرير الجرائم أو التخلي عن حقوق المظلومين.

فالقرآن لا يطلب منا أن نلغي المصالح، وإنما أن نضبطها بالعدل والتقوى.

ليس الناس سواء: الإنصاف في قراءة أهل الكتاب

ثم يقول تعالى:

﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: 82] المائدة: 82.

هذه الآية تحتاج إلى قراءة دقيقة في سياقها.

فهي تعرض واقعًا من مواقف العداوة والمودة تجاه المؤمنين، وتبين سبب القرب من المودة لدى من وصفتهم من النصارى بوجود أهل علم وعبادة بينهم وبأنهم لا يستكبرون.

لكن لا يصح أن نحولها إلى حكم نفسي أو أخلاقي ثابت على كل فرد يهودي أو نصراني في كل زمان ومكان.

فالسورة نفسها قررت وجود أمة مقتصدة من أهل الكتاب، وذكرت أن كثيرًا منهم أساؤوا العمل، ثم ستعرض نموذجًا لمن تأثروا بالحق فآمنوا به.

وهذا يدل على أن الأفراد والجماعات ليسوا سواء في مواقفهم.

كما أن واقع العلاقات بين الناس يتأثر بالأفعال والسياسات والمصالح والاختيارات، لا بالانتساب الديني وحده.

ومن هنا فإننا حين ننظر إلى الاحتلال والعدوان الواقع على الشعب الفلسطيني، ينبغي أن نحدد المسؤولية عن الجرائم بحسب الأفعال والقرارات والمؤسسات التي ارتكبتها أو أعانت عليها، وألا نجعل الهوية الدينية وحدها أساسًا للإدانة.

فالعدل الذي أمر الله به لا يسقط عند اشتداد الخصومة.

ثم إن الآية تلفت نظرنا إلى صفة عظيمة:

﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: 82].

فالاستكبار من أعظم الحواجز التي تحول بين الإنسان وبين قبول الحق.

وقد يمتلك الإنسان علمًا واسعًا، لكنه إذا استكبر على ما تبين له من الحق لم ينتفع بعلمه.

وقد يكون أقل علمًا، لكنه متواضع صادق في طلب الهداية، فيفتح الله له أبوابًا من الخير.

حين يتحول سماع الوحي إلى إيمان

ثم يقول تعالى:

﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 83] المائدة: 83.

بعد عرض صور من العناد والتحريف والإعراض، تقدم السورة نموذجًا مختلفًا تمامًا.

إنهم قوم سمعوا ما أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فعرفوا من الحق ما حملهم على الإيمان.

وتأمل قوله:

﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 83].

فدموعهم ليست مجرد تأثر عاطفي منفصل عن المعرفة، وإنما ثمرة إدراك للحق واستجابة له.

وهنا يظهر أن القلب والعقل لا ينبغي أن يكونا خصمين في طريق الهداية.

فالمعرفة الصادقة قد تحرك القلب، والقلب المتواضع يعين الإنسان على قبول ما عرفه من الحق.

ثم يقولون:

﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 83].

فلم يكتفوا بالإعجاب بما سمعوا، بل أعلنوا إيمانهم.

وهذا فرق مهم بين التأثر بالقرآن والاستجابة له.

فقد يسمع الإنسان آية فتبكيه، ثم يعود إلى حياته دون أن يتغير شيء من سلوكه.

وقد يتأثر بموعظة، لكنه لا يترجم ذلك إلى عمل.

أما هؤلاء فقد انتقلوا من المعرفة إلى الإيمان، ومن التأثر إلى إعلان الموقف.

ثم يقول تعالى:

﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: 84] المائدة: 84.

وهنا يظهر صدق الرغبة في الهداية.

فهم لا يسألون عما سيفقدونه من مكانة أو علاقات إذا آمنوا، وإنما يسألون: ما الذي يمنعنا من الإيمان وقد جاءنا الحق؟

وهذا يذكرنا بما عرضته السورة قبل ذلك من قول الذين في قلوبهم مرض:

﴿نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: 52].

فالفريق الأول جعل الخوف من المستقبل سببًا للتردد والتبعية.

أما هؤلاء فجعلوا معرفة الحق سببًا للاستجابة.

وهنا تظهر المقابلة بين موقفين من الهداية: من يعرف ثم يخشى كلفة الاستجابة، ومن يعرف فيستجيب طمعًا في رضوان الله.

الجزاء الذي يربط القول بالصدق

ثم يقول تعالى:

﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 85] المائدة: 85.

لقد أثابهم الله بما قالوا من إيمان صادق دل عليه موقفهم واستجابتهم.

فليست العبرة بمجرد الألفاظ المنفصلة عن حقيقتها، وإنما بما تحمله من صدق وإيمان.

ثم يقول تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: 10، 86] المائدة: 86.

وهنا تختم السورة هذا المقطع بالمقابلة بين الإيمان والتكذيب، وبين الجزاء الذي ينتظر كل فريق.

وقد بدأ المقطع بالتحذير من الولاءات التي تصرف الإنسان عن مقتضيات إيمانه، ثم عرض دوافع الخوف والتردد، وبين صفات أهل المحبة والثبات، وكشف خطر الاستهزاء بالدين والغلو فيه، ومسؤولية العلماء عن مقاومة الفساد، ثم انتهى بنموذج أناس سمعوا الحق فاستجابوا له.

وهذا التدرج يكشف أن القضية الأعمق ليست مجرد تحديد من نحب ومن نعادي، وإنما كيف يحفظ الإنسان صدقه مع الله حين تتزاحم عليه المخاوف والمصالح والانتماءات؟

فالولاء الصادق لا يعني ظلم المخالف، والثبات على العقيدة لا يعني الغلو، والتعاون مع الآخرين لا يعني التنازل عن المبادئ، كما أن الاعتزاز بالدين لا يغني عن العمل بما جاء به.

ومن هنا فإن الوفاء بالعهد يظهر في وضوح المرجعية، واستقلال الموقف عن الضغوط التي تصرف عن الحق، والعدل مع الناس، والقيام بواجب الإصلاح، والتواضع عند ظهور الهداية.

لكن السورة، بعد أن عالجت العلاقات والولاءات، تعود إلى جانب آخر من حياة المؤمن: علاقته بما أحل الله له من الطيبات، وحدود التحريم، وضبط الأيمان، واجتناب ما يفسد العقل والمجتمع.

فتأتي الآية التالية:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87] المائدة: 87.

وهنا تبدأ معالجة جديدة تكشف أن الوفاء بالدين لا يكون بالغلو في التشدد، كما لا يكون بالتفريط في حدود الله، وإنما بالاستقامة على ما شرعه من غير زيادة ولا نقصان.

شارك المقال