سنن التنزيل
مقال

خلع النعلين… سنة التجرد قبل التمكين

  • 3 دقائق للقراءة
  • 8 آيات

سنة التجرد تقضي بتحرير القلب من التعلق بالأسباب قبل تسخيرها، ليكون إصلاح الباطن والتجرد التام لله شرطاً ربانياً يسبق الفتح والتمكين وحمل رسالة التغيير.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

ليست قصص القرآن أخبارًا تُروى عن أقوام مضوا، وإنما هي سنن ربانية تكشف كيف يصنع الله عباده، وكيف يهيئهم لحمل الأمانة قبل أن يمنحهم أسباب التمكين.

فالله سبحانه لا يفتح لعبده أبواب الآيات الكبرى قبل أن يهيئ قلبه لها، ولا يضع بين يديه أسباب القوة قبل أن يحرره من التعلق بها.

ومن أعظم مشاهد هذا الإعداد الرباني ما جرى لموسى عليه السلام عند الوادي المقدس طوى، حين اصطفاه الله وشرّفه بالنداء:

﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: 12].

وقبل أن يرى موسى العصا تنقلب حيّة، وقبل أن يرى يده تخرج بيضاء من غير سوء، وقبل أن يُكلَّف بمواجهة فرعون أعظم طغاة عصره، جاءه أمر يبدو يسيرًا في ظاهره، لكنه يحمل معنى عظيمًا في تربية النفس وإعدادها.

فلماذا كان خلع النعلين أول الطريق؟

إن النعلين وسيلة للسير في الأرض، وفي الدلالة التربوية يمكن للمتدبر أن يلحظ فيهما إشارة إلى ما يصاحب الإنسان في مسيره من مألوفات وعادات وتصورات.

وكأن الخطاب لموسى عليه السلام:

تهيأ للقاء الوحي، واترك وراءك ما ألفته النفس، فإن من يحمل رسالة الله يحتاج إلى قلب متجرد، لا تحكمه عادات الماضي ولا تقيده حسابات البشر.

ثم ينتقل المشهد إلى سؤال الله لموسى:

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ﴾ [طه: 17].

والله سبحانه يعلم ما في يد موسى، وإنما جاء السؤال ليفتح له بابًا من الإدراك؛ ليرى الإنسان حقيقة علاقته بما يملك.

فيجيب موسى:

﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾ [طه: 18].

لم تكن العصا مجرد خشبة، بل كانت سببًا ارتبط بحياته اليومية، يعتمد عليها في سيره ورعيه.

ولهذا جاء الأمر:

﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ﴾ [طه: 19].

وكأن الطريق إلى رؤية آيات الله الكبرى يمر بتحرير القلب من التعلق بما في اليد.

فلم يكن المقصود أن يترك موسى الأسباب، وإنما أن يصحح علاقته بها؛ فالأسباب تُؤخذ، لكنها لا تُعبد، ويُنتفع بها، لكنها لا تكون محل اعتماد القلب.

فلما ألقى موسى العصا ظهرت حقيقتها الجديدة:

﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾ [طه: 20].

وهنا تتجلى حقيقة عظيمة؛ فالإنسان كثيرًا ما يرى الأشياء بعين العادة، لا بعين القدرة الإلهية، حتى إذا تحرر قلبه من التعلق بها أراه الله من آياته ما لم يكن يتوقعه.

ثم جاء التثبيت:

﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ﴾ [طه: 21].

فالله لم يسلب موسى العصا، وإنما حرر قلبه منها، ثم أعادها إليه سببًا من أسباب النصر بعد أن أصبحت في موضعها الصحيح.

ثم يأتي المشهد الثاني:

﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ [طه: 22].

فاليد رمز القدرة والعمل، ولكن القوة إذا انفصلت عن الله أصبحت غرورًا، أما إذا اتصلت بالله أصبحت آية.

ولهذا جاءت الآيات بعد الطمأنينة، وجاءت القوة بعد التجرد.

ثم يأتي البيان الجامع:

﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَىٰ﴾ [طه: 23].

فكأن القرآن يعلمنا أن الآيات الكبرى في الخارج تسبقها آيات في الداخل؛ تحرير للقلب، وتصحيح للنظر، وتجريد للتعلق بالله وحده.

وهذه سنة من سنن التنزيل:

أن الله يهيئ عباده للتمكين بتجريد القلوب قبل تسخير الأسباب.

فكثير من أزمات الإنسان ليست في قلة الوسائل، وإنما في تعلقه بالوسائل.

قد يملك القوة، لكنه يفتقد التوكل.

وقد يملك الأدوات، لكنه ينسى رب الأدوات.

ولهذا لا يدعو القرآن إلى ترك الأسباب، بل إلى وضعها في موضعها الصحيح:

نأخذ بها بأيدينا، ولا نتعلق بها بقلوبنا.

نستخدمها، ولا نغفل عن أن الله هو خالقها ومصرفها.

وهذه السنة لا تخص موسى عليه السلام وحده، بل هي طريق كل من يحمل رسالة أو يريد إصلاحًا أو يسعى إلى تغيير.

فلا تمكين بلا إعداد.

ولا إعداد بلا تجرد.

ولا تجرد حقيقيًا إلا حين يتحرر القلب من كل تعلق ينافس تعلقه بالله.

وهكذا تمضي سنة الله في عباده:

يخلع الإنسان نعليه قبل أن يدخل ميادين الاصطفاء.

ويلقي عصاه قبل أن يراها آية.

ويُصلح قلبه قبل أن يحمل أمانة التغيير.

فإذا صدق التجرد، جاء التمكين، وإذا تعلق القلب بالله، سخر الله له من الأسباب ما لا يخطر له على بال.

﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَىٰ﴾ [طه: 23].

شارك المقال