سورة الطلاق… حين يدخل أمرك تحت أمر الله
سورة الطلاق تضبط اضطراب البيوت بميزان العبودية، لترسخ أن انتهاء العلاقة لا يسقط التقوى ولا يلغي المعروف، بل يخضع غضب الفراق لأمر الله وحكمته.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
قال الله تعالى:
قد تبدو سورة الطلاق لأول وهلة سورة أحكام: عدة، وسكن، ونفقة، ورضاعة، وإشهاد.
لكنها تبدأ من بيت اضطرب أمره، ثم تتسع حتى تحدثنا عن قرى عتت عن أمر ربها، ثم ترفع أبصارنا في خاتمتها إلى سبع سماوات ومن الأرض مثلهن:
﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: 12].
وبين البيت والسماوات يتردد لفظ واحد:
الأمر.
﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1].
﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: 3].
﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4].
﴿ذَٰلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: 5].
﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الطلاق: 8].
﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [الطلاق: 9].
حتى نصل إلى:
﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: 12].
وكأن السورة تضع أمامنا منذ البداية سنتها الكبرى:
حين يضطرب أمرك، فلا تخرج به من أمر الله.
عندما تنتهي العلاقة… ماذا يبقى؟
قد تنتهي المودة الزوجية، وقد يصل الزوجان إلى لحظة لا يستطيعان معها الاستمرار.
لكن انتهاء العلاقة لا يعني انتهاء العبودية.
قد ينتهي العقد، لكن يبقى أمر الله.
ولهذا لا يترك القرآن لحظة الطلاق للغضب:
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].
ولا يترك الزمن للفوضى:
﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: 1].
ولا يترك السلوك بلا رقيب:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: 1].
ثم:
ثم يضع الاسم الذي يحكم المشهد كله:
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [الطلاق: 1].
فحين تصبح العلاقة نفسها عاجزة عن ضبط الطرفين، يتقدم أمر الله ليضبطهما.
﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: 1]… لا تتركوا الحقوق للفوضى
لم يقل القرآن فقط: انتظروا العدة.
بل:
﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: 1].
الإحصاء ضبط وحفظ وحساب.
وهذا لافت في لحظة تضطرب فيها المشاعر؛ فالوحي لا يسمح أن تضطرب معها المقادير والحقوق.
فالعدة ليست أيامًا فارغة بين زواجين، ومن حكمها استبراء الرحم وصيانة الأنساب من الاشتباه، وفيها حقوق تتجاوز مجرد معرفة وجود الحمل من عدمه.
ولهذا لا تصبح العدة أمرًا زائدًا لمجرد أن الإنسان ظن أنه عرف بعض حكمتها.
فالحكمة تساعدنا على فهم جمال الحكم، لكنها لا تصبح بديلًا عن الحكم.
ومن هنا نفهم لماذا تمتلئ السورة بالمقادير:
﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: 1].
﴿أَجَلَهُنَّ﴾.
﴿ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4].
﴿حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6].
﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6].
﴿مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7].
وفي وسط ذلك كله:
﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3].
فالانفعال يقول: افعل الآن ما تشعر به.
والوحي يقول: هناك حد، وهناك أجل، وهناك مقدار، وهناك حق.
لماذا تتكرر التقوى في سورة الطلاق؟
تتكرر التقوى في هذه السورة تكرارًا لافتًا:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: 1].
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2].
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4].
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: 5].
وللتقوى هنا طعم خاص.
فالإنسان زمن الوفاق قد يستر لأنه يحب، ويتنازل لأنه يريد استمرار العلاقة، ويحسن لأنه ينتظر إحسانًا.
لكن ماذا يحدث عندما تزول المصلحة، ويغلب الغضب، ويشعر أحد الطرفين أنه قادر على الإضرار بالآخر؟
هنا يظهر صدق التقوى.
التقوى أن تتذكر قدرة الله عليك في اللحظة التي تشعر فيها أنك قادر على خصمك.
فلا يتحول ما كان سرًا إلى مادة تشهير، ولا ما كان موضع ثقة إلى سلاح، ولا المال إلى وسيلة ضغط، ولا الأبناء إلى ميدان انتقام.
وهذه الصور من تنزيل معنى التقوى على واقعنا، أما السورة نفسها فقد وضعت أصولها:
﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ [الطلاق: 1].
﴿فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2].
﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6].
﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6].
﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 6].
فالتقوى في سورة الطلاق ليست مجرد إحساس في القلب؛ إنها حارس للحدود عندما تدعو النفس إلى تجاوزها.
قد تنتهي الزوجية… لكن لا ينتهي المعروف
يقول الله:
إمساك بمعروف.
وفراق بمعروف.
ثم بعد ذلك:
﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 6].
وكأن المعروف ليس أخلاق البداية فقط، بل أخلاق النهاية أيضًا.
وفي سورة البقرة تأتي قاعدة مضيئة في سياق أحكام الفراق:
﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].
كم تختصر هذه الكلمات من خراب!
كانت بينكما عشرة، وأيام، وستر، وإحسان، وربما أبناء.
فلا تجعل ألم اللحظة الأخيرة يعيد كتابة التاريخ كله.
من أخلاق الفراق ألا تجعل سوء الخاتمة يمحو كل معروف سبقها.
ولا يعني هذا إسقاط الحقوق، ولا منع المظلوم من طلب الإنصاف؛ فالسورة نفسها أقامت الشهادة، وحددت الحقوق، ونهت عن الإضرار.
فالستر لا يعني دفن الحقوق.
والفضل لا يعني إبطال العدل.
لكن العدل نفسه لا يحتاج إلى انتقام.
عندما يصبح القرب القديم سلاحًا
من أخطر ما تكشفه الخصومة أن ما كان سببًا للقرب قد يتحول إلى وسيلة للأذى.
فالزوجان يعرف أحدهما عن الآخر ما لا يعرفه الناس.
وقد ائتمن أحدهما الآخر على ضعف، أو سر، أو شأن خاص.
ومن التقوى عند الفراق ألا يتحول ستر العشرة إلى خزان أسرار يُفتح ساعة الانتقام.
فالإنسان قد يملك أن يؤذي ولا يؤذي.
ويملك أن يفضح فيستر.
ويملك أن يضغط فيعدل.
وهنا تظهر حقيقة العبودية:
هل كان المعروف متعلقًا ببقاء الطرف الآخر في حياتك، أم كان متعلقًا بالله؟
ولهذا كان قوله:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: 1]
في أول أحكام الفراق بالغ الدلالة.
العدل ليس نية حسنة فقط
ثم يقول الله:
﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: 2].
فالسورة لا تترك الحقوق الحساسة للنوايا وحدها.
هناك عدل.
وهناك شهادة.
وهناك إقامة للشهادة.
وهناك:
﴿لِلَّهِ﴾.
فالعدل الذي في القلب يحتاج أحيانًا إلى إجراء يحفظه في الواقع.
وهذا من جمال هذه السورة: أنها لا تقدم قيمًا معلقة في الهواء.
تقوى، ومعها إحصاء.
معروف، ومعه حقوق.
عدل، ومعه شهادة.
توكل، ومعه نفقة وسكن.
وتشاور، ومعه بديل عند التعاسر.
فصحة الإجراء لا تعفي من أخلاق الإجراء، وحسن النية لا يغني عن حفظ الحقوق.
لا تتجاوز حدود الله بحثًا عن مخرج
بعد أحكام الحدود والإشهاد يأتي الوعد:
وهنا نفهم المخرج في سياقه بصورة أعمق.
قد يظن الإنسان أثناء الأزمة أن التزامه بحدود الله سيضيّق عليه.
إذا أديت الحق سأخسر.
إذا لم أضغط فلن أصل إلى ما أريد.
إذا لم أتجاوز الحد فلن أخرج من الأزمة.
فتقول السورة:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2].
أي:
لا تتجاوز حدود الله لتصنع لنفسك مخرجًا؛ التزم الحد، ودع المخرج لله.
ثم:
﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 3].
فالله وعدك بالمخرج، لكنه لم يجعل تصورك أنت شرطًا في صورة المخرج.
قد تكون الرجعة خيرًا.
وقد يكون الفراق بالمعروف خيرًا.
السورة لا تعد كل علاقة بالبقاء؛ لكنها تعلم المتقي ألا يجعل الصورة التي يريدها شرطًا على الله.
ثم ترتفع السورة درجة:
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: 3].
لم يقل: ومن يتوكل على الله فسوف تجري الأمور وفق خطته.
بل:
﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].
كافيه.
ثم مباشرة:
﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: 3].
وهنا ميزان بالغ الدقة:
أنت مسؤول عما أمرك الله به، لكنك لست المتحكم المطلق فيما تؤول إليه الأشياء.
أحص.
وأشهد.
وأنفق.
وأدِّ الحقوق.
وتعامل بالمعروف.
ثم توكل.
اضبط ما في يدك، وسلّم لله ما ليس في يدك.
فالتوكل ليس أن تسلم الوسائل لله ثم تشترط عليه النتيجة.
والمتوكل لا يحتاج أن يجعل المعصية ضمانًا لمستقبله؛ لأن:
﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].
التقوى: ردع، ثم طمأنينة، ثم آخرة
وهنا تظهر هندسة أخرى في تكرار التقوى.
في البداية:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: 1].
تقوى تمنعك من تجاوز الحد.
ثم:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2].
و:
﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4].
تقوى تطمئنك عندما تخشى ثمن الالتزام.
ثم:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: 5].
فتنتقل بك من حل الأزمة في الدنيا إلى حساب الآخرة.
وكأن السورة تقول:
اتق الله حتى لا تظلم، واتق الله ولا تخف من ثمن الطاعة، واتق الله ولا تجعل الدنيا نهاية الحساب.
لا يكفي ألا تؤذيه… أدِّ حقه
ثم يقول تعالى:
في أول السورة:
﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ [الطلاق: 1].
وهنا:
﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾.
فالشريعة لا تكتفي أحيانًا بأن تقول لك: لا تؤذ.
بل تقول: أدِّ الحق.
ثم تكشف صورة أدق من الظلم:
﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6].
فقد لا يمنع الإنسان الحق صراحة، لكنه يجعل الوصول إليه مؤلمًا حتى يتنازل صاحبه عنه.
وقد يؤدي الحق في الظاهر، ثم يحوله بطريقة أدائه إلى عقوبة.
وهنا تظهر قاعدة:
قد تعطي الحق، ثم تفسد عطاءه بطريقة أدائه.
ولهذا لا ينظر القرآن فقط إلى صورة التصرف، بل يربي الإنسان على ألا يحول الوسائل إلى أدوات للإضرار.
انتهت الزوجية… ولم تنته الأبوة والأمومة
ثم يدخل الطفل إلى المشهد:
انتهت الزوجية، لكن آثار المسؤولية لم تنته.
هناك حمل.
ثم رضاع.
ثم أجر.
ثم:
﴿بَيْنَكُمْ﴾.
فما زال هناك شيء مشترك يحتاج إلى معروف.
ثم تأتي واقعية القرآن:
﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ﴾ [الطلاق: 6].
المعروف هو الأصل.
والتعاسر احتمال.
لكن حق الطفل لا يبقى معلقًا على نجاح التفاهم بين الكبيرين.
فشل العلاقة لا يعني فشل النظام.
ومن تنزيل هذا على واقعنا: ألا يتحول الأبناء بعد الفراق إلى أدوات خصومة؛ فلا يُحرَّضون على أحد والديهم، ولا يُحمَّلون تفاصيل النزاع التي لا شأن لهم بها، ولا يصبح حبهم لأحدهما تهمة عند الآخر.
فالطلاق قد ينهي الزوجية، لكنه لا يطلق الأب ولا الأم من مسؤوليتهما تجاه الطفل.
أنت تنفق مما آتاك… وهو يرزقك من حيث لا تحتسب
ثم يأتي ميزان النفقة:
ذو السعة من سعته.
ومن ضيق عليه رزقه مما آتاه الله.
فالواجب لا يتحول إلى أداة تعجيز، والضيق لا يتحول إلى ذريعة لإسقاط ما يستطيع الإنسان أداءه.
ثم تأمل المقابلة:
أنت:
﴿فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7].
والله:
﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 3].
أنت تنفق مما آتاك، وهو يرزقك من حيث لا تحتسب.
ثم:
﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 7].
وقد يضيق الرزق في مرحلة:
﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7].
لكن السورة لا تنهي حساب الرزق هناك.
بل بعد قليل تقول عن أهل الجنة:
﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: 11].
فلا تجعل ضيق مرحلة من حياتك حكمًا نهائيًا على رزق الله لك.
حساب الرزق أوسع من المال، وأوسع من الدنيا نفسها.
﴿ذَٰلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: 5]
بعد هذه التفاصيل كلها تأتي الجملة التي تعيدنا إلى أصل السورة:
﴿ذَٰلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: 5].
السكن أمر الله.
والعدة أمر الله.
والنفقة أمر الله.
والمعروف أمر الله.
والحدود أمر الله.
فأمر الله لا يصبح صغيرًا لأن ميدانه بيت صغير.
والعبودية لا تنقسم إلى قضايا كبرى نتحمس فيها لأمر الله، وتفاصيل أسرية نتركها لأهوائنا.
حجم المكان لا يحدد حجم الأمر؛ قيمة الأمر تأتي ممن أمر به.
ولهذا ينتقل السياق بعدها:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ [الطلاق: 8].
لم تعد الصورة بيتًا واحدًا، بل قرى.
لكن القضية بقيت:
أمر الله.
ثم النتيجة:
﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [الطلاق: 9].
وفي الطرف الآخر قال للمتقي:
﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4].
هنا:
يسر في الأمر.
وهناك:
خسر في عاقبة الأمر.
وليس المقصود أن كل طاعة تعني حياة بلا ألم، ولا أن كل معصية تظهر خسارتها فورًا في الدنيا؛ فالسورة نفسها تنقل الحساب إلى الآخرة.
لكنها تعيد ضبط الميزان:
لا تقيس الربح والخسارة من اللحظة وحدها.
هذا هو النور حين يدخل البيت
ثم يقول الله:
والنور الذي جاءت به الرسالة لا يبقى فكرة في الذهن.
تظهر آثاره عندما تحب.
وتظهر عندما تغضب.
وتظهر عندما تبني.
وتظهر عندما تفارق.
فمن آثار هذا النور أن تعرف كيف تحفظ حدود الله في الساعة التي تدعوك فيها نفسك إلى تجاوزها.
هذا هو النور حين يدخل البيت في ساعة الظلمة.
بدأت بـ﴿لَا تَدْرِي﴾ [الطلاق: 1]… وانتهت بـ﴿لِتَعْلَمُوا﴾
في أول السورة قال:
﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1].
وفي آخرها:
﴿لِتَعْلَمُوا﴾.
وهنا تكتمل الرحلة.
بدأت:
لا تدري.
ولم تنته بأن أعطاك الله تفاصيل الغد.
بل علمك ما هو أعظم:
فالسورة لم تنقلك من الجهل بالغد إلى معرفة الغد.
بل نقلتك من القلق لأنك لا تعرف الغد إلى معرفة من يعلم الغد ويقدر عليه.
أنت لا تدري، لكن الله يعلم.
وليس مطلوبًا منك أن تعرف كل ما سيحدث حتى تطيع.
يكفي أن تعرف من أمرك.
من البيت إلى السماوات
ثم تأتي الآية الأخيرة:
بدأت السورة ببيت:
﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].
وانتهت بسبع سماوات ومن الأرض مثلهن.
بدأت بأمر يضبط علاقة بين رجل وامرأة.
وانتهت:
﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: 12].
فذلك البيت الذي اضطرب في أول السورة لم يكن يومًا خارج ملك الله، ولا خارج أمر الله.
كما لم يترك الله السماوات والأرض بلا أمر، لم يترك الإنسان في ساعة اضطراب بيته بلا أمر.
ولهذا كان الخيط من أول السورة إلى آخرها:
﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1].
﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: 3].
﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4].
﴿ذَٰلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: 5].
﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الطلاق: 8].
﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [الطلاق: 9].
ثم:
﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: 12].
ختامًا
سورة الطلاق لا تعلمنا فقط كيف تنتهي علاقة.
إنها تعلمنا كيف نبقى عبيدًا لله عندما تنتهي علاقة كانت جزءًا من حياتنا.
قد لا تملك بقاء من تحب، لكنك تملك ألا تظلم.
وقد لا تملك قلب الطرف الآخر، لكنك تملك أن تؤدي حقه.
وقد تعرف من أسراره ما تستطيع أن تؤذيه به، لكن التقوى تمنعك.
وقد تنتهي الزوجية، لكن المعروف لا ينبغي أن ينتهي معها.
وقد يقع التعاسر، لكن حق الطفل لا ينبغي أن يسقط.
وقد يضيق الرزق، لكنك تنفق مما آتاك الله.
وقد تضيق بك الأسباب، لكنك لا تحتاج إلى معصية الله لتصنع لنفسك مخرجًا.
وقد لا تعرف ماذا سيحدث غدًا، لكنك تعرف من أحاط بالغد علمًا.
سورة الطلاق لا تعدك أن يبقى كل ما تحب، لكنها تعلمك كيف لا تفقد نفسك وعبوديتك لله عندما تفقد شيئًا تحب.
والتقوى فيها ليست عهدًا بينك وبين الطرف الآخر حتى تنتهي بانتهاء العلاقة.
التقوى عهد بينك وبين الله.
فإذا اضطرب أمرك، فلا تخرجه من أمر الله.
لأن أمامك طريقين كشفتهما السورة:
﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4].
وفي المقابل:
﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [الطلاق: 9].
وبين يسر الأمر وخسران الأمر يبقى السؤال:
حين يضطرب أمرك… تحت أي أمر تضعه؟