سنن التنزيل
مقال

عاشوراء… حين تنتهي حسابات البشر وتبدأ سنن الله

  • دقيقتان للقراءة
  • 5 آيات

يوم عاشوراء يرسخ سنة ربانية في تحول الموازين وانفتاح أبواب الفرج حين تبلغ المحن أقصاها، مؤكدا أن العاقبة لمن ثبت على الحق وصدق مع الله.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

في ذكرى عاشوراء لا يستحضر المؤمن مجرد حدث تاريخي مضى، بل يستحضر سننًا ربانية لا تتغير؛ سننًا تكشف كيف يجري تدبير الله حين تبلغ المحن أقصى درجاتها، وحين يظن الناس أن الطريق قد انتهى.

قال الله تعالى:

﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ۝ قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61–62].

كان المشهد في ظاهره مغلقًا:

بحر أمام موسى عليه السلام، وعدو خلفه، وقوم خائفون يرون النهاية قريبة.

لقد حكموا على اللحظة بما تراه أعينهم، فقالوا:

﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61].

أما موسى عليه السلام فلم ينكر وجود الخطر، ولم يتجاهل الواقع، لكنه رأى حقيقة أعظم من الواقع الظاهر:

﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].

وهنا تظهر سنة عظيمة من سنن الله:

أن الفرج قد يأتي في اللحظة التي تبلغ فيها الأسباب البشرية نهايتها.

فحين تنتهي قدرة الإنسان، يبدأ ظهور قدرة الله.

لم تكن العصا هي التي صنعت النصر، ولم يكن البحر هو الذي اختار طريق النجاة، وإنما كان الأمر كله بأمر الله سبحانه، الذي يسخر الأسباب متى شاء، ويغير موازين الأحداث في لحظة واحدة.

فانفلق البحر، ونجا المؤمنون، وغرق الطغيان.

ثم قال الله لموسى:

﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ۖ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ [الدخان: 24].

ليتعلم المؤمن أن النصر ليس صناعة الأسباب وحدها، بل هو فضل الله الذي يجعل من السبب الضعيف طريقًا إلى أعظم النتائج.

ومن هنا تأتي دلالة عاشوراء.

ففي هذا اليوم يُستحضر موقف الحسين بن علي رضي الله عنهما، حين وقف موقفًا رأى فيه أن ميزان الحق لا يُقاس بعدد الأنصار، ولا بقوة الميدان، وإنما بصدق الموقف أمام الله.

فقد يملك أهل الباطل كثرة العدد، وقد يملك أهل الحق قلة الإمكانات، لكن التاريخ لا يحفظ أصحاب القوة فقط، بل يحفظ أصحاب المبدأ والثبات.

وهذه هي السنة التي تتكرر في قصص القرآن:

أن القيمة ليست دائمًا فيما تحققه في لحظة المواجهة، بل فيما تثبت عليه حين تشتد الفتنة.

فموسى عليه السلام ثبت حين كان البحر أمامه.

والحسين رضي الله عنه ثبت حين أحاطت به المحنة.

وفي كل ذلك يظهر معنى واحد:

أن العاقبة ليست لمن يملك القوة الظاهرة فقط، وإنما لمن ثبت على الحق وصدق مع الله.

وفي واقع أمتنا اليوم، حيث تتكاثر صور الألم والابتلاء، قد يشعر البعض أن الطرق مغلقة، وأن موازين القوة لا تبشر بخير.

لكن القرآن يعلّمنا أن لا نقرأ الواقع بعين واحدة.

فنحن نرى الأسباب، لكننا لا نغفل عن رب الأسباب.

نرى شدة البلاء، لكننا نؤمن أن لله سننًا لا تتخلف.

نرى تأخر الفرج، لكننا لا نحكم على النهاية من منتصف الطريق.

فكم من بحر ظنه الناس نهاية كان بداية نجاة.

وكم من لحظة ظنها الناس انكسارًا كانت بداية تحول.

وكم من موقف ثبات بقي أثره في الأمة أكثر من انتصار عابر.

إن عاشوراء ليست دعوة إلى الحزن على الماضي فقط، بل دعوة إلى فهم السنن:

أن الحق قد يمر بمرحلة ضعف، لكنه لا يضيع.

وأن الطغيان قد يعلو، لكنه لا يملك المستقبل.

وأن المؤمن قد تضيق به الأسباب، لكن لا يضيق به الطريق ما دام مع الله.

﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].

فإذا صدقت مع الله القلوب، وثبتت على الحق النفوس، جاء الفرج في وقته الذي يريده الله، لا في الوقت الذي تستعجله أعين البشر.

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128؛ القصص: 83].

شارك المقال