سنن التنزيل
مقال

الجاهلية حين تعود فينا… أربع آيات وأربعة أبواب للإصلاح

  • دقيقتان للقراءة
  • 4 آيات

خصال الجاهلية تتسلل إلى نفوسنا حين يغلب الهوى على موازين الحق، ولا سبيل لتجاوزها إلا بمراجعة صادقة لسرائرنا وسلوكنا في مواقف الفتنة والابتلاء.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

*الجاهلية حين تعود فينا… أربع آيات وأربعة أبواب للإصلاح*

قال الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: 154]، وقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50]، وقال: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ [الأحزاب: 33]، وقال: ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: 26].

وردت هذه الآيات في سياقات مختلفة، لكنها تكشف أن خصال الجاهلية قد تعود إلى حياة الناس بعد ذهاب زمنها: في ظنٍّ يفسد القلب، أو حكمٍ يميل مع الهوى، أو تبرجٍ يضعف الحياء، أو حميةٍ تمنع قبول الحق. وليست هذه الأبواب حصرًا لكل أسباب الفساد، ولا يلزم أن يظهر بعضها بعد بعض؛ لكنها مواضع تدعونا الآيات إلى مراجعتها في أنفسنا وواقعنا.

بعد أُحد، أصاب المؤمنين ما أصابهم، فأنزل الله الأمنة على طائفة، وكشف حال طائفة ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: 154]. لم يكن مجرد الخوف أو الحزن هو موضع الذم؛ فالإنسان يخاف ويحزن. وإنما ظهر الخلل حين فسّروا ما جرى بظنٍّ فاسد بالله، وقالوا: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: 154].

وردّ القرآن الأمر إلى الله، وبيّن أن ما وقع ابتلاء وتمحيص لما في الصدور. وفي واقعنا قد تشتد المحنة، أو تتأخر النتيجة التي نرجوها، فنحتاج إلى الجمع بين أمرين: حسن الظن بالله، ومراجعة عملنا وأسباب ضعفنا. فلا نجعل البلاء دليلًا على ضياع وعد الله، ولا نجعل الثقة بوعده عذرًا لترك الإصلاح والأخذ بالأسباب.

ثم يأتي حكم الجاهلية. قال تعالى، بعد الأمر بالحكم بما أنزل والتحذير من اتباع الأهواء: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]. يظهر هذا الخلل حين نرضى بالعدل إذا أنصفنا، ثم نبحث عن استثناء لقريب أو صاحب نفوذ إذا كان الحق عليه.

ولفظ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50] يذكّرنا بأن اليقين لا يبقى كلمة في القلب؛ بل يُرى أثره حين نقبل الحق ولو خالف رغبتنا. وعلاج حكم الجاهلية يبدأ من مواضع مسؤوليتنا: أن يعدل الأب بين أبنائه، والمسؤول بين من يعملون معه، وأن يسمع صاحب الرأي طرفي الخصومة، وأن تُردّ المظالم دون أن تحمي المكانةُ صاحبَها من المحاسبة.

وفي سورة الأحزاب قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ [الأحزاب: 33]. لا ينبغي أن يضيع معنى النهي عن التبرج في حديث عام عن الأخلاق. وفي الوقت نفسه، جاءت الآية ضمن توجيهات تلاها الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله؛ فالعبادة ينبغي أن يظهر أثرها في الحياء والسلوك.

والمرأة مسؤولة عما كُلّفت به في هذا الباب، لكن لا يصح أن نجعلها وحدها مسؤولة عن فساد الحياء. الرجل مسؤول عن بصره وأفعاله، والأسرة مسؤولة عن تربية أبنائها وبناتها، والمجتمع مسؤول عما يُشيعه ويُكافئه. ولا يستقيم أن نشتد في خطابنا للبنات، ثم نتساهل مع البنين أو نشارك بأعيننا وكلماتنا وما ننشره في صناعة ما نشكو منه.

أما حمية الجاهلية فقد ظهرت في الحديبية، حين صدّ المشركون نبينا محمدًا ﷺ وأصحابه عن المسجد الحرام، وحملتهم الأنفة على مواقف لم يردّهم عنها الحق. قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: 26]. وفي الآية نفسها ذكر الله السكينة التي أنزلها على رسوله والمؤمنين، وكلمة التقوى التي ألزمهم إياها.

ليست محبة الأهل أو الجماعة جاهلية، ولا نصرة المظلوم منهم. تبدأ الحمية المذمومة حين ندافع عن ظلم من ننتمي إليه لأنه «منا»، ونرفض الحق لأنه جاء ممن نختلف معه. وعلاجها سكينة تضبط الغضب، وتقوى تُلزمنا بالعدل: ننصر من نحب بدفع الظلم عنه، وننصره كذلك بمنعه من ظلم غيره.

ختامًا، تسألنا هذه الآيات عند كل موقف: ماذا نظن بالله إذا اشتدت المحنة؟ وبأي ميزان نحكم إذا تعارض الحق مع مصلحتنا؟ وهل تظهر ثمرة العبادة في حيائنا وسلوكنا؟ وإذا غضبنا لأهلنا وجماعاتنا، هل تقودنا التقوى أم تقودنا الحمية؟ لا تذهب خصال الجاهلية بمجرد إنكارها؛ إنما نخرج منها حين نعرف مواضعها في أنفسنا، ثم نبدأ إصلاحها بما أمر الله.

شارك المقال