سنن التنزيل
دراسةُ سورة الكهف · الجزء 2 من 5

حين لا تعرف تأويل ما ترى

  • 9 دقائق للقراءة
  • 25 آيةً

تأويل الأقدار ليس شرطاً لثبات الإيمان، فعلم الإنسان قاصر عن إدراك كل المشهد، واليقين الحق ينبع من الثقة بحكمة الله ورحمته لا من تفسير تفاصيل أقداره.

قال الله تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60].

بعد أن حدثتنا سورة الكهف عن الكتاب القيّم، وعن فتية آمنوا فزادهم الله هدى، وعن رجل أفسدت النعمة ميزانه، وعن كتاب الأعمال الذي سيجد فيه الإنسان ما عمل حاضرًا، تأخذنا إلى امتحان من نوع آخر:

ماذا تفعل حين لا تفهم ما ترى؟

وهذا امتحان شديد.

فالإنسان يستطيع أحيانًا أن يتحمل الفقد، لكنه يجد صعوبة في تحمل شيء لا يفهم لماذا وقع.

يرى المشهد.

ويعرف جزءًا من أسبابه.

ثم يبني حكمه على الجزء الذي رآه.

فتأتي قصة موسى والعبد الصالح لتعلمنا حقيقة لا يستغني عنها أحد:

ما تراه من المشهد ليس بالضرورة كل المشهد.

لكن السورة لا تبدأ بهذا الدرس مباشرة.

تبدأ برجل عظيم يريد أن يتعلم.

«لا أبرح»… العلم يبدأ بالسير

قال موسى عليه السلام:

﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60].

هذه ليست صورة رجل اكتفى بما عنده.

إنها صورة طالب علم مستعد للسفر والتعب.

﴿لَا أَبْرَحُ﴾ [الكهف: 60].

ثم:

﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60].

لا يعرف كم ستطول الرحلة، لكنه يعرف أن هناك علمًا لم يحط به، وأن الوصول إليه يستحق المسير.

وهذه أول تربية في القصة.

معرفة حدود علمك لا ينبغي أن تقودك إلى الاستسلام للجهل.

بل إلى طلب العلم.

فالإنسان بين انحرافين:

أن يظن أنه يعلم كل شيء.

أو أن يقول: ما دام العلم ناقصًا فلا جدوى من البحث.

وموسى يعلمنا الطريق الثالث:

أعرف أنني لا أعلم، ولذلك أسير لأتعلم.

طالب العلم يتعب

ثم بعد السفر يقول موسى:

﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: 62].

النصب حاضر.

والتعب حاضر.

وطلب العلم هنا ليس مشهدًا رومانسيًا بلا كلفة.

إنه سير.

وانتظار.

وبحث.

وتعب.

وهذا موسى عليه السلام.

نبي كريم، ومع ذلك لا تمنعه منزلته من أن يتحمل مشقة الرحلة ليزداد علمًا.

فالمنزلة لا تعني نهاية التعلم.

وما أخطر اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بالاعتقاد أن مكانته صارت أكبر من أن يجلس متعلمًا.

«مما علمت»… علمك ليس منك

ثم يجدان:

﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65].

لاحظ كيف يقدمه القرآن:

﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف: 65].

ثم:

﴿آتَيْنَاهُ﴾.

ثم:

﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾.

رحمة أُعطيت.

وعلم عُلِّم.

حتى صاحب العلم الذي جاء موسى ليتعلم منه لم يُقدَّم باعتباره مالكًا مستقلًا لعلمه.

إنه عبد.

والعلم عطية.

ثم يقول موسى:

﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66].

ما أجمل الأدب.

﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ [الكهف: 66].

طلب، لا استعلاء.

﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ [الكهف: 66].

ليس كل ما تعلم.

ولا: من علمك الذاتي.

بل من العلم الذي عُلِّمته.

ثم الغاية:

﴿رُشْدًا﴾.

ليس هدفه جمع المعلومات لمجرد كثرتها.

إنه يطلب علمًا يرشده.

وفي أول قصة أصحاب الكهف قال الفتية:

﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: 10].

وهنا موسى:

﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66].

أولئك طلبوا الرشد في الموقف.

وهذا يطلب الرشد في العلم.

فالإنسان يحتاج إلى الرشد فيما يعرف، كما يحتاج إليه فيما يفعل.

لماذا يصعب الصبر؟

قال العبد الصالح:

﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ۝ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 67–68، 72، 75].

والآية الثانية تفسر الأولى.

المشكلة ليست اتهام موسى بضعف الشخصية.

ولا أنه قليل الصبر في أصل طبعه.

السؤال هو:

﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 68].

أنت سترى فعلًا.

لكن لن تكون عندك كل المعلومات التي تفسره.

سترى أول المشهد دون آخره.

وترى الفعل دون الحكمة التي أذن الله أن تُكشف بعده.

وهذا من أشق ما يواجه العقل.

لأن العقل يحكم بما بين يديه.

لكن ما بين يديه ليس دائمًا كل ما في الواقع.

«إن شاء الله» مرة أخرى

فقال موسى:

﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: 69].

مرة أخرى تظهر:

﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 69].

وقد قالت السورة قبل ذلك:

﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا ۝ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23–24].

وهنا موسى يعزم على الصبر، لكنه يقول:

﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 69].

فالمؤمن يعزم.

ولا يتردد في العمل.

لكنه لا يتعامل حتى مع قدرته على الصبر كأنها ملك مستقل له.

وهذا الميزان سنراه بصورة أخرى عند ذي القرنين:

عمل بالأسباب بكل قوة، ثم قال:

﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98].

السفينة… حين ترى الخرق ولا ترى الملك

ثم تبدأ الرحلة:

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ [الكهف: 71].

وماذا يرى موسى؟

يرى سفينة لقوم حملوهما فيها، ثم تُخرق.

فيقول:

﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: 71].

وهذا الاعتراض مفهوم بحسب الظاهر الذي بين يديه.

فلا ينبغي أن نحول القصة إلى ذم للحكم بما ظهر لنا، ولا أن نتخذها ذريعة لتمرير المنكرات بحجة أن «وراءها حكمة لا تعرفها».

موسى رأى خرق سفينة، فأنكر بحسب ما يعلم.

ثم بعد ذلك كُشف له جزء من المشهد لم يكن يراه:

﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79].

موسى رأى الخرق.

ولم يكن قد رأى الملك.

وهنا يتغير المشهد.

لم يعد الخرق حدثًا منفصلًا.

صار جزءًا من صورة أوسع.

والدرس ليس:

كل خسارة تقع لك هي خرق سفينة لإنقاذها.

فنحن لا نعلم تأويل أقدارنا بهذه الطريقة.

الدرس الأدق:

أن معرفتك بالحدث لا تعني إحاطتك بكل ما يتصل به.

ليس كل نقص هلاكًا

كانت السفينة مصدر رزق لمساكين:

﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: 79].

وقد أصابها عيب.

لكن العيب نفسه كان في هذا الموضع سببًا لبقائها في أيديهم أمام ملك يأخذ السفن غصبًا.

وهذا يفتح لنا بابًا في فهم الحياة، بشرط ألا نتجاوز النص.

فقد يرى الإنسان النقص، ولا يرى ما صُرف عنه.

وقد يرى ما فقد، ولا يعلم ما كان سيقع لو بقي الشيء على حاله.

لكننا لا نملك أن نقول في كل خسارة:

هذه وقعت قطعًا لكي تنجو من كذا.

لأن هذا علم لا نملكه.

الإيمان بحكمة الله شيء، وادعاء معرفة الحكمة الخاصة في كل قدر شيء آخر.

وهذه قاعدة تحفظنا من الإفراط كما تحفظنا من اليأس.

الغلام… حين تكون الصورة أشد

ثم:

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: 74].

وهنا كان اعتراض موسى أشد:

﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: 74].

ولا ينبغي أن نهرب من شدة المشهد.

القرآن نفسه يعرضه بهذه القوة.

ثم يأتي التأويل:

﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۝ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 80–81].

المشهد هنا يتعلق بالأبوين وما علمه الله من مآل الأمر، وبما أراده لهما من بدل.

ولا يجوز أن نحول هذه القصة إلى إذن للبشر أن يحكموا على مستقبل الأطفال أو الناس، أو أن يعتدوا عليهم بزعم أنهم يعرفون ما سيؤول إليه أمرهم.

القصة نفسها ستغلق هذا الباب في نهايتها:

﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: 82].

وهذا سياج لا يجوز إسقاطه.

لا تقِس الغيب على ما كُشف لموسى

من أخطر الأخطاء في قراءة هذه القصة أن يأخذ الإنسان التأويل الذي كشفه الله لموسى، ثم يبدأ بتأليف تأويلات لأقداره هو.

خسرت مالًا؟

إذن كان سيهلكك.

مرضت؟

إذن المرض جاء ليمنع أمرًا بعينه.

فقدت شخصًا؟

إذن نعرف لماذا أخذه الله.

ليس لنا ذلك.

قد نرجو حكمة الله.

ونثق بعلمه.

ونعلم أن الله لا يظلم.

لكننا لا نزعم علمًا لم يعطنا الله إياه.

موسى لم يعرف تأويل السفينة من نفسه.

ولم يستنتج تأويل الغلام بعد التفكير.

أُخبر به.

أما نحن فقد تمر بنا «سفينة» ولا يأتي في الدنيا من يقول لنا:

﴿أَمَّا السَّفِينَةُ…﴾ [الكهف: 79].

وقد نبقى إلى آخر أعمارنا لا نعرف لماذا وقع بعض ما وقع.

وهنا يظهر الإيمان الحقيقي:

ليس اليقين أن تفهم كل قدر، بل أن تعرف رب القدر.

الجدار… إحسان بلا مقابل

ثم:

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: 77].

قوم أبوا الضيافة.

ومع ذلك أقام العبد الصالح الجدار.

فقال موسى:

﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77].

وهنا جاء الفراق.

ثم يكشف التأويل:

﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: 82].

طفلان لا يظهر في السياق أنهما يعلمان أن رجلين غريبين جاءا ليقيما جدارًا يحفظ كنزهما.

ورجل صالح غاب، لكن القرآن يذكر صلاحه في قصة حفظ مال ولديه:

﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: 82].

فنقول في حدود القصة:

غاب الأب، ولم يغب أثر صلاحه في هذا التدبير الذي حفظ الله به كنز ولديه.

ولا نحول ذلك إلى وعد دنيوي مطلق بأن كل ولد لصالح سيُحفظ ماله بالصورة نفسها.

فالقرآن يعلمنا من القصة، ولا يعطينا حق صناعة وعود لم يقلها الله.

رحمة تعمل خلف الجدار

ثم:

﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 82].

مرة أخرى:

الرحمة.

أصحاب الكهف قالوا:

﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [الكهف: 10].

وقيل لهم:

﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الكهف: 16].

وهنا قُدم العبد الصالح:

﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الكهف: 65].

ثم في الجدار:

﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 82].

وسنصل مع ذي القرنين إلى:

﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98].

ما أوسع صور الرحمة في السورة.

رحمة في كهف.

ورحمة في علم.

ورحمة في حفظ حق يتيمين.

ورحمة في تمكين سيحجز فسادًا.

ولا تأتي الرحمة في صورة واحدة.

وهذا مهم؛ لأننا كثيرًا ما نرسم في أذهاننا الشكل الذي ينبغي أن تأتي به رحمة الله، فإذا جاء التدبير على غير الصورة التي تخيلناها ظننا أن الرحمة غابت.

والسورة توسع نظرنا دون أن تمنحنا حق ادعاء معرفة الغيب.

«وما فعلته عن أمري»… الحارس الذي لا يجوز إسقاطه

ثم تأتي العبارة التي تحرس القصة كلها:

﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: 82].

هذه الجملة تمنعنا من إساءة استعمال قصة موسى والعبد الصالح.

فليس لأحد أن يخرق سفينة الناس ويقول: لعل في ذلك حكمة.

ولا أن يعتدي على نفس ثم يحتج بالقصة.

ولا أن يخالف شرع الله ويقول: أنا أرى ما لا ترون.

العبد الصالح لم يقل:

اجتهدت فرأيت أن أفعل.

بل قال:

﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: 82].

وهذا يجعل القصة درسًا في التواضع أمام علم الله، لا بابًا للفوضى باسم الأسرار الخفية.

«ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرًا»

ثم:

﴿ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 82].

الآن فقط اكتملت أمام موسى أجزاء من المشهد.

السفينة لم تعد خرقًا فقط.

والغلام لم يعد مشهدًا منفصلًا عما علمه الله من شأن أبويه.

والجدار لم يعد عملًا مجانيًا لقوم بخلاء فحسب.

دخلت معلومات جديدة، فتغير فهم الصورة.

وهنا الدرس:

الظاهر جزء من المشهد، وليس المشهد كله.

لكننا لا نقول إن الظاهر كذب.

موسى رأى فعلًا سفينة مخروقة.

ورأى غلامًا مقتولًا.

ورأى جدارًا أقيم.

ما رآه كان واقعًا.

الذي كان ناقصًا هو الإحاطة بما وراءه من معلومات ومآلات.

وهذا فرق دقيق جدًا.

فالإيمان لا يطلب منك أن تكذب عينيك.

لكنه يمنعك من أن تجعل ما رأته عيناك كل ما في علم الله.

من صاحب الجنتين إلى موسى

وهنا تظهر مقابلة جميلة بين قصتين متجاورتين في السورة.

صاحب الجنتين رأى ما عنده فقال:

﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 35].

بنى حكمًا على الحاضر الذي يراه.

أما موسى، فتعلمه القصة أن وراء الحاضر معلومات لم يحط بها.

الأول بالغ في الثقة بما رأى.

والثاني يتعلم حدود ما يمكن أن يستنتجه مما رأى.

ولهذا يحتاج الإنسان دائمًا إلى الكتاب القيّم.

لأن العين ترى الحاضر.

والعقل يعمل بالمعلومات المتاحة له.

أما الله فيعلم المبدأ والمآل.

أنت لا تحتاج إلى تفسير كل شيء كي تبقى مؤمنًا

وهذه من أهم ثمار القصة في حياتنا.

بعض الناس يربط طمأنينته بأن يجد تفسيرًا لكل ما يقع.

لماذا مرضت؟

لماذا خسرت؟

لماذا تأخر هذا الأمر؟

لماذا نجح فلان وفشلت أنا؟

لماذا مات هذا وبقي ذاك؟

ثم يظن أنه إذا لم يجد جوابًا تفصيليًا فقد بقي في إيمانه فراغ.

لكن قصة موسى تقول شيئًا آخر.

نحن لا نملك دائمًا التأويل.

وحتى موسى لم يكن يملكه حتى أُخبر به.

فكيف نجعل سلامة إيماننا مشروطة بأن نعرف ما لم يخبرنا الله به؟

نحن نعرف ما هو أعظم من معرفة كل تفصيل:

نعرف ربنا.

نعرف أنه عليم.

حكيم.

رحيم.

لا يظلم أحدًا.

ونعرف أن علمنا محدود.

وهذا يكفي لكي لا نحول جهلنا بالحكمة إلى اتهام لله.

قد لا تعرف تأويل سفينتك، لكنك تعرف رب السفينة.

التواضع أمام المجهول لا يعني تعطيل العقل

ومع ذلك لا ينبغي أن نقرأ القصة قراءة تدعو إلى إغلاق العقل.

موسى سأل.

واعترض.

وتعلم.

وسافر.

وبذل.

فالدرس ليس:

لا تسأل.

ولا:

لا تبحث عن الأسباب.

ولا:

كل ما يقع لك اقبله دون محاولة للفهم أو الإصلاح.

بل السورة نفسها ستنقلنا بعد هذه القصة مباشرة إلى ذي القرنين:

﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 85].

إذن المنهج القرآني متوازن:

فيما تستطيع أن تعرفه: تعلم وابحث.

وفيما تستطيع أن تغيره: اعمل.

وفيما لم يحط به علمك: لا تدّع الإحاطة.

وهذا من أجمل الانتقالات في السورة.

من موسى الذي يتعلم:

﴿مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 68]،

إلى ذي القرنين الذي يقال عنه:

﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ۝ فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 84–85].

وكأن الرسالة:

تواضع فيما لا تعلم، واعمل فيما تستطيع.

ختامًا

قصة موسى والعبد الصالح ليست دعوة إلى البحث عن «السر الخفي» وراء كل مصيبة.

وليست دعوة إلى تبرير المنكر.

وليست بابًا لمن يدعي علمًا باطنًا يخالف به أمر الله.

بل هي تربية للعقل والقلب معًا.

تقول للعقل:

تعلم.

وسافر.

واسأل.

ولا تتكبر على من علّمه الله ما لم تعلم.

وتقول له أيضًا:

لا تجعل حدود معلوماتك حدودًا لعلم الله.

وتقول للقلب:

قد ترى الخرق ولا ترى الملك.

وقد ترى الفقد ولا تعرف المآل.

وقد ترى الجدار ولا تعرف الكنز.

لكن لا تخترع أنت تأويلًا من عندك.

آمن بحكمة الله دون أن تدّعي معرفتها في كل واقعة.

فقد يكشف لك بعض التأويل.

وقد لا يكشف.

ولهذا لا يقوم يقين المؤمن على أن يفهم كل شيء.

بل على أن يعرف من هو الله.

وقد بدأت القصة بعبد:

﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف: 65].

وسينتهي القرآن في السورة إلى:

﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

فالإنسان مهما اتسع علمه يبقى عبدًا.

ومهما جهل من التفاصيل يبقى له رب يعلمها.

وبعد أن علمتنا السورة كيف نقف أمام ما لا نعلم، ستنقلنا إلى امتحان آخر:

ماذا تفعل بما تعلم وتستطيع؟

هناك لن نرى رجلًا يقف أمام أحداث لا يعرف تأويلها.

سنرى رجلًا مُكّن في الأرض، وأُعطي الأسباب، فتحرك بها:

﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 85].

شارك المقال