سورة البقرة — المحور الحادي عشر والأخير: من هدى للمتقين إلى سمعنا وأطعنا: خاتمة العهد وتمام الاستجابة
خاتمة البقرة تتوّج مسار الهداية بإعلان الاستجابة العملية الواعية، التي تحوّل ميثاق الوحي إلى التزام مسؤول وافتقار دائم إلى رحمة الله وفضله.
بعد رحلة طويلة بدأت بهداية الوحي، ومرت بامتحان الإنسان في العهد والعبادة والمال والأسرة والقيادة والتدافع، تصل سورة البقرة إلى خاتمتها الجامعة.
واللافت أن هذه الخاتمة لا تبدأ بذكر عمل جديد، وإنما تعيد الإنسان إلى حقيقة سبق أن قررتها السورة في مواضع متعددة: أن الله مالك كل شيء، وأن الإنسان مسؤول أمامه عن عمله.
فقد رأينا في آية الكرسي قوله تعالى:
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 255] البقرة: 255.
والآن تعود الحقيقة نفسها:
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 284].
لكن السياق هنا يتجه إلى المحاسبة.
فالله الذي يملك السماوات والأرض يعلم ما يظهره الإنسان وما يخفيه، ولا يخرج شيء من أمره عن علمه وقدرته.
وهذا الانتقال له دلالة عميقة في بناء السورة.
فقد فصل القرآن أحكامًا كثيرة تتعلق بالأعمال الظاهرة، من الصلاة والصيام والإنفاق إلى الزواج والطلاق والديون والشهادة.
لكن الإنسان قد يلتزم صورة العمل الظاهرة، ويخفي في نفسه قصدًا يناقضها.
وقد يكتب عقدًا صحيح الألفاظ، لكنه يقصد التحايل على حق غيره.
وقد يشهد أمام الناس بكلام يبدو مستقيمًا، وهو يعلم أنه يخفي بعض الحقيقة.
وقد يقدم صدقة، لكنه يريد بها السمعة والثناء.
ولهذا تأتي الخاتمة لتقرر أن المحاسبة لا تنحصر فيما يراه الناس.
﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 284].
فالله يعلم السرائر كما يعلم الظواهر.
وهنا ينبغي أن نضبط الفهم حتى لا تتحول الآية إلى مصدر اضطراب لمن تعتريه خواطر لا يملك دفعها.
فقد جاء البيان النبوي بأن الله تجاوز لهذه الأمة عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم، وجاءت الآية التالية لتقرر أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
ولهذا يميز أهل العلم بين ما يستقر في القلب من اعتقاد أو قصد أو عزم يؤاخذ عليه العبد، وبين الخواطر العابرة والوساوس التي لا يختارها ولا يرضاها.
فليس كل ما يمر في النفس ذنبًا يحاسب عليه الإنسان.
كما أن عدم المؤاخذة بالخواطر غير الاختيارية لا يعني أن ما يعقد عليه القلب من نيات محرمة لا شأن له بالحساب.
فالقرآن يربي المؤمن على طهارة الظاهر والباطن معًا.
وهذا يفسر لنا لماذا تكررت في السورة الإشارة إلى علم الله بما في القلوب.
فقد قال سبحانه في أحكام الأسرة:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: 235] البقرة: 235.
وقال في شأن كتمان الشهادة:
﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] البقرة: 283.
ثم تأتي الآية التالية مباشرة لتقرر شمول علم الله ومحاسبته.
فكأن السورة تعيد الإنسان من تفاصيل المعاملات إلى أصل المسؤولية الذي يحكمها جميعًا.
فالعدل لا يكتمل بصحة الإجراءات وحدها، ما لم يصاحبه صدق في القصد وأمانة في أداء الحقوق.
ثم يقول تعالى:
وهنا يجتمع الرجاء والخوف.
فالله قادر على المحاسبة والجزاء، وهو سبحانه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وفق عدله وحكمته.
ولا ينبغي أن يفهم الإنسان سعة المغفرة على أنها إذن بالتمادي في الظلم.
كما لا ينبغي أن يجعله الخوف من الحساب يائسًا من رحمة الله.
فالمؤمن يسير إلى ربه بين الخوف والرجاء، ويتوب من ذنبه، ويرد الحقوق إلى أصحابها، ويرجو فضل الله.
وهذا يعيدنا إلى أول مشهد للإنسان في السورة: مشهد آدم عليه السلام.
فقد عصى آدم ربه، ثم تلقى من ربه كلمات فتاب عليه.
وهكذا بدأت رحلة الإنسان في السورة ببيان إمكان الخطأ وفتح باب التوبة، وتنتهي بالتذكير بالحساب والمغفرة.
فالإنسان ليس معصومًا من الزلل، لكنه مسؤول عن موقفه حين يزل.
هل يصر ويكابر، أم يرجع ويتوب ويصلح؟
ثم تأتي الآية التي تمثل ذروة الاستجابة في السورة:
وهنا يعود الحديث إلى الوحي.
فالسورة التي افتتحت بقوله تعالى:
﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] البقرة: 2.
تقترب من ختامها بإعلان إيمان الرسول والمؤمنين بما أنزل إليه من ربه.
وهذا من أجمل وجوه التناسب بين المطلع والخاتمة.
ففي المطلع عُرض الوحي بوصفه هداية للمتقين.
وفي الخاتمة يظهر موقف المؤمنين من هذه الهداية.
لقد آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولم يجعلوا إيمانهم قائمًا على قبول بعض الوحي ورفض بعضه تبعًا للأهواء.
وهذا يعيدنا إلى ما عرضته السورة من تجربة بعض بني إسرائيل مع العهد.
فقد جاء في وصف موقفهم:
﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: 93] البقرة: 93.
أما هنا فيأتي الإعلان المقابل:
﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: 285].
وهذه المقابلة من أبرز الخيوط الناظمة للسورة.
فالمشكلة التي عالجتها السورة لم تكن نقص المعلومات وحده، وإنما موقف الإنسان مما يعلم أنه حق.
وقد رأينا أقوامًا جاءتهم البينات، لكنهم أعرضوا أو بدلوا أو كتموا أو خالفوا.
ورأينا إبراهيم عليه السلام حين ابتلاه ربه بكلمات فأتمهن.
ورأينا تحويل القبلة امتحانًا للاتباع.
ورأينا أحكام الصيام والإنفاق والأسرة والمال، وما تتطلبه من التزام حدود الله.
ورأينا في قصة طالوت كيف تراجع كثير ممن أعلنوا الاستعداد حين جاء الامتحان العملي.
والآن تأتي الخاتمة لتجمع ذلك كله في كلمتين:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: 285].
وهنا ينبغي أن نتأمل الفرق بين السماع والطاعة.
فقد يسمع الإنسان الموعظة ويتأثر بها، لكنه لا يغير سلوكه.
وقد يعرف الحكم، ثم يؤخر العمل به.
وقد يقر بأن العدل واجب، لكنه لا يلتزمه حين يتعارض مع مصلحته.
وقد يطالب الآخرين بأداء الحقوق، لكنه يتساهل فيما عليه.
أما الاستجابة التي يربي القرآن عليها المؤمن فهي أن يتحول العلم إلى عمل، والإيمان إلى التزام.
لكن الطاعة لله لا تعني تعطيل العقل.
فالسورة نفسها ختمت أحكام الأسرة بقوله تعالى:
﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 242] البقرة: 242.
كما دعت إلى النظر في آيات الخلق، وعرضت الحجج والبراهين، وبينت أحكام المعاملات ووجوه العدل فيها.
فالإيمان ليس رفضًا للفهم، وإنما استجابة للحق بعد معرفته.
ومن هنا ينبغي أن نفرق بين التسليم لله وبين التسليم المطلق لأي فهم بشري يُنسب إلى الدين.
فالوحي حق، أما اجتهاد الإنسان في فهمه فقد يصيب وقد يخطئ.
ولهذا يحتاج المؤمن إلى العلم والتثبت والرجوع إلى أهل الاختصاص، دون أن يجعل اختلاف الاجتهادات ذريعة لرد ما ثبت من أمر الله.
ثم يقول المؤمنون:
﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].
وهنا تأتي عبارة عظيمة بعد إعلان السمع والطاعة.
فلم يقولوا إنهم أدوا كل ما عليهم، أو إنهم بلغوا الكمال.
بل طلبوا المغفرة.
وهذا يكشف طبيعة المؤمن الصادق.
فهو يجتهد في الطاعة، لكنه لا يغتر بعمله.
ويؤدي ما يستطيع من الواجبات، لكنه يعلم أنه محتاج إلى عفو الله ورحمته.
وقد يظن الإنسان أن الاستقامة تمنحه حقًا في النظر إلى الآخرين باستعلاء، لكن القرآن يعلم المؤمن أن يختم إعلانه للطاعة بطلب المغفرة.
ثم يقول:
﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].
وهنا يعود التذكير بالرجوع إلى الله.
فقد بدأت الآيات الأخيرة بملكه السماوات والأرض، ثم ذكرت الحساب، والآن يقر المؤمنون بأن المصير إليه.
وهذا الإقرار يضبط نظرة الإنسان إلى الدنيا.
فالمال الذي جمعه، والسلطة التي امتلكها، والعلاقات التي أقامها، والأعمال التي أنجزها، كلها تقع في زمن محدود.
ثم يرجع إلى الله.
ولذلك لا ينبغي أن يجعل النجاح الدنيوي معيارًا وحيدًا لصواب الطريق، ولا أن يظن أن فوات بعض مصالح الدنيا يعني ضياع عمله عند الله.
فالعبرة أن يسعى فيما أمر الله به، وأن يتحرى الحق والعدل، وأن يعلم أن الحساب الكامل يوم يرجع إلى ربه.
ثم تأتي الآية الأخيرة:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] البقرة: 286.
وهنا تبلغ الخاتمة مقامًا عظيمًا من الرحمة.
فبعد ما عرضته السورة من تكاليف وأحكام وابتلاءات، تقرر أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
وهذه الحقيقة ينبغي أن نفهمها فهمًا متوازنًا.
فهي لا تعني أن الإنسان غير مطالب إلا بما يرغب في فعله، أو أن كل مشقة دليل على سقوط التكليف.
كما لا تعني أن عليه أن يحمل نفسه أو غيره ما لا يطيق.
بل إن الله شرع لعباده من الأحكام ما يراعي قدرتهم، وجعل للأعذار أحكامها، وللضرورات ضوابطها.
وهنا يظهر الفرق بين المشقة التي تصاحب أداء الواجب، والعجز الذي يترتب عليه حكم شرعي.
فقد يكون العمل شاقًا، لكنه داخل في قدرة الإنسان.
وقد يبلغ به العجز حدًا يشرع معه التخفيف أو الرخصة.
ولا يجوز أن يجعل الإنسان دعوى العجز وسيلة للتهرب من مسؤولية يقدر عليها، كما لا يجوز أن يحمل غيره فوق وسعه ثم يطالبه بالصبر.
وهذا المعنى يتصل بما قررته السورة في أحكام الصيام:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] البقرة: 185.
ويتصل كذلك بما جاء في أحكام الرضاعة والنفقة:
﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 233] البقرة: 233.
فالتيسير ليس معنى طارئًا في خاتمة السورة، وإنما أصل ظهر في أحكامها.
ثم يقول تعالى:
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286].
وهنا تعود المسؤولية الفردية.
فالإنسان ينال ثواب ما كسب من الخير، ويتحمل تبعة ما اكتسب من الشر.
ولا يجوز أن يجعل خطأ غيره مبررًا لخطئه.
ولا أن يحتج بفساد المجتمع ليعفي نفسه من واجب الإصلاح.
كما لا يجوز أن نحمل إنسانًا ذنب غيره بغير حق.
وهذا يعيدنا إلى قوله تعالى في موضع سابق من السورة:
فقد حذر القرآن من الاتكال على الانتساب إلى الصالحين السابقين، وأعاد كل إنسان إلى مسؤوليته عن عمله.
والآن تأتي الخاتمة لتقرر المعنى نفسه.
فلا يكفي أن ينتسب الإنسان إلى أمة مؤمنة، أو إلى أسرة صالحة، أو إلى تاريخ عظيم.
بل عليه أن يؤدي ما كلفه الله به.
وهنا يظهر أن الاعتزاز بتاريخ الأمة لا ينبغي أن يكون بديلًا عن العمل لإصلاح حاضرها.
فما أنجزه السابقون لهم أجره، وما نعمله نحن لنا مسؤوليته.
ثم يبدأ الدعاء:
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286].
وهنا يظهر افتقار المؤمن إلى رحمة الله في مواضع الضعف البشري.
فالإنسان ينسى ويخطئ.
وقد يجتهد في فعل الصواب، ثم يقع منه الخطأ بغير قصد.
وقد يغفل عن أمر ثم يتذكره.
ولهذا علمه الله أن يسأله العفو عن النسيان والخطأ.
وقد ثبت في السنة أن الله استجاب لهذا الدعاء.
لكن عدم المؤاخذة بالإثم في صور الخطأ والنسيان لا يعني بالضرورة سقوط جميع الحقوق والآثار المترتبة على الأفعال.
فقد يقع ضرر غير مقصود، وتبقى له أحكام تتعلق بالتعويض أو غيره.
ولهذا ينبغي أن نفرق بين الإثم وبين الحقوق التي قد تترتب على الفعل.
ثم يقول تعالى:
وهنا يعود الحديث إلى الأمم السابقة.
وقد عرضت السورة في بدايتها تجربة بني إسرائيل مع العهد والتكاليف والمخالفة.
والآن يعلم الله المؤمنين أن يسألوه ألا يحمل عليهم إصرًا كما حمله على الذين من قبلهم.
وهذا الدعاء يذكرنا بنعمة التخفيف والرحمة في الشريعة.
لكن لا ينبغي أن نستعمله للحكم على جميع أحوال الأمم السابقة دون تفصيل، أو أن نجعل كل مشقة يواجهها المسلم دليلًا على وقوع إصر عليه.
فالمقصود سؤال الله الرحمة والتخفيف، والاعتراف بأن العبد لا يستغني عن فضله.
ثم يقول تعالى:
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286].
وهنا يتكرر الافتقار إلى الله.
فقد قررت الآية أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ثم علمت المؤمنين أن يسألوه ألا يحملهم ما لا طاقة لهم به.
وهذا يشمل افتقار الإنسان إلى لطف الله وعافيته في مواجهة ما قد ينزل به من شدائد.
فقد يبتلى الإنسان بما يعظم عليه احتماله، فيحتاج إلى عون الله وتثبيته وتخفيف البلاء عنه.
ولا ينبغي أن نستخدم هذه الآية لتقليل معاناة المبتلين، أو أن نقول لمن أثقلته المصائب إن ألمه دليل على ضعف إيمانه.
فالصبر لا يلغي الألم، والتوكل لا يمنع الحزن، والرضا بحكم الله لا يحرم الإنسان من طلب العون ودفع الضرر.
وقد علمنا القرآن في هذه السورة أن نستعين بالصبر والصلاة، وأن نقول عند المصيبة:
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156] البقرة: 156.
والآن يعلمنا أن نسأل الله ألا يحملنا ما لا طاقة لنا به.
فالمؤمن لا يدعي القوة المطلقة، وإنما يعرف ضعفه ويلجأ إلى ربه.
ثم يقول تعالى:
﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: 286].
وهنا تجتمع ثلاثة مطالب عظيمة: العفو والمغفرة والرحمة.
فالإنسان مهما اجتهد في الطاعة، يظل محتاجًا إلى عفو الله عن تقصيره، ومغفرته لذنوبه، ورحمته التي لا يستغني عنها طرفة عين.
وهذا يربي النفس على التواضع.
فقد يستطيع الإنسان أن يحاسب الآخرين بدقة، لكنه حين يقف بين يدي الله يعلم أنه محتاج إلى الرحمة.
وقد يشتد في المطالبة بحقه، لكنه يعلم أن من أعظم ما يرجوه من ربه العفو.
ولا يعني ذلك إسقاط حقوق المظلومين أو مطالبتهم بالعفو قسرًا.
وإنما يربي المؤمن على أن يجمع بين العدل والرحمة، وأن يعرف حاجته إلى فضل الله.
ثم تأتي العبارة الجامعة:
﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: 286].
وهنا يظهر معنى الولاية الذي سبق أن قررته السورة:
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257] البقرة: 257.
فالله مولى المؤمنين وناصرهم.
وهذه الولاية لا تعني أن حياتهم ستكون خالية من الابتلاء، ولا أن كل مواجهة يخوضونها ستنتهي بالنصر الدنيوي الذي يريدونه.
بل تعني أن عليهم أن يثبتوا على الإيمان، وأن يطلبوا عون الله، وأن يعملوا بما شرعه من الأسباب.
ثم تختم السورة بالدعاء:
﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286].
وهنا نعود إلى معنى سبق أن ظهر في قصة طالوت وجالوت.
فقد دعا المؤمنون حين برزوا لجالوت وجنوده:
﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 250] البقرة: 250.
والآن تختم السورة بدعاء النصر.
لكن هذا الدعاء يأتي بعد إعلان الإيمان والطاعة، وبعد الاعتراف بالضعف، وطلب العفو والمغفرة والرحمة.
وهذا الترتيب جدير بالتأمل.
فالنصر ليس شعارًا منفصلًا عن بناء الإنسان المؤمن.
وليس دعاءً يعفي الأمة من أداء واجباتها.
فقد عرضت السورة قبل ذلك أحكام العدل، والإنفاق، والإعداد، والطاعة، وحفظ الحقوق، والثبات عند الابتلاء.
ثم علمت المؤمنين أن يطلبوا النصر من الله.
وهكذا يجتمع في الخاتمة ما تفرق في مواضع السورة من معاني الإيمان والعمل والافتقار إلى الله.
فالأمة التي تقول: ﴿فَانْصُرْنَا﴾، هي الأمة التي ينبغي أن تصدق أولًا في قولها: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: 285].
ولا يعني ذلك أن كل تأخر للنصر دليل على تقصير معين نستطيع الجزم به، أو أن كل هزيمة عقوبة على ذنب محدد.
فأقدار الله أوسع من علمنا، وقد يبتلي عباده الصالحين، وقد يمهل الظالمين.
لكن الواجب الذي نستطيع معرفته هو أن نصلح ما نقدر عليه من أنفسنا وأعمالنا ومؤسساتنا، وأن نلتزم الحق والعدل، وألا نجعل انتظار النصر بديلًا عن أداء المسؤولية.
ختام السورة: ماذا صنعت البقرة في بناء الإنسان والأمة؟
إذا عدنا إلى مطلع السورة بعد هذه الرحلة، وجدنا أن البناء القرآني قد اكتمل في صورة جامعة.
فقد بدأت السورة بقوله تعالى:
﴿الم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] البقرة: 1–2.
ثم عرضت أصناف الناس في الاستجابة للهداية.
فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، ومنهم من أظهر الإيمان وأبطن خلافه.
ثم عرضت قصة آدم عليه السلام، لتبين بداية امتحان الإنسان في الأرض، وما يتصل به من الطاعة والمعصية والتوبة والهداية.
ثم انتقلت إلى بني إسرائيل، فذكرت العهد والنعمة، وما وقع من بعضهم من مخالفة وكتمان وتحريف وإعراض.
ولم يكن المقصود مجرد سرد تاريخ أمة سابقة، وإنما تحذير كل من يحمل الوحي من أن يقع فيما وقع فيه من سبقه.
ثم عرضت إبراهيم عليه السلام نموذجًا للوفاء بالعهد وإتمام الابتلاء.
وانتقلت إلى بناء البيت الحرام، ودعاء إبراهيم وإسماعيل، وبعثة الرسول، وتحويل القبلة، وبناء الأمة الوسط التي تحمل مسؤولية الشهادة على الناس.
ثم بدأت مرحلة واسعة من التربية والتشريع.
فعلمت المؤمنين الاستعانة بالصبر والصلاة، وربطت الابتلاء بالرجوع إلى الله.
ثم بينت معاني البر، وأحكام القصاص والوصية والصيام والحج والإنفاق والقتال.
ثم تناولت الأسرة، وما تحتاج إليه من عدل ورحمة وحفظ للحقوق في حال الوصل والفراق.
ثم عرضت قصة طالوت وجالوت، لتبين امتحان القيادة والطاعة والانضباط والثبات، وتقرر سنة التدافع التي يدفع الله بها الناس بعضهم ببعض.
ثم جاءت آية الكرسي، لتعيد الإنسان إلى كمال ملك الله وعلمه وقدرته.
ثم فصلت السورة أحكام المال والإنفاق والربا والديون والشهادة، لتبين أن الإيمان يظهر كذلك في المعاملات، وأن التقوى لا تنفصل عن العدل الاقتصادي.
وأخيرًا جاءت الخاتمة لتجمع ذلك كله في إعلان الإيمان والطاعة، والاعتراف بالافتقار إلى الله.
وهنا يتضح أن سورة البقرة ليست مجموعة أحكام متفرقة، ولا سلسلة قصص مستقلة بعضها عن بعض.
بل هي بناء قرآني متكامل، يتدرج في تربية الإنسان والأمة على حمل مسؤولية الوحي.
ويمكن أن نجمع خيطها الناظم في ثلاث حقائق:
الوحي هداية، والتكليف امتحان، والاستجابة برهان الإيمان.
فالوحي يبين الطريق.
والتكليف يكشف موقف الإنسان من هذا الطريق.
والاستجابة تظهر صدق الإيمان في واقع الحياة.
وقد يكون الإنسان عالمًا بالحكم، لكن الامتحان حين تتعارض الطاعة مع رغبته.
وقد يكون مقتنعًا بالعدل، لكن الامتحان حين يكون الحق لخصمه.
وقد يحب الإنفاق، لكن الامتحان حين يخاف نقصان ماله.
وقد يتحدث عن الصبر، لكن الامتحان حين تصيبه المصيبة.
وقد يعلن الاستعداد للتضحية، لكن الامتحان حين يصبح البذل واجبًا عليه.
وهكذا تكشف السورة أن الإيمان لا يكتمل بمجرد الانتماء أو المعرفة أو إعلان المواقف.
بل يحتاج إلى استجابة عملية متجددة.
من الفرد إلى الأمة: كيف ننزل هداية السورة على واقعنا؟
حين ننظر إلى واقعنا أفرادًا وأسرًا ومجتمعات ودولًا، نجد أن كثيرًا من المشكلات لا يرجع إلى غياب الشعارات الصحيحة، وإنما إلى الفجوة بين ما نعلنه وما نعمل به.
فقد نعرف قيمة الصدق، لكننا نتساهل فيه حين تتعارض الحقيقة مع مصالحنا.
وقد نتحدث عن العدل، لكننا نطالب به لأنفسنا ولا نؤديه لغيرنا.
وقد نحرص على العبادة، لكننا نهمل حقوق من يعيشون معنا.
وقد ندعو إلى وحدة الصف، ثم نقدم العصبية والمصلحة الخاصة على الحق.
وقد نطالب بقيادة كفؤة، ثم نختار المسؤولين بناءً على القرابة أو النفوذ أو المال.
وقد نرفع شعار نصرة المظلوم، ثم نقصر فيما نقدر عليه من وسائل النصرة المشروعة.
وهنا تعيدنا سورة البقرة إلى السؤال العملي:
ما الذي ينبغي أن يتغير في سلوكنا حتى يكون قولنا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: 285] صادقًا؟
فعلى مستوى الفرد، تبدأ الاستجابة بمراجعة علاقته بالله، وأمانته في عمله، وصدقه في قوله، وعدله في معاملاته.
وعلى مستوى الأسرة، تظهر في حفظ الحقوق، وحسن العشرة، والعدل عند الخلاف، ورعاية الأبناء، وعدم تحويل السلطة أو المال إلى وسيلة للإضرار.
وعلى مستوى المجتمع، تظهر في رعاية المحتاجين، وحفظ الأموال، وأداء الشهادات، ومنع الظلم، وإسناد المسؤوليات إلى أهلها.
وعلى مستوى الدول، تظهر في إقامة العدل، وحماية الحقوق، وحسن إدارة الموارد، وبناء المؤسسات القادرة على أداء واجباتها، وامتلاك أسباب القوة المشروعة التي تحفظ الأمن وتدفع العدوان.
ولا يكفي أن نشخص الخلل، بل ينبغي أن نسأل عن العمل الذي نستطيع القيام به لإصلاحه.
فمن كان في موضع علم، فليؤد أمانة العلم.
ومن كان في موضع مال، فليؤد حقوق المال.
ومن كان في موضع قرار، فليتحر العدل والكفاءة.
ومن كان قادرًا على إصلاح ذات البين، فلا يجعل الخصومة سببًا لترك الإصلاح.
ومن عرف حقًا لغيره، فلا يؤخر أداءه.
ومن رأى ظلمًا، فليعمل على دفعه بما يقدر عليه من الوسائل المشروعة والحكيمة.
فهذه الأعمال ليست أمورًا منفصلة عن التدين، بل هي من مقتضيات الاستجابة للهداية التي حملتها السورة.
الخاتمة الجامعة: من هدى للمتقين إلى سمعنا وأطعنا
لقد افتتحت سورة البقرة بتعريفنا بالكتاب الذي لا ريب فيه، وبأنه هدى للمتقين.
ثم أخذتنا في رحلة طويلة لنتعلم أن الهداية ليست مجرد نور نراه، وإنما طريق نسير فيه.
وأن العهد ليس كلمة نقولها، وإنما مسؤولية نؤديها.
وأن الإيمان ليس انتسابًا نتوارثه، وإنما تصديق واستجابة وعمل.
وأن التقوى ليست محصورة في الشعائر، وإنما تمتد إلى المال والأسرة والحقوق والقيادة والعلاقات الإنسانية.
وأن القوة لا تغني عن العدل، كما أن حسن المقصد لا يغني عن العلم والإعداد.
وأن الإنسان مهما بلغ من القدرة يظل مفتقرًا إلى ربه، محتاجًا إلى عفوه ومغفرته ورحمته.
ثم تصل السورة إلى إعلان المؤمنين:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].
وهنا تجتمع معاني السورة في موقف واحد.
سمعنا: إقرار بالوحي وقبول للهداية.
وأطعنا: التزام بالعمل والاستجابة.
غفرانك ربنا: اعتراف بالتقصير والافتقار إلى الرحمة.
وإليك المصير: يقين بالحساب والرجوع إلى الله.
ثم يأتي الدعاء الذي يختم السورة:
وهكذا لا تنتهي السورة بإعلان الاكتفاء بما أنجز الإنسان، وإنما تنتهي بالافتقار إلى الله.
فبعد كل ما تعلمه المؤمن من الهداية والأحكام والسنن، لا يزال يقول:
ربنا اعف عنا.
ربنا اغفر لنا.
ربنا ارحمنا.
أنت مولانا.
وهذا هو موضع العبد من ربه.
يعمل ولا يغتر.
ويطيع ولا يدعي الكمال.
ويأخذ بالأسباب ولا يستغني عن الله.
ويرجو النصر ولا يترك واجبه.
ويعرف ضعفه، لكنه لا يجعل ضعفه عذرًا للقعود عما يستطيع.
لقد بدأت السورة بهداية تنتظر الاستجابة، وانتهت باستجابة تستمد عونها من الله.
وبين البداية والنهاية تتشكل شخصية المؤمن، وتُبنى الأسرة، وتُربى الجماعة، وتُحفظ الحقوق، وتُضبط القوة، وتُقام المسؤولية.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يصحبنا بعد الفراغ من تدبر السورة:
إذا كنا نقول بألسنتنا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: 285]، فما الذي يشهد لهذا القول في حياتنا؟
فليس المقصود أن نخرج من السورة وقد عرفنا موضوعاتها فحسب، وإنما أن نخرج منها ونحن أصدق استجابة لله، وأعدل مع الناس، وأحرص على أداء الحقوق، وأقدر على تحمل المسؤولية.
وأن نجعل ما تعلمناه من هدايتها حاضرًا في قراراتنا وأعمالنا، لا مجرد معانٍ نستحسنها عند القراءة.
نسأل الله أن يجعل القرآن هداية لقلوبنا، ونورًا لأبصارنا وبصائرنا، وأن يعيننا على فهم كتابه والعمل به، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ختامًا، فإن سورة البقرة تعلمنا أن الطريق إلى الله لا يكتمل بمعرفة الحق حتى نتبعه، ولا بادعاء الإيمان حتى نصدقه بالعمل، ولا بالأخذ بالأسباب حتى نفتقر إلى مسببها.
والحمد لله رب العالمين.