حين جاء المستحيل… وقال الطفل: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾
معجزة مريم تكشف كيف تتنزل رحمة الله وقدرته في قلب الشدائد الإنسانية، لترسخ حقيقة العبودية الخالصة وتدعو العبد إلى بذل أسبابه المستطاعة.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 16–17]. انتهى المشهد السابق بيحيى عليه السلام: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 15]. ثم تنتقل السورة إلى ميلاد آخر. لكن الطريق إليه مختلف. هناك شيخ دعا طويلًا أن يرزقه الله ولدًا، مع وجود الشيخوخة والعقم. وهنا امرأة لم تطلب ولدًا أصلًا، ولا يوجد السبب البشري المعتاد للولادة. هناك كانت الأسباب موجودة ولكنها بلغت غاية الضعف. وهنا يغيب السبب المعتاد أصلًا. ومع ذلك سيأتي الجواب نفسه: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: 9، 21]. تغيرت صورة المستحيل في أعين البشر، ولم يتغير جواب القدرة الإلهية.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: 16]
تبدأ القصة بأمر بالذكر: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: 16]. وسيتكرر هذا البناء ونحن نمضي: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [مريم: 41]. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ﴾ [مريم: 51]. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ [مريم: 54]. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: 56]. فلنحتفظ بهذا الخيط. فالسورة التي تحفظ ذكر هؤلاء في الكتاب ستنتهي بسؤال رهيب عن قرون ذهبت: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: 98]. لكننا لا نستبق الطريق. مريم الآن وحدها. ﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: 16]. ثم: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: 17]. وفي هذه الخلوة يظهر لها بشر سوي. فكان أول ما خرج من قلبها: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 18].
حين يكون أول ملجئك الله
لم تبدأ مريم بسؤال طويل. ولم تدخل في حوار قبل أن تحتمي. قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ﴾ [مريم: 18]. ومن اللافت أن اسم الرحمن يظهر هنا في لحظة خوف. فالرحمن ليس اسمًا نستحضره عند النعمة الظاهرة وحدها. نلجأ إليه حين نخاف. ونستعين به حين تضيق الأسباب. ورحمته ليست معنى رقيقًا منفصلًا عن التكليف والتحذير والحساب؛ فالسورة نفسها ستذكر الرحمن في مواطن الوعد والوعيد والحشر والعبودية. ثم قالت: ﴿إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 18]. كأنها تستنفر فيمن أمامها الرقيب الذي ينبغي أن يكون في داخله. إن كانت التقوى حية في القلب، فذكر الله رادع ولو لم يكن هناك رقيب من البشر. وقد مر بنا يحيى: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 13]. وسنرى التقوى تنمو خيطًا في السورة حتى نصل إلى المتقين وهم يحشرون إلى الرحمن وفدًا.
هبة لم تطلبها
جاءها الجواب: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: 19]. في قصة زكريا كان الدعاء: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: 5]. وهنا تأتي مريم البشرى بغلام زكي دون أن تكون قد طلبته. هناك هبة سبقتها مسألة. وهنا هبة جاءت ضمن قدر لم يخطر لها. وهذا يوسع فهمنا للعطاء. فليس كل ما يقدره الله لنا يأتي بالصورة التي طلبناها، ولا كل عطائه محصورًا فيما عرفنا نحن كيف نسأله. لكن مريم لا ترى في اللحظة كل ما سيأتي بعد ذلك. إنها أمام سؤال بشري واضح: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: 20]. لا زوج. ولا طريق محرم. فمن أين الولد؟ ويأتي الجواب الذي سمعناه قبل قليل مع زكريا: ﴿كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: 9، 21]. هناك كانت امرأة عاقرًا ورجلًا بلغ من الكبر عتيًا. وهنا لا أب أصلًا. لكن «الصعوبة» إنما تتغير بحسب نظر الإنسان. أما قدرة الله فلا تتغير. ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: 9، 21].
من ولد لمريم إلى آية للناس
ثم يكشف الله أن الأمر أكبر من مريم نفسها: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 21]. ليس مجرد غلام. بل: ﴿آيَةً لِّلنَّاسِ﴾ [مريم: 21]. وليس مجرد عطاء شخصي. بل: ﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾ [مريم: 21]. بدأت السورة: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: 2]. والآن تتسع الرحمة: ﴿آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾ [مريم: 21]. ثم تأتي الكلمة الحاسمة: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 21]. مريم لا تزال تسأل: كيف؟ أما عند الله فقد قضي الأمر. وكم يقف الإنسان أمام قدر الله يسأل عن كيفية شيء قد جرى به قضاؤه. لكن القضاء لا يلغي العمل؛ وسنرى بعد قليل أن مريم نفسها ستؤمر بالفعل: ﴿وَهُزِّي﴾.
العزلة الثانية
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: 22]. في بداية القصة: ﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: 16]. والآن: ﴿فَانتَبَذَتْ بِهِ﴾ [مريم: 22]. لكن العزلتين ليستا سواء. في الأولى خرجت وحدها. وفي الثانية تحمل معها سرًا ظاهرًا سيغير نظرة الناس إليها كلها. ثم: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 23]. لم يقل فقط: جاءها المخاض. بل: ﴿فَأَجَاءَهَا﴾. ألجأها. دفعها. ساقها ألم الولادة حتى انتهت إلى جذع النخلة. وقبل آيات قليلة فقط قال الله عن هذا الولد: ﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾ [مريم: 21]. والآن الرحمة نفسها تمر بمخاض شديد. وهنا تصحح السورة تصورًا مهمًا: ليس كل ما يجري داخل رحمة الله خاليًا من الألم. قد تكون في طريق كتبه الله لك، ويشتد عليك الطريق. وقد تحمل هبة، ويكون حملها ثقيلًا. وقد تكون العاقبة خيرًا، ولا تستطيع في لحظة الألم أن ترى إلا الألم.
﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا﴾ [مريم: 23]
بلغ بها الكرب: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ [مريم: 23]. امرأة طاهرة تعرف براءتها، لكنها تعرف أيضًا المشهد الذي ستعود به إلى قومها. هي تعرف الحقيقة. لكنها تعرف أن الناس لم يروا ما رأت. وما أشد أن تعرف حقيقة نفسك، ثم ترى ظاهر المشهد كله يتهيأ للشهادة ضدك. وليس من الإنصاف أن نقف بعيدًا عن ألمها فنقرأ عبارتها ببرود. القرآن نفسه نقل إلينا مبلغ ما وصل إليه الكرب. قد يبلغ الألم بالصالح مبلغًا شديدًا، ولا يعني ذلك أن الله تركه. وقبل لحظات كان الحكم الإلهي: ﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾ [مريم: 21]. لكن في لحظة الألم قالت مريم: ﴿وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ [مريم: 23]. وهنا تظهر مفارقة عجيبة. هي تتمنى في لحظة الكرب لو كانت شيئًا منسيًا لا ذكر له. والسورة نفسها افتتحت قصتها: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: 16]. تمنت أن تُنسى. فجعل الله ذكرها في كتابه يتلى. فلا تقِس ما سيبقى منك بما تشعر به في أشد لحظاتك.
وفي قاع هذه اللحظة جاءها النداء من تحتها: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24]. ثم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]. ثم: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: 26]. لم تكن المواساة كلمة وحدها. ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾ [مريم: 24]. ثم جاء معها ما يعين على حمل اللحظة. ماء. وطعام. وطمأنينة. وهذا يعلمنا شيئًا في مواساة الناس: الكلمة الطيبة عظيمة. لكن من تمام الرحمة أن يصحب الكلمة ما نستطيع من تخفيف الحاجة الواقعية عن صاحبها. فالإنسان قلب وجسد. وكلاهما يحتاج الرعاية.
﴿وَهُزِّي﴾
وهنا مشهد لا ينبغي أن يمر سريعًا. الله الذي خلق عيسى من غير أب قادر أن يسقط الرطب بلا حركة من مريم. ومع ذلك قال: ﴿وَهُزِّي﴾. اجتمعت في المشهد قدرة الله التي تجاوزت الأسباب المألوفة، وفعل العبد فيما يستطيعه. فلا القدرة الإلهية دعوة إلى ترك العمل. ولا العمل البشري استقلال عن قدرة الله. مريم لا تستطيع خلق الرطب. لكنها تستطيع أن تهز. افعل ما تستطيعه، ولا تحمل نفسك ما ليس إليك. واللطيف أن الجذع الذي ألجأها إليه المخاض صار عنده شيء من أسباب إعانتها: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]. ليس لنا أن نجعل من ذلك وعدًا بأن كل موضع ألم سيتحول في الدنيا إلى موضع رزق بالصورة التي نريدها. لكن في قصة مريم نفسها كان عند موضع الإلجاء شيء من الإعانة.
الصمت الذي كان طاعة
ثم قال لها: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: 26]. ليس هذا أصلًا عامًا أن يصمت الإنسان عن كل اتهام. لكن مريم في هذا الموقف مأمورة بالصمت. ولذلك فصمتها ليس ضعفًا. ولا عجزًا عن الدفاع. إنه طاعة. وقد يكون الإنسان قادرًا على الكلام، لكن الله لا يجعل خلاصه في كثرة كلامه. فهناك مواقف لا تستطيع فيها الكلمات أن تحمل الحقيقة كلها.
تحمل دليل الاتهام بيديها
ثم يأتي واحد من أشد مشاهد القصة: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: 27]. لم تخف الطفل. ولم تتخلص مما سيجعل المواجهة أشد. جاءت إلى قومها: ﴿تَحْمِلُهُ﴾. تحمل بين يديها الشيء الذي سيرونه دليلًا عليها، بينما هو في حقيقة الأمر آية براءتها. قالوا: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 27–28]. إنهم يرون ظاهرًا. ولا يعرفون القصة. يعرفون أباها وأمها وبيتها. ولهذا كان المشهد عندهم مستفظعًا. لكن معرفة بعض المشهد ليست معرفة كل المشهد. وكم يختصر الإنسان طريقًا طويلًا من الظلم لو عرف الفرق بين: ما رأيتُه، وما أعلمُه. فالظاهر له أحكامه، لكن ليس لنا أن ندعي علم ما لم نعلم.
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: 29]
لم تتكلم. لكنها لم تفعل شيئًا أيضًا. ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: 29]. امتثلت أمر الصمت، وفعلت ما تستطيع داخل حدود التكليف. قبل قليل: ﴿وَهُزِّي﴾. والآن: ﴿فَأَشَارَتْ﴾. هناك فعلت ما تستطيع عند النخلة، وتولى الله ما لا تستطيع. وهنا فعلت ما تستطيع أمام قومها، وسيأتي البرهان من موضع لا تستطيع هي أن تصنعه. قالوا مستنكرين: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: 29]. وهنا تكلم الطفل.
﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30]
كان يمكن أن يبدأ كلامه بتبرئة أمه. لكن أول ما ينقله القرآن عنه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30]. وهذه الكلمة ستبقى معنا حتى أواخر السورة. في البداية: ﴿رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: 2]. والآن: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30]. وسيأتي يوم نسمع: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93]. أما عيسى، فقد عرّف نفسه منذ أول كلامه: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30]. ثم: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم: 30–31]. العبودية أولًا. ثم الكتاب. ثم النبوة. ثم البركة. فالنبوة لم تخرجه من العبودية. والمعجزة لم تخرجه من العبودية. والولادة الخارقة لم تخرجه من العبودية. بل كان شرفه في عبوديته لله.
﴿مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم: 31]
لم يحصر الله بركته في مكان. بل جعل فيه الخير والبركة حيث كان. وهذا يفتح لنا سؤالًا دون أن نختزل معنى البركة فيه: ماذا يحمل وجودنا من خير حيث نكون؟ هل يزداد المكان بنا خيرًا؟ هل يجد أهل البيت منا خيرًا؟ هل يترك مرورنا في حياة الناس أثرًا صالحًا؟ فالبركة هبة من الله، ومن آثارها أن يمتد الخير.
﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31]
ثم: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31]. ليست الصلاة مرحلة من العمر. ولا عبادة موسم. ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31]. وسنحتفظ بهذه العبارة؛ لأن الصلاة ستعود مرة بعد مرة. سيأتي إسماعيل: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: 55]. ثم سيأتي جيل: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: 59]. والسورة هي التي ستكشف لنا معنى هذا الخيط في وقته.
يحيى وعيسى
قال الله عن يحيى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: 14]. وقال عيسى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32]. في يحيى: بر بالوالدين. وفي عيسى: بر بالوالدة. وفي كليهما: لا جبروت. وكأن الكتاب والنبوة والاصطفاء كلما صحت آثارها في الإنسان لم تجعله أكبر في عينه، بل أعظم عبودية وأبعد عن الجبروت. ثم قال الله عن يحيى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 15]. وقال عيسى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 33]. ميلاد. وموت. وبعث. لقد بدأت القصتان بسؤال عن إمكان الميلاد. لكن السورة لا تسمح لنا أن نختصر الإنسان في بداية رحلته. هناك موت. ثم بعث. وسنرى قريبًا أن قضية البعث ستصبح من قضايا السورة الكبرى.
قال هو: عبد الله… وقال القرآن: ابن مريم
بعد كلام عيسى يأتي الحكم: ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: 34]. قال عيسى: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30]. وقال القرآن: ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [مريم: 34]. ثم: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ [مريم: 35]. فلا تترك السورة المعجزة مفتوحة ليصنع الناس منها ما يشاؤون. لقد ولد عيسى بلا أب. لكن القرآن لا يجعل ذلك بابًا للبنوة. بل يعيده إلى باب القدرة: ﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 35]. في البداية: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: 9، 21]. والآن: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 35]. فالمعجزة دليل قدرة الخالق، لا دليل حاجة الخالق إلى ولد. ليست القضية: من عيسى فقط؟ ثم تأتي الآية التي تنقلنا من معرفة عيسى إلى معرفة واجبنا نحن: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: 36]. الله ربه. والله ربنا. فما النتيجة؟ ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾. وهذا مهم. فالقرآن لا يريد فقط أن نصحح معلومة عن عيسى. بل يريد أن تقودنا حقيقة عيسى إلى عبادة رب عيسى. المعرفة التي لا تنتهي إلى عبادة لم تبلغ غايتها.
﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ [مريم: 37]
ومع كل هذا البيان: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: 37]. قبلها: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: 34]. ثم: ﴿فَاخْتَلَفَ﴾. وهذه حقيقة ينبغي ألا تغيب عنا: وضوح الحق لا يعني بالضرورة اجتماع الناس عليه. فليس كل اختلاف ناشئًا عن غموض الحقيقة نفسها. وفي هذا السياق جاء قول الحق، ثم وقع الاختلاف. لكن الاختلاف لن يبقى إلى الأبد.
حين يرون… بعد انتهاء زمن العمل
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [مريم: 38]. هناك «اليوم». وهناك «يوم يأتوننا». اليوم يستطيع الإنسان أن يسمع الحق ثم يختار. ويستطيع أن يبصر ثم يعمل. أما يوم يأتون الله، فستنقشع أشياء كثيرة. لكن المشكلة أن زمن الاختيار يكون قد انتهى. ولهذا قال: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: 39]. الحسرة ليست لأن الحقيقة لن تظهر. بل لأنها ستظهر حين لا يعود الماضي قابلًا للإصلاح. ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: 39]. ومن هنا ندرك قيمة «الآن». ليست النجاة أن تعرف الحقيقة يومًا ما. بل أن تعرفها في الوقت الذي تستطيع أن تعمل بها.
من ﴿يَرِثُنِي﴾ إلى ﴿نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ [مريم: 40]
ثم يختم المقطع: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: 40]. وفي أول السورة قال زكريا: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: 6]. هناك ميراث ينتقل بين الأجيال. وهنا ترتفع السورة فوق الأجيال كلها: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: 40]. نرث في الدنيا بعضنا من بعض. ثم يموت الوارث كما مات الموروث. وتنتقل الأشياء من يد إلى يد. حتى تنتهي كل الأيدي. ويبقى مالك الملك. ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: 40]. وهكذا اتسع المشهد كثيرًا. بدأ بامرأة وحدها خلف حجاب. ثم امرأة وحدها عند جذع نخلة. ثم عادت تحمل طفلًا إلى قومها. ثم تكلم الطفل: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30]. ثم انتقل الحديث من الميلاد إلى الموت والبعث. ومن عيسى إلى اختلاف الناس فيه. ومن اختلاف الناس إلى يوم الحسرة. ومن أجيال تتوارث الأرض إلى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: 40]. إنها رحلة تبدأ بسؤال: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [مريم: 8، 20]. ثم يولد الغلام فيقول: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30]. ثم يختلف الناس فيه. ثم يعيد القرآن الجميع إلى الحقيقة الأخيرة: ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: 40]. فالذي قال عن الأمر:
﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: 9، 21]
هو الذي قال: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 35]. والذي خلق البداية هو الذي يملك النهاية. وبين البداية والنهاية يبقى الإنسان عبدًا: يأخذ بما يستطيع. ويهز الجذع الذي بين يديه. ويطيع حين يؤمر. ولا يجعل ألمه دليلًا على غياب الرحمة. ولا يجعل ظاهر المشهد كل الحقيقة. ولا ينسى أن ما بين أيدينا كله سيمضي. أما النهاية: ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: 40].