حين بلغ الدعاء بابًا لا تبلغه الأسباب
دعاء زكريا يجسد خضوع العبد لربه حين تنقطع الأسباب، مؤكداً أن رحمة الله لا تقف عند استجابة الطلب، بل تتعداه إلى غرس الصلاح وصناعة الأثر الباقي.
﴿كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: 2]. هكذا تبدأ سورة مريم. لا تبدأ بكِبَر زكريا، ولا بعقم امرأته، ولا بخوفه مما سيأتي بعده، ولا حتى بدعائه. تبدأ قبل ذلك كله بكلمة: ﴿رَحْمَتِ﴾. وكأن القرآن يعلّمنا منذ اللحظة الأولى كيف نقرأ القصة قبل أن نعرف تفاصيلها. ما سيراه زكريا عجزًا في الأسباب، يسميه الله منذ البداية: ﴿رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 2]. وقد تكون هذه أولى هدايات السورة لنا: أننا كثيرًا ما نسمي مراحل حياتنا بأشد ما يؤلمنا فيها؛ فنقول: زمن العجز، وزمن الفقد، وزمن الأبواب المغلقة، بينما نحن لا نرى من المشهد إلا الجزء الذي نعيشه الآن. أما زكريا، فقد كشف الله لنا اسم قصته قبل أن يرويها: رحمة. ثم: ﴿عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: 2]. رب وعبد. رحمة وافتقار. ومن هنا يبدأ الطريق.
نداء لا يحتاج أن يسمعه الناس
﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3]. لم يحتج زكريا إلى أن يسمعه أحد. يكفي أن يسمعه الله. هناك أشياء بين العبد وربه لا تحتاج جمهورًا، ولا تحتاج شاهدًا، ولا تحتاج أن يعرف الناس مقدار ما في القلب من خوف ورجاء. ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3]. وسنحتفظ بهذه الكلمة معنا؛ لأن السورة التي تبدأ بصوت عبد خافت سمعه الله، ستنتهي بقرون كاملة ذهبت حتى يقول الله عنها: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: 98]. لكن لكل موضع وقته. أما الآن، فليس في المشهد إلا عبد وربه.
لم يخفِ ضعفه عن الله
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4]. لا يتظاهر زكريا بالقوة. ولا ينكر الواقع باسم الإيمان. لقد بلغ الضعف داخله: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: 4]. وظهر أثر العمر خارجه: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4]. تعبير عجيب؛ لم يقل: شاب رأسي، بل صور الشيب كأنه اشتعل في الرأس وانتشر فيه حتى غلب عليه. اشتعل الرأس شيبًا، لكن القلب لم ينطفئ رجاءً. وهنا نتعلم أن الثقة بالله لا تعني أن نكذب على الواقع. يجوز للعبد أن يقول: ضعفت. تعبت. الأسباب تضيق. الطريق صعب. ما دام وصف الواقع لا يتحول إلى حكم على قدرة الله. ولهذا لم يختم زكريا وصف ضعفه باليأس، بل قال: ﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: 4]. ذكر ضعفه، ثم تذكر ربه. نظر إلى واقعه، ثم نظر إلى تاريخه مع الله. وهذه من أعظم زاد المؤمن حين يخيفه المستقبل: أن يتذكر ألطاف الله الماضية. كم بابًا ظننته مغلقًا ثم فتح الله منه ما لم تتوقع؟ كم أمرًا خفته ثم مر؟ كم شدة حسبتها نهاية الطريق ثم صارت صفحة وراءك؟ زكريا لا يقول بالضرورة إن كل ما دعا به من قبل جاءه بالصورة التي طلبها، ولكنه يعرف شيئًا أعمق: أنه لم يعرف الشقاء في الوقوف بباب ربه. ﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: 4].
شيخ يفكر فيما بعد موته
ثم يكشف زكريا موضع خوفه: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: 5–6]. واللافت أن الرجل الذي اقترب من نهاية عمره لا ينشغل بنفسه وحدها. إنه يفكر: ﴿مِن وَرَائِي﴾ [مريم: 5]. ماذا سيحدث بعدي؟ من يحمل الأمر؟ وماذا أترك حين أرحل؟ وهنا تفتح سورة مريم مبكرًا سؤالًا سيعود إلينا لاحقًا بصورة أقوى: ماذا نترك بعدنا؟ فالإنسان قد يقضي عمره كله يفكر فيما سيتركه لأولاده: بيتًا. مالًا. تجارة. اسمًا. ثم يغفل عن السؤال الأهم: ماذا سيترك في أولاده؟ ولهذا لم يقل زكريا فقط: هب لي ولدًا. بل قال: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: 6]. لم يكن همه أن يأتي إنسان يحمل اسمه فقط. بل أن يأتي إنسان له عند الله مقام الرضا. وما أحوج دعاءنا لأبنائنا إلى هذا الميزان. نخطط لدراستهم، ورزقهم، ومستقبلهم، ومكانتهم، وكل ذلك من الأخذ بالأسباب، لكن يبقى السؤال الأعظم: كيف سيكون موقعهم عند الله؟
﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ﴾ [مريم: 5]
زكريا يعرف أن ما يطلبه لم تعد أسبابه المألوفة في يده. هو شيخ. وامرأته عاقر. لذلك لا يقول: سأصنع. بل: ﴿فَهَبْ لِي﴾ [مريم: 5]. ولا يقول فقط: ﴿هَبْ لِي﴾ [آل عمران: 38؛ الشعراء: 83؛ الصافات: 100]، بل: ﴿مِن لَّدُنكَ﴾ [مريم: 5]. حين انتهى من عد ما لا يملكه، اتجه إلى من يملك. وهذه حقيقة الأسباب كلها. نأخذ بها لأن الله أمرنا أن نأخذ بها، لكنها ليست خزائن العطاء. نطرق الأبواب، لكن الفتح من الله. نبذر، لكن الإنبات من الله. نسعى، لكن النتائج ليست ملكنا.
البشرى قبل تفسير الكيفية
﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 7]. جاءت البشرى. واللافت أن الله لم يبدأ أولًا بشرح كيف ستتغير الأسباب. لم يقل له: سيحدث لبدنك كذا، ولزوجتك كذا، ثم يأتي الولد. بل جاءت البشرى أولًا. لأن الإنسان يريد غالبًا أن يفهم: كيف؟ ثم يطمئن. أما الإيمان فيتعلم أحيانًا أن يطمئن إلى من وعد قبل أن يعرف كيف يتحقق الوعد. ومع ذلك يسأل زكريا: ﴿رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 8]. إنه يعرف الواقع جيدًا. العقم قائم. والكبر بلغ مداه. فجاء الجواب الذي يغير ميزان النظر كله: ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: 9، 21]. المسألة ليست: هل الأمر هين عليك؟ بل: على من؟ إذا قست الأمر بقدرتك، رأيت الجدار. وإذا قسته بقدرة الله، سمعت: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: 9، 21]. ولا تعني هذه الحقيقة أن نهمل الأسباب أو أن ننتظر الخوارق في كل شأن؛ بل تعني أن نستعمل الأسباب دون أن نحولها إلى حدود لقدرة الله. وسنرى قريبًا أن الذي يقول:
﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: 9، 21]
هو الذي سيقول لمريم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25]. فلا إيمان يلغي العمل، ولا عمل يستغني عن الله.
أنت نفسك دليل القدرة
ثم يقول الله لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 9]. لم يأخذه إلى آية بعيدة. أعاده إلى نفسه. أتستغرب ما سيفعله الله غدًا؟ فمن أين جئت أنت؟ كنت: ﴿لَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 9]. ثم كنت. فالإنسان نفسه يحمل في وجوده جوابًا عن كثير من استبعاده لقدرة الله. والعجيب أن هذه الحقيقة لن تنتهي هنا. سنسمعها مرة أخرى حين ينكر الإنسان البعث: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 67]. الحقيقة نفسها تطمئن المؤمن هنا، وستقيم الحجة على المنكر هناك. فلنحتفظ بها حتى نصل إلى موضعها.
من المحراب إلى الناس
قال زكريا: ﴿رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً﴾ [مريم: 10]. فقال الله: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: 10]. ثم: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 11]. بدأ المشهد: ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3]. في محرابه. ثم خرج: ﴿عَلَىٰ قَوْمِهِ﴾ [مريم: 11]. وهكذا ينبغي أن تكون الخلوة بالله. لا خلوة تقطع الإنسان عن رسالته، ولا انشغال بالناس يقطع قلبه عن محرابه. خلوة تبني، ثم خروج يؤدي. والأجمل أن أول ما دل قومه عليه بعد البشرى لم يكن أن يحتفلوا بولده، بل: ﴿أَن سَبِّحُوا﴾ [مريم: 11]. فالنعمة حين يعرف العبد مصدرها تعيده إلى المنعم.
جاء يحيى… فماذا فعل بالهبة؟
هنا تحدث مفاجأة في طريقة عرض القصة. لقد مضت آيات في الدعاء من أجل الولد. وآيات في بيان صعوبة مجيئه. ثم جاءت البشرى. فإذا جاء يحيى لا يحدثنا القرآن طويلًا عن ولادته وطفولته وفرحة البيت به. بل ينتقل مباشرة: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12]. وهنا ينقلنا القرآن من سؤال: كيف جاءت النعمة؟ إلى السؤال الأهم: ماذا فعل صاحبها بها؟ فليست قيمة الهبة في أن تصل إليك فقط. بل في الغاية التي تحققها بها. كم ندعو الله طويلًا من أجل نعمة، فإذا جاءت انشغلنا بها عن السؤال: لماذا وهبني الله إياها؟ الولد نعمة. والمال نعمة. والعلم نعمة. والوقت نعمة. والقوة نعمة. والسؤال بعد كل عطاء: ماذا ستفعل بما أعطاك الله؟ لقد طلب زكريا وليًا يأتي بعده، فإذا أول ما نسمعه عن هذا الولي: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12].
قوة لا تصنع جبارًا
﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 12–13]. خذ الكتاب: ﴿بِقُوَّةٍ﴾. لكن انظر ماذا جاء مع القوة: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾ [مريم: 13]. وهذه من أجمل معادلات التربية القرآنية: قوة في المبدأ، وحنان في القلب. فليست الرحمة رخاوة في الحق. وليست القوة قسوة على الخلق. يحيى قوي في حمل الكتاب، لكنه صاحب حنان. أوتي الحكم، لكنه لم يصبح جبارًا. وهنا ننتبه إلى شيء آخر. زكريا قال: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: 5]. فلما جاء الولي قال الله: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾ [مريم: 13]. طلبه من لدن الله. فلم تأت الهبة جسدًا فقط؛ جاءت معها صناعة القلب. حكم. وحنان. وزكاة. وتقوى. فما أحوجنا حين نسأل الله النعمة أن نسأله معها صلاحها. قد تطلب ولدًا، لكنك تحتاج أن يصلح الله قلب الولد. وقد تطلب مالًا، وتحتاج أن يصلح الله علاقتك بالمال. وقد تطلب علمًا، وتحتاج أن يحفظك الله من الكبر به. ليست المسألة أن تُعطى فقط. بل كيف تكون بعد أن تُعطى؟
من التقوى إلى البيت
﴿وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: 13–14]. لم تبق التقوى معنى خفيًا في القلب. ظهر أثرها في أقرب الناس إليه: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ [مريم: 14]. وهذا ميزان مهم. قبل أن نسأل ماذا فعل الكتاب في خطاب الإنسان للناس، ينبغي أن نسأل: ماذا فعل في أخلاقه؟ وفي بيته؟ وفي علاقته بأقرب الناس إليه؟ ثم: ﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: 14]. لم تجعل قوة الكتاب منه جبارًا. ولم يجعل الحنان منه ضعيفًا عن الحق. قوة بلا جبروت. وحنان بلا ضعف. وتقوى تظهر في السلوك. وسنرى قريبًا أن هذا الوصف سيعود بصورة لافتة في كلام عيسى عليه السلام: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32]. فنثبت الخيط هنا، ونترك السورة تكمله في موضعه.
﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ [مريم: 15]
ثم تختم قصة يحيى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 15]. ثلاث محطات كبرى في رحلة الإنسان: يولد. ويموت. ويبعث. وكأن القرآن يخرج بنا من ضيق اللحظة التي بدأنا منها. في البداية كان كل القلق: هل يولد الطفل أصلًا؟ وفي النهاية صار الحديث: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 15]. لقد تجاوزت القصة سؤال الميلاد إلى رحلة الإنسان كلها. وسنسمع هذا البناء مرة أخرى على لسان عيسى عليه السلام: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 33]. وهناك ستتسع المقارنة.
ماذا أعطى الله زكريا؟
لو نظرنا إلى القصة من أولها لقلنا: طلب زكريا ولدًا فأعطاه الله ولدًا. لكن السورة علمتنا أن ننظر أعمق. لقد طلب: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: 6]. فلم يعطه الله جسدًا يحمل اسمه فحسب. بل بنى إنسانًا: يحمل الكتاب بقوة. وأوتي الحكم. وفي قلبه حنان. وفي نفسه زكاة. وفي علاقته بالله تقوى. وفي علاقته بوالديه بر. ولا تحوله القوة إلى جبار. ثم أحاطت رحلته بالسلام: ﴿يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 15]. وهنا يعود إلينا سؤال زكريا الأول: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي﴾ [مريم: 5]. كان يفكر فيمن يأتي بعده. فجاء الجواب أكبر من مجرد طفل. جاء إنسان يحمل ما بعد أبيه. ومن هنا يبدأ سؤال ستظل سورة مريم تبنيه معنا حتى نصل إلى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: 59]. ليس السؤال فقط: ماذا سنترك لأبنائنا؟ بل: أيَّ إنسان نريد أن نترك بعدنا؟ فقد نورث المال، ولا نورث الهمة. ونورث الاسم، ولا نورث الطريق. ونورث الكتب، ولا نورث الأخذ بها بقوة. وما أحوجنا أن يكون من أعظم دعائنا لمن يأتي بعدنا: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: 6]. ✍️ د. وائل علي فرج