سنن التنزيل
مقال

الرزق أوسع من المال

  • 4 دقائق للقراءة
  • 15 آيةً

حقيقة الرزق تتجاوز حدود المال لتشمل العافية والأمن وصلاح البال ورزق الهداية، وتتطلب منا إبصار النعم التي ألفناها وحمد الله عليها قبل فواتها.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22].

حين نسمع كلمة الرزق تذهب أذهاننا غالبًا إلى المال؛ إلى راتب يزداد، أو تجارة تربح، أو شيء نملكه.

لكن الرزق باب واسع من نعم الله، وأكبر من أن نحصره فيما يدخل أيدينا.

فمن الرزق ما هو حولنا، ومنه ما هو فينا، ومنه ما يأتينا في صورة إنسان، ومنه ما لا نعرف أنه رزق إلا بعد أن يُصرف عنا شر، وفوق ذلك كله رزق يقودنا إلى الله.

الصحة رزق.

أن نستيقظ فنفتح أعيننا، ونقوم على أقدامنا، ونأكل ونشرب ونتنفس دون ألم؛ نعم تتكرر كل يوم حتى نكاد ننسى أنها نعم.

قال النبي ﷺ:

«نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

فكم من إنسان أمضى سنوات يجمع المال، ثم أصبح مستعدًا أن ينفق الكثير منه ليسترد عافيةً كان يعيش فيها ولا يشعر بقيمتها!

والأمن رزق.

قال تعالى:

﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4].

جمع القرآن بين الطعام والأمن؛ فالحياة لا تقوم بلقمة نأكلها فحسب، بل تحتاج معها إلى قلب لا يرتجف خوفًا.

أن ننام في بيوتنا آمنين، وأن يخرج أحباؤنا ثم يعودوا إلينا سالمين، وأن يمر الليل دون خوف؛ كل ذلك رزق.

وصلاح البال رزق.

﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: 5].

قد يملك الإنسان مالًا كثيرًا ولا يملك راحة قلبه، وقد يكون قليل ذات اليد لكنه يحمل نفسًا مطمئنة:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

والقناعة رزق داخل الرزق.

قال النبي ﷺ:

«قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنّعه الله بما آتاه».

فقد يرزقنا الله العطاء، ثم يرزقنا الرضا به؛ فيجتمع لنا رزق ما أُعطينا، ورزق القناعة بما أُعطينا.

ومن أجمل الأرزاق ما يأتينا في صورة إنسان.

أبٌ وأمٌّ ما زلنا نستطيع برهما وسماع أصواتهما.

وزوج أو زوجة جعل الله بينهما:

﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].

وذرية طيبة ندعو الله بها:

﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: 38].

وأخٌ يشد الله به العضد:

﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35].

وصاحب صالح تبقى صحبته حين تنقلب كثير من الصحبة عداوة:

﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67].

ومن الرزق أن يضع الله لنا القبول في القلوب.

أن يحبنا الناس دون أن نشتري محبتهم، وأن يذكرونا بخير في غيابنا، وأن يجعل الله لنا وُدًّا لم نصنعه بمصلحة ولا بتكلّف:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96].

وقال النبي ﷺ فيمن أحبه الله: «ثم يوضع له القبول في الأرض».

ففرقٌ بين أن نطلب رضا الناس فنلاحق قلوبهم، وبين أن نطلب رضا الله فيجعل لنا الرحمن وُدًّا.

وهكذا قد يرزقنا الله أشخاصًا نحبهم، ويرزقنا قلوبًا تحبنا.

بل قد يأتي بعض الرزق في صورة منعٍ أو صرف.

باب طرقناه فلم يُفتح، وأمر تمنيناه فلم يتم، وطريق أردناه فصُرفنا عنه.

ننظر إلى ما فاتنا، ولا نعلم ما الذي صُرف عنا بفواته:

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

فليس كل باب مغلق حرمانًا، وقد يكون من رزق الله لنا أن يصرف عنا ما لا نعلم عاقبته.

ولكن لماذا لا نشعر بكثير من هذه الأرزاق؟

لأننا نألف النعمة.

نعتاد البيت حتى ننسى أنه نعمة، ونعتاد الماء والصحة والأهل والأمن، حتى تصبح في أعيننا تفاصيل عادية.

ولعل ما جرى في غزة أعطانا في زماننا درسًا موجعًا في هذا المعنى.

رأينا البيت الذي كان مأوى يصبح ركامًا، والأهل الذين كانوا مجتمعين يصبح بعضهم شهيدًا وبعضهم مفقودًا، والماء والطعام والدواء والأمان تتحول من تفاصيل يومية إلى مطالب عزيزة.

وكأن الواقع يضع أمامنا معنى قوله تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].

وهنا نتعلم درسًا ينبغي ألا ننتظر الفقد حتى نتعلمه:

بعض أعظم أرزاقنا هي الأشياء التي اعتدناها حتى توقفنا عن رؤيتها.

فالبيت رزق، والماء رزق، والطعام رزق، والعافية رزق، واجتماع الأهل رزق، وأن نضع رؤوسنا على وسائدنا دون خوف رزق.

فمن الحكمة أن نعرف قيمة النعمة وهي في أيدينا، لا بعدما تتحول إلى ذكرى نتمنى عودتها.

وهناك ما يزيد غفلتنا عن أرزاقنا: أن نمد أعيننا إلى ما عند الآخرين.

نرى من يملك أكثر، ويسكن أفضل، وحقق ما لم نحققه، فنظل نحصي ما عند غيرنا حتى ننسى ما عندنا.

وهنا يأتي التوجيه القرآني:

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ… وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131].

فقد لا تكون مشكلتنا في قلة ما رُزقنا، وإنما في ضيق مفهومنا للرزق، وكثرة نظرنا إلى ما رُزق غيرنا.

ولكن فوق المال والصحة والأمن والأهل والصحبة والقبول رزق أعظم:

رزق الهداية.

أن يعرف القلب ربه، وأن يجد طريقه إلى القرآن، وأن يُفتح له باب الدعاء والذكر، وأن يرزقه الله بصيرةً تردّه إليه كلما ابتعد:

﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11].

فالمال يفارقنا، والصحة تتغير، والأحبة يرحلون، والدنيا كلها إلى زوال؛ أما الهداية فهي الرزق الذي يقود بقية الأرزاق إلى غايتها، ويمتد أثره إلى ما بعد هذه الحياة.

ولذلك ربما لا نحتاج دائمًا إلى رزق جديد، بقدر ما نحتاج أحيانًا إلى عين جديدة ترى الأرزاق التي بين أيدينا.

أن نرى صحتنا، وأمننا، وأهلنا، ومن يحبنا، وما بقي لنا، وما صُرف عنا، وما هدانا الله إليه.

وهنا نفهم الشكر بصورة أعمق.

فالشكر ليس أن نقول «الحمد لله» بألسنتنا فحسب، وإنما أن نبصر النعمة، ونعرف قدرها، ونستعملها فيما يرضي الله:

﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [ابراهيم: 7].

فلا ننتظر المرض لنعرف قيمة العافية، ولا الفقد لنعرف قيمة الأحبة، ولا الخوف لنعرف قيمة الأمن، ولا ضيق الصدر لنعرف قيمة صلاح البال.

لننظر مرة أخرى إلى حياتنا…

فربما نكتشف أننا أغنى مما كنا نظن.

وأن الله كان يرزقنا طوال الوقت…

لكننا كنا نحسب الرزق مالًا فقط.

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18].

شارك المقال