سنن التنزيل
مقال

وأما سفينتك أنت… فلم يظهر تأويلها بعد

  • 6 دقائق للقراءة
  • 9 آيات

تأويل الأقدار قد يتأخر أو يغيب تماماً عن الإنسان، مما يجعل جوهر اليقين قائماً على الثقة برحمة الله وحكمته البالغة، لا على فهم تفاصيل تدبيره.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

قال الله تعالى:

﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79].

ثم قال:

﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ…﴾ [الكهف: 80].

ثم:

﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ…﴾ [الكهف: 82].

ثلاث مرات يفتح العبد الذي قال الله فيه: ﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65] قوسًا، وثلاث مرات يكشف لموسى عليه السلام ما كان خافيًا وراء الحدث.

انتهى تأويل السفينة والغلام والجدار، لكن القوس لم يُغلق في حياتنا.

وأما مرضك…

وأما خسارتك…

وأما الباب الذي أُغلق…

وأما ما تأخر حتى أتعبك انتظاره…

وأما الشيء الذي انكسر ولم تفهم لماذا انكسر…

من سيأتي ليقول لك: هذا تأويله؟

هنا يبدأ واحد من أعظم دروس سورة الكهف.

قال العبد الصالح لموسى عليه السلام:

﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 68].

فالإنسان يصعب عليه أن يصبر على ما لا يفهمه. إذا عرف السبب هدأ بعض اضطرابه، وإذا رأى النهاية هان عليه شيء من الطريق.

لكن ماذا يفعل حين يقع القدر ولا يظهر التأويل؟

مشكلتنا أننا كثيرًا ما نريد أن نعيش القصة ونحصل على تفسيرها في الصفحة نفسها.

تنخرق السفينة صباحًا، فنريد أن يظهر الملك مساءً.

يُغلق الباب اليوم، فنريد غدًا أن نرى الباب الأفضل الذي فُتح مكانه.

نفقد شيئًا فنبحث سريعًا عن العوض؛ لأن القلب يريد جوابًا يسكّنه.

لكن الحياة لا تجري دائمًا هكذا.

قد تمر سنوات قبل أن تفهم شيئًا مما جرى، وقد تعرف بعض الحكمة، وقد تعيش وتموت ويبقى بعض القوس مفتوحًا.

وهنا يأتي اليقين.

ليس اليقين أن تعرف لماذا خُرقت السفينة، وإنما أن يبقى قلبك متعلقًا بالله وأنت لا ترى إلا الخرق.

رأى موسى عليه السلام سفينة المساكين تُخرق أمامه، فقال:

﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: 71].

المشهد الذي أمامه واضح: سفينة سليمة أصبحت معيبة.

لكن وراء المشهد شيء لا يراه:

﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79].

هم يرون الخرق، ولا يرون الملك.

وكم يحدث هذا في حياتنا!

نرى ما أُخذ منا، ولا نرى ما صُرف عنا.

نرى الباب الذي أُغلق، ولا نحيط بما كان وراءه.

نبكي على خرق السفينة، وقد يكون بقاؤها في ذلك الخرق.

فسفينة معيبة ناجية خير من سفينة كاملة يأخذها الملك غصبًا.

ثم يأتي الغلام.

وهنا لا يصلح الكلام السهل، ولا المواساة الجاهزة.

قال تعالى:

﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 80–81].

عرف ذلك العبد تأويل الحدث لأن الله قال عنه: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65].

أما نحن فلا نملك هذا العلم.

فلا نقف أمام مريض فنحدد له لماذا مرض، ولا أمام من فقد عزيزًا فنخبره عن سر قدره، ولا أمام مصيبة فنكتب لها من عند أنفسنا تفسيرًا غيبيًا.

الإيمان بحكمة الله شيء، وادعاء معرفة الحكمة الخاصة في كل قدر شيء آخر.

ويكفينا أن نعلم أن عدم معرفتنا بالحكمة لا يعني عدم وجودها.

ولا يعني اليقين أن نتوقف عن الألم؛ فالأنبياء حزنوا وتألموا وبكوا.

اليقين ألا يتحول الألم إلى سوء ظن بالله.

ثم نصل إلى الجدار:

﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: 82].

وهنا يتغير وجه التدبير.

في السفينة حدث عيب فحُفظت، وفي الجدار أُصلح عيب فحُفظ الكنز.

مرة يكون الحفظ مع النقص، ومرة يكون الحفظ بالإصلاح.

فرحمة الله لا تأتي في صورة واحدة.

ثم يقف القلب عند قوله:

﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: 82].

غاب الأب، ولم يغب أثر صلاحه.

لم يكن حاضرًا ليحرس الكنز، لكن الله ذكر صلاحه في سياق ما جرى لولديه.

والغلامان نفسيهما لا يعلمان ما يدور حولهما.

لا يعلمان ما تحت الجدار، ولا أن الجدار يوشك أن ينقض، ولا أن عبدًا من عباد الله سيمر به فيقيمه ثم يمضي.

وهكذا ليست ألطاف الله كلها أشياء دعونا بها ثم رأيناها تأتي.

هناك ألطاف تقع لنا ونحن لا نعرف أصلًا أننا كنا محتاجين إليها.

أشياء تُحفظ لنا بعيدًا عن أعيننا، وأسباب يسوقها الله، تؤدي دورها ثم تمضي.

﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 82].

أُقيم الجدار، ثم مضى الرجلان.

وبقي الجدار.

وسيبلغ الغلامان أشدهما بعد ذلك.

فالعبد الصالح كان سببًا مر في الطريق، أما الحفظ فمن الله.

تأمل الأقدار الثلاثة:

شيء نُقص فنجا.

وشيء فُقد وجاء الوعد بالعوض.

وشيء أُصلح ليبقى محفوظًا حتى يحين وقته.

ثم تأتي الكلمة الجامعة:

﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 82].

لكن القصة لا تعطينا الحق أن نفسر كل خرق بأنه خير خفي، ولا أن نبرر أخطاءنا وتقصيرنا فنقول: لعلها خروق نجاة.

ففي نهاية الرحلة قال العبد الصالح:

﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: 82].

وهذه الجملة تحرس فهم القصة كلها.

إن أخطأنا أصلحنا، وإن أذنبنا تبنا، وإن قصرنا أخذنا بالأسباب. أما أقدار الله التي لا نحيط بها، فلا نكتب لها من عند أنفسنا تأويلًا.

نحن لم نُؤتَ ذلك العلم، ولكننا نعرف رب موسى ورب ذلك العبد وربنا.

وهذا المعنى يسري في سورة الكهف كلها.

فتية يدخلون كهفًا يبدو في ظاهره ضيقًا ووحشة، فيقول الله:

﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الكهف: 16].

وصاحب الجنتين يرى ما أمام عينيه مزدهرًا، فيقول:

﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 35].

هذا رأى ظاهرًا فظنه الحقيقة كلها، وأولئك دخلوا كهفًا فإذا فيما يبدو ضيقًا نشرٌ من رحمة الله.

ثم جاءت رحلة موسى مع ذلك العبد لتقرر المعنى نفسه:

لا تجعل ما تراه الآن هو المشهد كله.

فكم من سفينة ظننا أن خرقها نهايتها، ثم انكشف لنا بعد زمن شيء مما لم نكن نراه.

وكم من باب بكينا يوم أُغلق، ثم حمدنا الله أنه لم يُفتح.

وقد تبقى أشياء لا نعرف تأويلها ما حيينا.

فلا نستعجل إغلاق القوس من عندنا.

ولا نكتب للقدر تأويلًا لم يخبرنا الله به.

ولنملأ المسافة بين وقوع القدر وظهور تأويله ـ إن ظهر ـ بالصبر وحسن الظن بالله.

ختامًا

ليس درس السفينة والغلام والجدار أن نفتش لكل مصيبة عن حكمة خفية نخترعها، ولا أن نهوّن آلام الناس بعبارات جاهزة.

درسها أن نعرف حدود ما نراه، وأن نفرق بين جهلنا بالحكمة وغياب الحكمة.

نأخذ بالأسباب فيما نستطيع، ونصلح ما أفسدنا، ونحزن دون يأس، ونتألم دون سوء ظن، ونسلّم لله دون ادعاء علم الغيب.

وقد يظهر الملك فنعرف لماذا خُرقت السفينة.

وقد نبلغ الكنز فنعرف لماذا بقي الجدار.

وقد تمضي بنا الحياة ويبقى بعض القوس مفتوحًا.

وهنا يكون الامتحان الأعمق:

هل نعبد الله لأننا فهمنا أقداره، أم نعبده لأننا عرفناه؟

فالإيمان لا يعدنا بأن نفهم كل شيء في الدنيا، ولكنه يعلمنا كيف نسير حين لا نفهم.

فليس المطلوب أن تعرف تأويل كل قدر، وإنما أن تعرف رب القدر.

وحين تعرفه تستطيع أن تمضي، ولو بقي القوس مفتوحًا.

قد لا أعرف التأويل… ولكنني أعرف ربَّ القدر.

شارك المقال