أن تُحسن العمل… لا أن تحسب أنك تُحسن
امتحان التمكين يكشف صدق العبودية حين تحركك القوة لإصلاح الواقع بالأسباب، دون أن يغرك عظيم الإنجاز عن شهود فضل الله ورحمته.
قال الله تعالى:
هنا يتغير الموقع مرة أخرى.
أصحاب الكهف كانوا في موقع لا يملكون فيه تغيير مجتمعهم، فحفظوا إيمانهم بما استطاعوا.
وصاحب الجنتين امتلك النعمة، فاختل بها ميزانه.
وموسى عليه السلام وقف أمام علم لم يحط به.
أما ذو القرنين فالمشهد مختلف:
﴿مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: 84].
قوة.
وتمكين.
وأسباب.
وقدرة على الحركة والتأثير.
وهنا يأتي الامتحان:
ماذا تفعل حين تصبح أنت صاحب القوة؟
فالإنسان لا يُبتلى بالعجز وحده.
قد يكون التمكين أشد امتحانًا من الضعف.
في الضعف تعرف أنك محتاج.
أما القوة فقد توهمك أنك استغنيت.
أول كلمة: «مكّنّا»
قبل أن نرى ما فعله ذو القرنين، تخبرنا السورة من أين جاء أصل التمكين:
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: 84].
لم يبدأ المشهد بـ«ملك ذو القرنين».
بل:
وقبل أن نرى استعماله للأسباب:
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: 84].
التمكين عطاء.
والسبب عطاء.
والقدرة على استعمال السبب عطاء.
وهذا لا يلغي دور الإنسان.
بل الآية التالية مباشرة تقول:
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 85].
وهنا يلتقي معنيان كثيرًا ما يفصل الناس بينهما:
الله أعطى.
و:
الإنسان عمل.
لا نسبة النعمة إلى الله تعطل العمل.
ولا العمل بالأسباب يلغي أن أصل القدرة من الله.
«فأتبع سببًا»… الإيمان الذي يتحرك
تتكرر العبارة في القصة:
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 85].
ثم:
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 89، 92].
ثم:
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 89، 92].
إنها صورة رجل يتحرك.
يصل إلى موضع، ثم ينتقل.
ويواجه واقعًا، ثم يعمل فيه.
ثم يتابع السير.
فالتمكين عنده لم يتحول إلى جلوس فوق ما مُكّن فيه.
والتوكل لم يتحول إلى تعطيل للأسباب.
وما أجمل مجيء هذه القصة بعد قصة موسى.
هناك تعلمنا:
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 68].
وهنا:
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 85].
وكأن السورة تربي الإنسان على جناحين:
تواضع فيما لا تعلم، واعمل فيما تستطيع.
فحدود علمك ليست حجة للعجز عن كل عمل.
كما أن قدرتك على بعض العمل ليست دليلًا على إحاطتك بكل شيء.
قبل البناء… العدل
وكثيرًا ما تُختصر قصة ذي القرنين في الردم.
لكن القرآن يعرض قبل الردم مشهدًا مهمًا:
﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ…﴾ [الكهف: 86].
ثم:
فقال:
هنا تظهر القوة وهي تميز.
لا تسوي بين الظالم وغيره.
ولا تجعل البطش هو اللغة الوحيدة للسلطة.
هناك حزم:
﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [الكهف: 87].
وهناك يسر:
﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف: 88].
فالقوة في القصة ليست قدرة على البناء فقط.
إنها أيضًا مسؤولية في الحكم والعدل.
ومن أبرز وظائف القوة التي تكشفها القصة: أن تُستعمل في إقامة العدل وكف الفساد، لا في صناعة فساد جديد.
القوة التي لا تسكن
ثم:
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 89، 92].
ثم مرة أخرى:
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 89، 92].
حتى بلغ:
﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: 93].
فوجد قومًا:
﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف: 93].
ورغم صعوبة التواصل وصل إليه طلبهم:
قوم يعانون فسادًا.
ورجل يملك القدرة على المساعدة.
وهنا تظهر حقيقة التمكين:
هل القوة وسيلة لجمع المزيد لصاحبها؟
أم أمانة يستعملها في دفع الضرر عن الناس؟
«ما مكني فيه ربي خير»
عرضوا عليه المال:
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: 94].
فقال:
﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: 95].
تأمل العبارة.
لم يقل فقط:
لا أحتاج أموالكم.
بل أعاد تمكينه كله إلى مصدره:
﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾ [الكهف: 95].
وهنا تظهر مقابلة جميلة مع صاحب الجنتين.
ذاك قال:
﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: 34].
وهذا يقول:
﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: 95].
ليست المسألة مجرد فرق بين لفظ «أنا» ولفظ «ربي».
إنها رؤيتان للنعمة.
الأول جعل ما عنده سببًا لتعظيم نفسه.
والثاني رأى فيما عنده تمكينًا من ربه.
وهنا يظهر أن المال والقوة ليسا المشكلة.
المشكلة هي:
ماذا يصنع ما في يدك بقلبك؟
لم يقل لهم: ابتعدوا وسأحل المشكلة
ثم قال:
﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: 95].
وهذه لفتة عظيمة في استعمال القوة.
هو يملك القدرة.
ومع ذلك يطلب منهم المشاركة:
﴿فَأَعِينُونِي﴾.
لم يحول القوم إلى متفرجين على حل مشكلتهم.
وهذا يعطينا معنى عمليًا مهمًا دون أن نحوله إلى نظرية إدارية متكلفة:
من يملك قدرة أكبر لا يعني أنه يلغي قدرة الآخرين.
بل قد يكون من حسن استعمال قوته أن يستنفر ما عندهم من قوة أيضًا.
﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: 95].
الإيمان لا يبني الردم بالكلمات وحدها
ثم تبدأ تفاصيل العمل:
﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: 96].
ثم:
﴿انْفُخُوا﴾.
ثم:
﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: 96].
عمل.
ومواد.
وجهد.
وتتابع في الخطوات.
حتى:
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: 97].
وهنا درس واضح.
معرفته أن الله هو الممكّن لم تجعله ينتظر الردم أن ينزل من السماء.
قال:
﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾ [الكهف: 95]،
ثم عمل بما مكّنه الله فيه.
وهذا هو التوازن الذي نحتاجه دائمًا.
نعترف بأن القدرة من الله، ثم نستعمل القدرة.
نعلم أن النصر من الله، ثم نأخذ بأسبابه.
نعلم أن الرزق من الله، ثم نسعى.
نعلم أن الشفاء من الله، ثم نتداوى.
فالإيمان بالفاعل الحقيقي لا يلغي الأسباب التي أمرنا أن نسير فيها.
أخطر لحظة… ما بعد النجاح
لكن الامتحان لم ينته عندما اكتمل الردم.
بل ربما هنا بدأت أخطر لحظة.
لقد نجح المشروع.
ودُفع الفساد.
والردم قائم.
والقوم يرون أمامهم إنجازًا ضخمًا.
وفي مثل هذه اللحظة تتسلل «أنا» بسهولة.
أنا الذي بنيت.
أنا الذي خططت.
أنا الذي أنقذت.
أنا الذي استطعت.
لكن ذو القرنين قال:
﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98].
يا لها من كلمة بعد الإنجاز.
لم يقلها قبل العمل ليبرر القعود.
عمل أولًا.
وبذل.
واستخدم الأسباب.
وشارك الناس.
وأتم الردم.
ثم بعد أن ظهرت الثمرة قال:
﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98].
وهنا تتوازن اليد والقلب:
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 85] تحفظ اليد من العجز.
و﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98] تحفظ القلب من الغرور.
من «ما شاء الله» إلى «هذا رحمة من ربي»
وهنا يعود بنا السياق إلى صاحب الجنتين.
قيل له:
وهنا ذو القرنين بعد الردم يقول:
﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98].
الموضعان مختلفان، لكن أصل القلب واحد.
حين تدخل جنتك:
لا تنس مصدر النعمة.
وحين تنتهي من مشروعك:
لا تنس مصدر التمكين.
وحين تنظر إلى قوتك:
لا تتوهم أنها قائمة بنفسها.
فالنعمة من الله.
والقوة بالله.
والإنجاز رحمة من الله.
رجلان يملكان… وميزانان مختلفان
صاحب الجنتين كان صاحب نجاح دنيوي.
وذو القرنين كذلك صاحب قدرة وإنجاز.
إذن السورة لا تقابل بين فقير مؤمن وغني كافر فقط.
بل تعرض لنا رجلين عندهما من أسباب الدنيا.
وتكشف علاقة كل واحد بما في يده.
الأول قال:
﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ [الكهف: 34].
والثاني:
﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: 95].
الأول قال:
﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 35].
والثاني، بعد أعظم إنجاز في قصته، قال:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف: 98].
وهنا يظهر الفرق الحقيقي.
لم يفسد الأول لأن عنده نعمة.
ولم يصلح الثاني لمجرد أن عنده قوة.
إنما كشف كل واحد منهما عن ميزانه حين امتلك.
ابنِ… مع علمك أن البناء لن يخلد
قال ذو القرنين:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: 98].
هذه من أعظم درر القصة.
هو يعرف أن الردم لن يبقى إلى الأبد.
ومع ذلك بناه.
وأحكمه.
واستعمل ما عنده من أسباب.
إذن معرفة زوال الدنيا ليست دعوة إلى ترك عمارتها.
ومعرفة أن الإنجاز سيزول يومًا ليست عذرًا لصناعة إنجاز رديء.
اعمل اليوم بما تستطيع.
وأحسن ما استؤمنت عليه.
واعلم في الوقت نفسه أن ما تبنيه ليس إلهًا خالدًا.
المؤمن يبني، لكنه لا يعبد بناءه.
يعمل، لكنه لا يستمد قيمته من خلود عمله.
فوظيفته أن يؤدي الأمانة، لا أن يضمن الخلود لما صنع.
من «صعيدًا جرزًا» إلى «جعله دكاء»
في أول السورة:
﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: 8].
وهنا:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف: 98].
في البداية قيل إن زينة الأرض كلها إلى زوال.
وفي قصة ذي القرنين نرى رجلًا يبني وهو يعرف هذه الحقيقة.
فلم يقل:
ما دام كل شيء سيزول، فلماذا أبني؟
بل بنى.
وهذه هي النظرة المتوازنة إلى الدنيا.
لا تجعل فناءها ذريعة لإهمالها.
ولا تجعل عمارتها تنسيك فناءها.
القوة ليست قالبًا واحدًا
وإذا قارنا ذا القرنين بأصحاب الكهف ظهر معنى آخر.
أصحاب الكهف قال بعضهم لبعض:
﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: 16].
وذو القرنين:
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 85].
ثم:
﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: 95].
فهل أحد الموقفين يناقض الآخر؟
لا.
اختلف الموقع، فاختلفت الوسيلة.
الفتية لم تكن عندهم قدرة ذي القرنين.
وذو القرنين لم يكن في موقع الفتية.
الثابت في القصتين هو العبودية والمرجعية.
أما الوسيلة فتتغير بحسب القدرة والموقع.
وهذا مهم جدًا في حياتنا.
ليس كل من عجز عن تغيير منكر مطالبًا بما يطالب به صاحب السلطان.
وليس لصاحب القدرة أن يحتج بعجز غيره ليبرر قعوده.
كل موقع له أمانته.
حين تقدر… لا تتعطل
ومن هنا تكتمل أمامنا صور السورة الأربع:
حين كان الفتية في موضع ضعف:
ثبتوا على الحق بما استطاعوا.
وحين كان صاحب الجنتين في موضع نعمة:
فشل في امتحانها حين جعلها معيارًا لقيمته.
وحين وقف موسى أمام ما لا يعلم:
تعلم أن المعرفة البشرية لا تحيط بكل شيء.
وحين أصبح ذو القرنين صاحب قدرة:
تحرك.
وأقام العدل.
واتبع الأسباب.
واستعان بالناس.
وبنى.
ثم رد الفضل إلى الله.
ولهذا يمكن أن نلخص هذه المحطات:
حين تضعف: لا تتنازل عن الحق.
حين تملك: لا تستغنِ.
حين لا تعلم: لا تدّع الإحاطة.
حين تقدر: لا تتعطل.
ليست العبودية موقفًا واحدًا يتكرر بصورة آلية.
إنها ثبات المرجعية مع حسن الاستجابة للموقع الذي أقامك الله فيه.
«ربي» في أول الإنجاز وآخره
ومن لطيف التعبير في قصة ذي القرنين تكرر نسبة الأمر إلى ربه:
في بداية مواجهة المشكلة:
﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: 95].
بعد الإنجاز:
﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98].
وعند الحديث عن نهايته:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف: 98].
مصدر التمكين:
ربي.
تفسير الإنجاز:
رحمة من ربي.
نهاية الإنجاز:
وعد ربي.
ما أجمل قلبًا يرى ربه قبل العمل، وبعد العمل، وعند نهاية العمل.
فالله عنده ليس حاضرًا فقط حين يعجز.
ولا يلجأ إليه فقط حين تنقطع الأسباب.
بل هو رب السبب نفسه.
ورب الإنجاز.
ورب نهاية الإنجاز.
أخطر ما تفعله القوة أن تنسيك من أنت
سورة الكهف بدأت بقول الله:
﴿أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1].
وفي قصة موسى:
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف: 65].
وفي النهاية:
﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].
وكأن معنى العبودية يحيط بالرحلة كلها.
فقد تكون نبيًا يوحى إليك، وأنت عبد.
وقد يعطيك الله علمًا لا يعلمه غيرك، وأنت عبد.
وقد يمكّنك في الأرض، وتبقى عبدًا.
وكلما ارتفع موقع الإنسان احتاج أن يتذكر هذه الحقيقة أكثر.
فالسلطة لا تخرجه من العبودية.
والعلم لا يخرجه من العبودية.
والمال لا يخرجه من العبودية.
والإنجاز لا يخرجه من العبودية.
بل ربما كانت أعظم حماية للقوة من الفساد أن يعرف صاحبها أنه ما زال عبدًا.
ماذا نفعل بقوتنا الصغيرة؟
وليس كل قارئ للسورة ذا سلطان واسع كذي القرنين.
لكن لكل إنسان مساحة من القدرة.
قد تكون مالًا.
أو علمًا.
أو منصبًا.
أو خبرة.
أو كلمة مسموعة.
أو قدرة داخل أسرته.
أو مسؤولية في مؤسسة.
والسؤال القرآني يبقى حاضرًا:
ماذا تفعل بما مُكّنت فيه؟
هل تستعمله لرفع نفسك؟
أم لدفع ما تستطيع من ظلم وفساد؟
هل تحتكر الحل؟
أم تشرك القادرين على حمل المسؤولية؟
هل تأخذ بالأسباب؟
أم تحول التوكل إلى عذر للكسل؟
هل تنسب النجاح لنفسك؟
أم تستطيع بعد اكتمال العمل أن تقول بقلب صادق:
﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98]؟
ختامًا
قصة ذي القرنين ليست قصة جدار فقط.
إنها قصة إنسان حين تصبح القوة في يده.
بدأت:
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ﴾ [الكهف: 84].
ثم:
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 85].
ثم ظهر العدل.
ثم الحركة.
ثم مشاركة الناس:
﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: 95].
ثم البناء.
ثم النجاح.
ثم جاءت الكلمة التي حفظت القلب بعد أن نجحت اليد:
﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98].
ثم لم يعبد إنجازه، بل عرف نهايته:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف: 98].
وهكذا تعلمنا سورة الكهف أن القوة لا تفسد الإنسان حتمًا، كما أن الضعف لا يصلحه حتمًا.
إنما يكشف الموقع ما في الميزان.
قد تدخل الجنة فتقول:
﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ [الكهف: 34].
وقد تقف أمام ردم عظيم صنعته بيدك ثم تقول:
﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98].
وهنا يظهر الفرق بين من يمتلك النعمة ومن تملكه النعمة.
وبهذا تكون السورة قد أخذتنا عبر مواقع شديدة الاختلاف.
لكن بقي سؤال أخطر:
قد تثبت.
وقد تعمل.
وقد تبني.
وقد تبذل عمرك كله.
ثم تكتشف أن العمل الذي كنت تحسبه حسنًا لم يكن كذلك عند الله.
وهنا تأتي واحدة من أخوف آيات سورة الكهف: