سنن التنزيل
دراسةُ سورة البقرة · الجزء 7 من 11

سورة البقرة — المحور السابع: الأسرة في ميزان التقوى: من بناء الميثاق إلى العدل عند الفراق

  • 16 دقيقةً للقراءة
  • 23 آيةً

أحكام الأسرة في سورة البقرة تمثل ميزاناً للتقوى والعدل، حيث يختبر القرآن صدق المؤمن في صون الحقوق وحفظ الفضل حتى عند اشتداد الخلاف ووقوع الفراق.

﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: 221] البقرة: 221.

بعد أن عرضت السورة امتحان صدق الإنسان في مواقفه من المال والحقوق والإصلاح، تنتقل إلى الأسرة؛ ذلك الموضع الذي تظهر فيه أخلاق الإنسان بعيدًا عن أعين الناس، وتُختبر فيه قدرته على العدل حين تتداخل المحبة والرغبة والمصلحة والغضب.

واللافت أن الحديث عن الأسرة يبدأ بضابط يتعلق بالزواج واختيار شريك الحياة.

فالزواج في القرآن ليس مجرد استجابة للميل العاطفي، ولا مجرد ارتباط اجتماعي بين أسرتين، وإنما علاقة تترتب عليها مسؤوليات دينية وأخلاقية وحقوق متبادلة.

ولهذا جاءت الآية بالنهي عن نكاح المشركات حتى يؤمنّ، ثم قالت:

﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: 221].

وهنا يصحح القرآن ميزان الاختيار.

فقد يعجب الإنسان بالجمال أو المال أو المكانة الاجتماعية، لكن هذه الاعتبارات لا يجوز أن تتقدم على ما أوجبه الله من أحكام الزواج.

ولا ينبغي أن نفهم الآية بمعزل عن سائر النصوص، ومنها ما ورد في سورة المائدة بشأن الزواج من المحصنات من أهل الكتاب؛ فلكل حكم موضعه وضوابطه.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221].

وهنا يتكرر تقديم الإيمان على الاعتبارات التي قد تستميل النفوس.

ثم يبين القرآن وجه التحذير:

﴿أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 221].

فالعلاقة الزوجية ليست علاقة عابرة، بل صحبة ممتدة تؤثر في حياة الإنسان وتربية الأبناء.

ومن هنا ينبغي أن ينظر المقبل على الزواج إلى ما يعينه على إقامة بيت يقوم على الإيمان والاحترام وأداء الحقوق، لا أن يجعل الانجذاب وحده أساس القرار.

لكن صلاح الدين لا يعفي أحدًا من حسن الخلق، كما أن التدين المعلن لا يبرر الظلم أو الإساءة.

فبناء الأسرة الصالحة يحتاج إلى إيمان يضبط الاختيار، وخلق يحفظ العشرة، وعدل يصون الحقوق.

ثم تنتقل السورة إلى مسألة تتعلق بالحياة الزوجية:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] البقرة: 222.

وهنا يبين القرآن حكمًا يتعلق بالجماع زمن الحيض.

والأذى المذكور في الآية لا يعني أن المرأة نفسها موضع احتقار أو نجاسة معنوية، ولا يبيح عزلها اجتماعيًا أو معاملتها بإهانة.

فالمقصود بالاعتزال هنا ترك الجماع في زمن الحيض، كما بينته السنة النبوية.

وهذا التفريق بالغ الأهمية.

فقد تتحول بعض العادات الاجتماعية إلى قيود تُفرض على المرأة باسم الدين، مع أنها لا تستند إلى ما شرعه الله.

والقرآن يضبط الحكم في موضعه، فلا يبيح ما حرمه الله، ولا يضيف إلى التحريم ما لم يأذن به.

ثم يقول تعالى:

﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].

وهنا تظهر الطهارة في سياق العبادة والحياة الزوجية، مع التذكير بمحبة الله للتوابين والمتطهرين.

ثم يقول تعالى:

﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 223] البقرة: 223.

وهذه الآية تتعلق بأحكام العلاقة الزوجية في موضع الحرث، ولا يصح اقتطاع بعض ألفاظها لتبرير الاعتداء أو الإكراه أو إهدار كرامة المرأة.

فالزواج في الشريعة علاقة حقوق ومسؤوليات، وليس تفويضًا لأحد الزوجين أن يظلم الآخر.

واللافت أن الآية تختم بالتقوى ولقاء الله.

فحتى في أخص العلاقات الإنسانية، يظل المؤمن مسؤولًا أمام ربه عن تصرفاته.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 224] البقرة: 224.

وهنا ينتقل القرآن إلى الأيمان.

فقد يحلف الإنسان ألا يفعل خيرًا، أو ألا يصلح بين متخاصمين، ثم يجعل يمينه عذرًا لترك البر والإصلاح.

لكن القرآن يقرر أن اليمين لا ينبغي أن تتحول إلى حاجز يمنع الإنسان من أداء الخير.

وقد بينت السنة ما يتعلق بمن حلف على أمر ثم رأى غيره خيرًا منه، من فعل الخير والتكفير عن يمينه.

وهنا يظهر أن تعظيم اسم الله لا يكون باستعمال اليمين لتثبيت الخطأ، وإنما بالتزام ما شرعه الله.

ثم يقول تعالى:

﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 225] البقرة: 225.

وهنا يظهر اعتبار القصد في المسؤولية الشرعية، مع ما لأحكام الأيمان من تفصيل.

فليس كل لفظ يجري على اللسان في حكم اليمين المنعقدة.

والله يعلم ما تقصده القلوب وما يصدر عنها.

ثم يقول تعالى:

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] البقرة: 226.

وهنا يعالج القرآن الإيلاء، وهو الحلف على الامتناع عن معاشرة الزوجة على وجه مخصوص في أحكام الفقه.

وقد كان من الممكن أن تتحول هذه الحال إلى وسيلة لتعليق المرأة وإضرارها، فجاء التشريع ليضع لها حدًا زمنيًا وأحكامًا تضبطها.

ثم يقول تعالى:

﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 227] البقرة: 227.

وهنا يظهر أن العلاقة الزوجية لا يجوز أن تبقى مجالًا للإضرار المفتوح.

فإما عودة إلى العشرة وفق ما شرع الله، وإما معالجة الفراق بأحكامه.

ثم تنتقل السورة إلى العدة:

﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] البقرة: 228.

وهذه الآية تتعلق بعدة صنف من المطلقات، وللفقهاء تفصيل معروف في معنى القروء، كما أن هناك أحكامًا أخرى لعدة الحامل، ومن لم تحض، ومن طلقت قبل الدخول.

ولهذا لا يصح تعميم الحكم الوارد هنا على جميع المطلقات دون تمييز.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 228].

وهنا يظهر ارتباط الحكم بالأمانة.

فما يتعلق بالحمل والعدة قد تترتب عليه حقوق للزوجين وللأبناء، ولا يجوز إخفاء ما يجب بيانه لإضاعة هذه الحقوق.

ثم يقول تعالى:

﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228].

وهذا في الطلاق الرجعي، مع ما يترتب عليه من أحكام.

واللافت تقييد الرجعة بإرادة الإصلاح.

فليس المقصود أن تكون الرجعة وسيلة لإطالة الضرر أو التحكم في المرأة، وإنما أن تعود الحياة الزوجية على أساس مشروع.

ثم تأتي قاعدة عظيمة:

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 228].

وهنا يقرر القرآن مبدأ الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين بالمعروف.

ولا يجوز أن يُفهم قوله:

﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228]

على أنه إباحة مطلقة لتسلط الرجل أو إلغاء حقوق المرأة.

بل يُفهم في سياقه، وفي ضوء مجموع أحكام الشريعة التي أوجبت العدل ونهت عن الظلم.

فالعلاقة الزوجية ليست صراعًا على من يملك القدرة الأكبر على الإضرار، وإنما ميثاق تترتب عليه حقوق ومسؤوليات يحاسب الله عليها الطرفين.

ثم يقول تعالى:

﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] البقرة: 229.

وهنا يأتي التشريع ليضبط الطلاق الرجعي، ويمنع أن تتحول العلاقة إلى دورة لا تنتهي من الطلاق والرجعة بقصد الإضرار.

واللافت أن القرآن يجعل المعيار في استمرار الزواج هو الإمساك بالمعروف، وفي إنهائه التسريح بالإحسان.

فليس المطلوب بقاء العلاقة بأي ثمن ولو قامت على الظلم، كما لا يجوز أن يتحول الفراق إلى باب للانتقام.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 229].

وهنا يظهر أصل حفظ الحقوق المالية للمرأة، مع بيان ما يتعلق بالافتداء في موضعه من التشريع.

ولا يجوز أن يُستعمل الخلع أو الطلاق وسيلة لابتزاز المرأة أو إجبارها على التنازل عما لا يلزمها التنازل عنه.

ثم يقول تعالى:

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229].

وهنا تتكرر عبارة حدود الله.

فالأحكام الأسرية ليست مجرد ترتيبات اجتماعية قابلة للتلاعب بحسب قوة أحد الطرفين، وإنما لها حدود شرعها الله.

ثم يقول تعالى:

﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] البقرة: 230.

وهنا يأتي حكم الطلاق بعد استنفاد عدد الطلقات المعتبر شرعًا، وما يترتب عليه من أحكام.

ولا يجوز أن يُتخذ هذا الحكم بابًا للتحايل بعقود صورية يقصد بها إباحة الرجوع إلى الزوج الأول.

فالشريعة لا تجعل الحيلة وسيلة لإبطال مقاصد أحكامها.

ثم يقول تعالى:

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231] البقرة: 231.

وهنا يصرح القرآن بالنهي عن الإمساك بقصد الإضرار.

فقد يستعمل الإنسان حقًا مقررًا له في الظاهر، لكنه يقصد به ظلم غيره.

والقرآن لا يكتفي بالنظر إلى صورة التصرف، بل يحذر من تحويل الحقوق إلى وسائل للاعتداء.

وهذا معنى يتجاوز الأسرة إلى مختلف المعاملات.

فقد يملك الإنسان سلطة قانونية أو مالية، لكنه يستعملها للإضرار بمن هم تحت مسؤوليته.

وقد يتذرع بنص أو إجراء صحيح في أصله لتحقيق مقصد محرم.

وهنا ينبغي أن نميز بين استعمال الحق في موضعه، وبين التعسف فيه للإضرار بالآخرين.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: 231].

وهذا تحذير شديد من التلاعب بأحكام الله.

فلا يجوز أن تكون ألفاظ الطلاق والرجعة والحقوق مجالًا للعبث، أو أن يتعامل الإنسان مع التشريع وكأنه وسيلة لتحقيق رغباته المتقلبة.

ثم يذكر القرآن نعمة الله وما أنزل من الكتاب والحكمة، ويأمر بالتقوى.

وهنا يعود البناء الذي رأيناه في السورة: الوحي نعمة، والاستجابة له مسؤولية.

ثم يقول تعالى:

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 232] البقرة: 232.

وهنا يأتي النهي عن منع المرأة من الزواج المشروع إذا حصل التراضي بالمعروف وتحققت شروط النكاح.

وقد يقع العضل بدافع الغضب أو الخصومة أو الرغبة في التحكم.

لكن القرآن يقرر أن العلاقات الأسرية لا يجوز أن تكون مجالًا لتصفية الحسابات.

فمن انتهت علاقتها الزوجية وفق أحكام الشرع لا يجوز أن تُمنع ظلمًا من حقها في الزواج.

ثم يقول تعالى:

﴿ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 232].

وهنا يظهر أن أحكام الله ليست مجرد قيود، وإنما فيها من التزكية والطهارة وحفظ المصالح ما يعلمه سبحانه.

ثم تنتقل السورة إلى حقوق الأطفال:

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233] البقرة: 233.

وهنا يظهر أن مسؤولية الوالدين لا تنتهي بالطلاق أو الخلاف.

فالطفل له حقوق ينبغي أن تُحفظ، ولا يجوز أن يتحول إلى وسيلة للضغط بين أبويه.

ثم يقول تعالى:

﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233].

وهنا يأتي بيان جانب من المسؤولية المالية.

ثم يقول تعالى:

﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 233].

وهذا يقرر مراعاة القدرة في التكليف، دون إسقاط الحقوق الواجبة أو إباحة التهرب منها.

ثم يقول تعالى:

﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: 233].

وهذه من أبلغ العبارات في حماية الأسرة بعد الخلاف.

فالطفل لا يجوز أن يصبح سببًا للإضرار بالأم أو الأب.

وقد يقع هذا الضرر بمنع حق مشروع، أو باستعمال الحضانة أو النفقة وسيلة للانتقام.

لكن القرآن يعيد العلاقة إلى ميزان العدل.

ثم يذكر الفصال عن تراض وتشاور، وما يتعلق بالاسترضاع وأداء الحقوق.

واللافت ذكر التشاور حتى في شأن يتعلق بالطفل بعد انتهاء الرضاعة.

وهذا يذكرنا بأن رعاية الأبناء مسؤولية تحتاج إلى تعاون، لا إلى استبداد أحد الطرفين.

فإذا تعذر استمرار الزواج، فإن حقوق الأبناء لا تسقط، ومسؤولية الأبوين عنهم لا ينبغي أن تتحول إلى خصومة تدفع ثمنها نفوس الأطفال.

ثم يقول تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] البقرة: 234.

وهنا ينتقل القرآن إلى عدة الوفاة، مع مراعاة الأحكام الخاصة بالحامل وغيرها في مجموع النصوص.

ثم يقول تعالى:

﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234].

وهنا يظهر أن العدة حكم شرعي له مدته، ولا يجوز أن تتحول إلى منع دائم للمرأة من الزواج أو التصرف المشروع في حياتها.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 235] البقرة: 235.

وهنا يبين القرآن أحكام التعريض بالخطبة في العدة، مع النهي عن المواعدة السرية المحرمة وعقد النكاح قبل بلوغ الكتاب أجله.

وهذه الأحكام تحتاج إلى فهم تفصيلاتها، ولا يصح تعميمها على جميع أنواع العدد دون تمييز.

لكن المعنى الجامع أن الرغبات الإنسانية تُضبط بأحكام تحفظ الحقوق والكرامة.

ثم يقول تعالى:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 235].

وهنا تعود مراقبة الله إلى أخص ما يخفيه الإنسان في نفسه.

فقد يستطيع المرء أن يخفي مقصده عن الناس، لكن الله يعلمه.

ثم يقول تعالى:

﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] البقرة: 236.

وهنا يبين القرآن حكمًا يتعلق بالطلاق قبل الدخول وقبل فرض المهر، ويأمر بالمتعة بالمعروف بحسب حال الزوج.

واللافت أن الفراق لا يسقط واجب الإحسان.

فقد تنتهي العلاقة قبل أن تبدأ الحياة الزوجية بالفعل، ومع ذلك يبقى التعامل بالمعروف مطلوبًا.

ثم يقول تعالى:

﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] البقرة: 237.

وهنا يأتي بيان الحق المالي في صورة أخرى من صور الطلاق قبل الدخول.

ثم يقول تعالى:

﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].

وهذه من أعظم الوصايا القرآنية في العلاقات الإنسانية.

فالإنسان قد يحرص على حقوقه حين تنتهي العلاقة، وهذا حق له في حدود الشرع.

لكن القرآن يفتح باب الفضل والعفو المشروع.

ولا يعني ذلك إجبار صاحب الحق على التنازل عنه، أو مطالبة الطرف الأضعف بأن يتحمل الظلم باسم الإحسان.

بل الفضل يكون فضلًا حين يصدر عن اختيار مشروع، دون إكراه أو ابتزاز.

واللافت قوله:

﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].

فقد تنتهي العلاقة الزوجية، لكن لا ينبغي أن يمحو الخلاف كل معروف سابق.

وقد تتغير المشاعر، لكن ذلك لا يبيح إنكار الخير أو التشهير أو الاعتداء.

وهذا المعنى لا يقتصر على الزواج، بل يمتد إلى العلاقات التي تنتهي فيها الشراكة أو الصحبة أو التعاون.

فليس من العدل أن نجعل الخلاف الحاضر سببًا لإنكار كل فضل مضى، كما ليس من الفضل أن نتنازل عن حقوق الآخرين أو نفرض عليهم التنازل عن حقوقهم.

ثم تأتي آية الصلاة:

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] البقرة: 238.

وهنا تستوقفنا عودة السورة إلى الصلاة وسط أحكام الأسرة.

فبعد الحديث عن الطلاق والعدة والرضاعة والحقوق، يأتي الأمر بالمحافظة على الصلاة.

ولا ينبغي أن نجزم بحكمة حصرية لهذا الموضع دون دليل، لكن التناسب ظاهر في أن المؤمن يحتاج إلى صلة دائمة بالله وهو يتعامل مع أشد العلاقات الإنسانية حساسية.

فقد تشتد الخصومة، ويغلب الغضب، وتختلط الحقوق بالمشاعر.

وهنا يحتاج الإنسان إلى ما يذكره بأنه عبد لله، وأن تصرفاته ليست خارج حسابه.

والصلاة التي أمر الله بالمحافظة عليها ينبغي أن تعين المؤمن على مراقبته في حياته كلها.

فلا يستقيم أن يحرص الإنسان على أداء الصلاة، ثم يتعمد ظلم من يعيشون معه.

كما لا يصح أن يجعل تقصير بعض المصلين في حقوق الناس سببًا للتقليل من شأن الصلاة نفسها.

فالواجب أن يجتمع أداء العبادة مع العمل بمقتضاها.

ثم يقول تعالى:

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 239] البقرة: 239.

وهنا يظهر أن الصلاة لا تسقط لمجرد الخوف، وإنما تؤدى وفق ما شرعه الله لحال الخوف.

وهذا يقرر أن العبادة ترافق المؤمن في أحوال الأمن والشدة، وأن الشريعة تراعي اختلاف الأحوال.

ثم يقول تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] البقرة: 240.

وهذه الآية من المواضع التي تناولها المفسرون والفقهاء في ضوء آيات العدة والميراث، وما يتعلق بالنسخ أو بقاء بعض الأحكام.

ولا ينبغي أن نفصلها عن مجموع التشريع، أو نقدم منها حكمًا معاصرًا دون تحرير فقهي.

لكنها تذكرنا بعناية القرآن بحقوق المرأة بعد وفاة زوجها، وبأن هذه الحقوق لا يجوز أن تُترك لأهواء الناس وعاداتهم.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] البقرة: 241.

وهنا يعود الحديث عن المتاع بالمعروف، وما يتعلق به من تفصيل في أحكام الطلاق.

واللافت أن الآية تربطه بالتقوى.

فقد يظن الإنسان أن التقوى تظهر في عباداته وحدها، لكن القرآن يربطها كذلك بأداء الحقوق عند انتهاء العلاقة الزوجية.

ثم يختم هذا المقطع بقوله تعالى:

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 242] البقرة: 242.

وهنا تأتي الإشارة إلى العقل بعد هذا التفصيل في أحكام الأسرة.

فالتشريع ليس دعوة إلى تعطيل العقل، وإنما إلى فهم ما شرعه الله، وإدراك ما يظهر من حكمته، والعمل به على بصيرة.

وقد عرضت هذه الآيات أحكام الزواج والحيض والعلاقة الزوجية والأيمان والإيلاء والطلاق والعدة والرضاعة وحقوق المرأة والطفل.

وفي جميع ذلك يظهر أن الأسرة ليست شأنًا خاصًا تنتهي عنده مسؤولية الإنسان أمام الله.

بل هي ميدان من ميادين العبودية، تظهر فيه التقوى أو المعصية، والعدل أو الظلم، والوفاء أو الإضرار.

واللافت أن القرآن لم يكتف بالحديث عن حسن العشرة حين تكون المحبة قائمة، وإنما فصل الأحكام في حال الخلاف والفراق.

وهذا يقرر معنى بالغ الأهمية:

إن حقيقة العدل لا تظهر حين تتوافق المصالح وحدها، بل تظهر بوضوح حين تتعارض المصالح وتشتد الخصومات.

فقد يحسن الإنسان إلى من يحبه، لكن امتحانه حين يختلف معه.

وقد يحفظ حق شريكه ما دامت العلاقة نافعة له، لكن امتحانه حين تنتهي الشراكة.

وقد يتحدث عن الرحمة بالأطفال، لكن امتحانه حين يصبح حفظ حقوقهم متعارضًا مع رغبته في الانتقام من الطرف الآخر.

وهكذا تربي السورة المؤمن على أن يبقى ملتزمًا بحدود الله في الرضا والغضب، وفي الوصل والفراق، وفي القوة والضعف.

ومن هنا يتسع المشهد مرة أخرى.

فبعد أن عالج القرآن بناء الأسرة وحفظ حقوقها، ينتقل إلى تجربة جماعية تتعلق بالخوف من الموت، والفرار، والقيادة، والطاعة، والثبات في مواجهة الشدائد.

قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243] البقرة: 243.

فتنتقل السورة من امتحان العدل داخل الأسرة إلى امتحان الثبات والمسؤولية في حياة الجماعة، لتكشف أن الإنسان الذي يحتاج إلى تقوى الله في بيته يحتاج إليها كذلك حين يواجه الخوف، ويتعامل مع القوة، ويتحمل مسؤولية القرار والمصير.

شارك المقال