الانشغال بالمفقود مدخلٌ شيطانيّ يطمس شكر النعم الحاضرة ويزيّن المحرّمات، كما حجبت الشجرة المنهي عنها سعة الجنة عن آدم عليه السلام.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
قال الله تعالى:
كان يمكن أن يقال لآدم عليه السلام: إن لك في الجنة ما تحتاج إليه. لكن القرآن ذكر أربعة أشياء بعينها: الجوع، والعري، والظمأ، والتعرض لحر الشمس.
طعام يدفع الجوع، ولباس يستر الجسد، وشراب يروي الظمأ، ومأوى يقي من الحر؛ أصول كفاية الإنسان حاضرة في هذا الوعد.
وتأمل نظم الآيات: ﴿أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ﴾ [طه: 118]؛ فالجوع حاجة في الباطن، والعري انكشاف في الظاهر. ثم ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ﴾ [طه: 119]؛ فالظمأ ألم في الجوف، والضحى تعرض لحر الشمس. كفاية تحيط بآدم في باطنه وظاهره.
وهكذا نفهم التحذير السابق: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾ [طه: 117]. ففي الجنة نال آدم هذه الكفاية بلا عناء، أما في الأرض فسيحتاج إلى السعي في تحصيلها، بما يحمله السعي من تعب ومشقة.
لقد أباح الله لآدم وزوجه الجنة، وكفاهما ما يحتاجان إليه، وحذرهما من عدوهما، ونهاهما عن شجرة واحدة. فكيف صارت تلك الشجرة موضع نظر آدم؟
لم يأت الشيطان إلى آدم من باب الجوع؛ فلم يكن جائعًا. ولا من باب العري أو الظمأ أو فقد المأوى؛ فقد كُفي ذلك كله. لكنه دخل من باب آخر:
صرف الشيطان نظره عما أُعطي إلى ما نُهي عنه، وسمّى الشجرة في وسوسته «شجرة الخلد»، ووعده بملك لا يبلى. جعل الممنوع الواحد يبدو كأنه مفتاح ما ينقص نعيمه، حتى حجبت الشجرة في عينه سعة الجنة.
وهذه صورة تتكرر في حياتنا: قد يحيط بالإنسان كثير من نعم الله، ثم يستغرق في شيء لم ينله، حتى لا يكاد يرى ما بين يديه. قد يؤلمه مال فاته، أو زواج تأخر، أو ولد لم يُرزق به، أو منزلة نالها غيره. يظل الشيء الغائب حاضرًا في قلبه، وتغيب عنه أشياء حاضرة تستحق الشكر.
وليس معنى ذلك أن كل فقد يسير، أو أن وجع المحروم وهم. فبعض ما نفتقده حاجة تؤلم حقًّا، ومن حق الإنسان أن يسأل ربه وأن يسعى في الأسباب المشروعة. لكن الألم بالمفقود شيء، وأن يمحو المفقود شكر الموجود شيء آخر.
هنا يحتاج المرء إلى أن يسأل نفسه: هل أنظر إلى حياتي كلها من نافذة ما فاتني؟ وهل جعلت ما أرغب فيه شرطًا لا أرى الخير إلا إذا تحقق؟
وفي قصة آدم درس آخر: ليس كل ما يصوّره الشيطان ضرورةً يكون كذلك، ولا كل طريق يعدنا بالاكتمال يجوز أن نسلكه. لقد عرض الشجرة مقرونةً بالخلد والملك، وأخفى عن آدم عاقبة مخالفة أمر ربه.
وفي واقعنا قد يُسمّى الحرام فرصة لا تتكرر، ويُصوَّر الحد الذي وضعه الله حرمانًا، وتُعرض المعصية طريقًا إلى راحة أو مكسب. فإذا صدّق الإنسان هذا الوعد، رأى الطاعة سبب نقصه، وتوهّم أن سعادته وراء ما نهاه الله عنه.
ثم جاء ما أخفاه الشيطان:
وعد بالزيادة، فوقع فقدٌ لم يكن حاضرًا في وعده. وكان الله قد ذكّر آدم بأنه لا يعرى في الجنة، فإذا انكشاف السوأة من أوائل ما ظهر لهما بعد الأكل. هكذا يعرض الشيطان ما تشتهيه النفس، ويصرف نظرها عما قد تخسره.
لكن القصة لم تنته عند المعصية.
قال الله: ﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾ [طه: 121]. سمّى القرآن المعصية باسمها، ولم يهوّن من أثرها. ثم قال بعدها: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ [طه: 122].
اعترف آدم بخطئه ورجع إلى ربه؛ أما إبليس فأبى واستكبر. وهنا يفترق الطريقان: طريق يبرر فيه الإنسان ذنبه ويصر عليه، وطريق يقر فيه بخطئه ويتوب ويصلح ما أفسد.
ختامًا، حين يضيق صدرك بما فاتك، فلا تُنكر ألمك، ولكن لا تدع هذا الألم يحجب عنك ما أعطاك الله. اشكر النعمة الحاضرة، واسأل ربك ما تحتاج إليه، واسعَ له من طريق يرضيه. وإن عُرض عليك مكسب وراء حدٍّ نهاك الله عن تجاوزه، فتذكّر شجرة آدم: ما عند الله لا يُنال بمعصيته.
وتذكّر أن الله أحاط آدم برعايته قبل الزلّة، وفتح له باب التوبة بعدها؛ فلا تجعل ما مُنعت منه يحجب عنك ما أُنعِم عليك به. وإن أخطأت، فلا تجعل السقوط نهاية القصة، بل ارجع إلى ربك كما رجع آدم:
﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ [طه: 122].
اللهم ألهمنا شكر ما أعطيت، والصبر على ما ابتليتنا به، والبصيرة بما أحللت وحرّمت، وحسن الرجوع إليك إذا أخطأنا.