مخاوف الإنسان غريزة فطرية يستغلها الشيطان لتوجيه قراراته وإضعافه، بينما يحرر الهدي القرآني إرادة القلب بتعليقها بكفاية الله وحدها وحسن التوكل عليه.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
يخاف الإنسان الفقر، فيحسب للغد حسابًا قد يطغى على يومه، وربما أمسك ما في يده خوفًا من حاجة لم تأتِ.
ويخاف المرض والخسارة والرفض والظلم، ويخاف أن يُغلق في وجهه باب.
ويخاف المستقبل لأنه لا يعرف ماذا ينتظره، ويخاف الناس؛ كلامهم وغضبهم وقوتهم وما يستطيعون أن يفعلوه به.
حتى يصبح القلب موزعًا بين أشياء لا يملكها، وأشخاص لا يملك قلوبهم، ومستقبل لم يأتِ بعد.
لكن القرآن لا يعامل الخوف على أنه عيب في الإنسان؛ فالخوف غريزة، وقد يكون سببًا للحذر وحفظ الحياة.
قال الله عن موسى عليه السلام:﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21].
وقال:﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: 67–68].
فليس الإيمان أن يفقد الإنسان إحساسه بالخوف.
ولكن السؤال الأهم:ماذا يفعل بك خوفك؟
هل يبقى شعورًا بشريًا يدفعك إلى الحذر والأخذ بالأسباب، أم يتحول إلى قوة تقود قرارك؛ فتتنازل عن الحق، أو تمسك عن الخير، أو تعصي الله خوفًا مما قد يحدث؟
هنا يكشف القرآن بابًا من أخطر أبواب الشيطان:
فالشيطان قد لا يحتاج إلى أن يهزمك بما يخيفك؛ يكفيه أحيانًا أن يهزمك بالخوف منه.
يضخّم في قلبك قوة الناس، ويملأ خيالك بما يمكن أن يفعلوه، حتى تتراجع قبل أن يقع شيء.
وقد صوّر القرآن ذلك قبلها مباشرة:﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].
لم ينكر القرآن وجود الخطر؛ كان هناك جمع وتهديد وتخويف، لكن المؤمنين لم يسمحوا للخوف أن يغيّر ميزان قلوبهم:
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].
فالخطر شيء، واستعباد القلب بالخطر شيء آخر.
ولهذا قال الله:
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: 36].
ما أبلغ الجمع بين كفاية الله والتخويف بما دونه.
ليس السؤال دائمًا: هل ما أخاف منه قوي؟
قد يكون قويًا.
ولكن السؤال الذي يعيد الأشياء إلى أحجامها:
أليس الله بكافٍ عبده؟ومن أخطر أبواب التخويف: الخوف من الفقر.
والتعبير دقيق: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: 268].
قد لا يكون الفقر قد وقع أصلًا، لكن الشيطان يرسمه أمام الإنسان مستقبلًا ينتظره، حتى يعيش الخوف منه قبل وقوعه.
ثم لا يقف عند الخوف:﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم﴾ [البقرة: 268].
وهنا تنكشف الغاية:الشيطان يريد من خوفك قرارًا.
يخوفك بالفقر حتى يمنع يدك من الإنفاق، وبالناس حتى يمنع لسانك من الحق، وبالخسارة حتى يدفعك إلى التنازل، وبالمستقبل حتى يجعلك تعصي الله اليوم من أجل شيء لم يقع غدًا.
ومن أعجب ما يفعله الخوف بالإنسان أن يدفعه إلى معصية الرازق خوفًا على الرزق.
وهنا يعيد القرآن القلب إلى الأصل:﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم: 40].
الذي خلقك هو الذي رزقك، فلا يتعلق قلبك بالسبب حتى ينسى مسبب الأسباب.
وقال تعالى:﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6].بل كشف القرآن إلى أين يمكن أن يقود الخوف من فقر لم يقع:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: 31].
تأمل: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: 31].لم يكن الفقر وحده هو الذي صنع القرار، بل الخوف من الفقر.
وهكذا قد يصبح المستقبل الذي لم يقع حاكمًا على الحاضر الذي نعيشه.
وقد يدخل الشيطان من باب آخر:﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: 10].
فقد لا يريد منك معصية مباشرة؛ قد يكفيه أن يملأ قلبك بالحزن والقلق والتوجس حتى تضعف.
لكن القرآن لا يترك المؤمن عند التشخيص، بل يأتي العلاج في الآية نفسها:﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].
ليس معنى ذلك إهمال الخطر أو ترك الأسباب، وإنما أن نأخذ بها ونحن نعلم أن الضر والنفع ليسا مستقلين عن الله.
والشيطان لا يستعمل الخوف وحده؛ فإذا لم ينفع التخويف جاء من باب الأماني:
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120].
مرة يرسم لك المستقبل أسود حتى تتراجع، ومرة يرسمه ورديًا حتى تسوّف.
مرة يقول: ستفتقر.
ومرة يقول: ما زال أمامك وقت.
وفي الحالين يريد أن يصنع لك صورة عن الغد، ثم يجعلك تتخذ على أساسها قرارك اليوم.
ولهذا فالمعركة أعمق من مجرد التخلص من شعور الخوف؛ إنها معركة على من يملك القرار في القلب.
قال تعالى:﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: 44].
وقال:﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].
فالقرآن لا يترك القلب فارغًا بعد تحريره من خوف الخلق، بل يعيد الخوف إلى موضعه الصحيح.
حين يعظم الله في القلب، يعود كل شيء سواه إلى حجمه.
وهنا يصبح العلاج عمليًا.إذا خوّفك الشيطان بالفقر، فلا تقل: لن أفتقر؛ فأنت لا تعلم الغيب. ولكن قل لقلبك: رزقي بيد الله، وسآخذ بأسبابه دون أن أعصي رازقي خوفًا عليه.
وإذا خوّفك بالناس، فلا تقل: لن يستطيعوا إيذائي؛ فقد يستطيعون، ولكن تذكر:
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36].
وإذا جاءك الحزن والتوجس:﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: 10].
وإذا تكاثرت الأخبار والتهديدات والمخاوف:
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].
فالتوكل ليس إنكارًا للخطر ولا تركًا للأسباب، وإنما أن تأخذ بالأسباب دون أن تسلّم لها قلبك.
لا تخف الناس على حساب أمر الله، ولا تخف الفقر حتى تعصي الرازق، ولا تخف الخسارة حتى تبيع الحق، ولا تجعل مستقبلًا لم يأتِ يدفعك إلى قرار يغضب الله اليوم.
خذ بالأسباب، واحذر، وخطط، وادفع الضرر ما استطعت؛ ولكن أبقِ قلبك حرًا.
فليس الأمان أن تختفي الأشياء المخيفة من حياتنا، وليس الإيمان أن نعيش في عالم بلا مرض ولا فقر ولا أعداء ولا خسارة ولا مستقبل مجهول.
إنما الأمان الحقيقي أن تعرف، وسط كل ذلك، مَن بيده الأمر كله.
ولذلك فالسؤال ليس:
هل ستخاف؟
فالإنسان يخاف.
ولكن السؤال:
ماذا سيفعل بك خوفك؟
هل يقودك إلى الله أم يبعدك عنه؟
هل يدفعك إلى الأخذ بالأسباب أم إلى التنازل عن الحق؟
هل يبقى شعورًا بشريًا، أم يصبح سيدًا يأمر فتطيع؟
الشيطان يريد من خوفك قرارًا، والقرآن يريد أن يحرر قرارك من سلطان الخوف.
فإذا عظُم الله في قلبك، لم تختفِ المخاوف كلها، لكنها عادت إلى أحجامها.
ختاماً:
لا تطلب حياةً لا شيء فيها يخيفك؛ فلن تجدها.
ولكن اطلب قلبًا يعرف الله، فلا يستطيع شيء من دون الله أن يستعبده بالخوف.