امتحان القدرة والقرب يختبر صدق العبودية، إذ يشتد الابتلاء حين تتهيأ أسباب المعصية وتصبح في متناول اليد، فيحجز العبدَ خوفُ الله عن تجاوز حدوده.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
يكشف القرآن عن سنة دقيقة من سنن الابتلاء:
فليس الابتلاء دائمًا أن يُحرم الإنسان مما يريد، أو أن يكون الحرام بعيدًا عنه لا يستطيع الوصول إليه؛ بل قد يكون الامتحان أشد حين يُقرَّب الشيء، وتتهيأ أسبابه، ويصبح في متناول اليد… ثم يأتي أمر الله ليضع الحد.
وهنا يظهر معنى العبودية:
أن تستطيع تجاوز الحد… فتقف عند حد الله.
تأمل جيش طالوت.
جيش في سفر ومشقة وعطش، ثم يأتي النهر أمامهم:
الماء مباح في أصله، والعطش حاضر، والنهر قريب، والقدرة على الشرب كاملة.
لكن الامتحان كان في الوقوف عند الحد.
ثم تأمل أصحاب السبت:
في اليوم الذي نُهوا فيه عن الصيد اقتربت الحيتان وظهرت، وفي غيره لم تكن تأتيهم كذلك.
ولذلك جاء التعقيب كاشفًا:
﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم﴾ [الأعراف: 163].
فالابتلاء لم يكن في غياب الصيد، وإنما في حضوره مع النهي عنه.
ثم يأتي المشهد الذي يكاد يصرح بهذه السنة:
والكلمة اللافتة هنا:
﴿تَنَالُهُ﴾.
أي إن موطن الاختبار ليس العجز عن الوصول، بل إمكان الوصول.
الصيد قريب، واليد تستطيع، والرمح يستطيع، لكن الإحرام وضع حدًا.
فالسؤال لم يعد:
هل تستطيع أن تنال؟
بل:
ماذا تفعل حين تستطيع أن تنال؟
وعلم الله سبحانه أزلي محيط بما كان وما يكون، لا تخفى عليه خافية؛ وإنما يقع الابتلاء في عالم الواقع، فيظهر ما سبق به علم الله، وتقوم الحجة على العبد بعمله.
ثم يبلغ المشهد ذروة أخرى مع يوسف عليه السلام.
ففي المشاهد السابقة كان الماء والصيد مباحين في الأصل، ثم جاء المنع لظرف التكليف؛ أما هنا فنحن أمام معصية محرمة في أصلها.
ومع ذلك اجتمعت أسباب القدرة والقرب:
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: 23].
المكان مهيأ.
والأبواب مغلقة.
ورقابة البشر غائبة.
والدعوة إلى المعصية صريحة.
وهنا خرج الحارس من داخله:
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: 23، 79].
وهذه هي التقوى في أصفى صورها:
أن تستطيع… ثم يمنعك الله الذي في قلبك من تجاوز حد الله.
ومن هنا نفهم معنى:
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187].
وفي موضع آخر:
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229].
فمرة ينهانا عن الاقتراب، ومرة ينهانا عن التجاوز؛ لأن بعض الحدود تبدأ حمايتها قبل الوصول إليها.
وهذه السنة لا تزال تتكرر في حياتنا.
فقد يقع بين أيدينا مال ليس لنا، ونستطيع أخذه دون أن يرانا أحد.
وقد نعلم سرًا عن إنسان ستره الله، ثم يظل يحوك في صدورنا حتى نجد مجلسًا نخرجه فيه؛ فيصبح امتحاننا:
أنستره كما ستره الله، أم نجعله حديث الناس؟
وقد نسمع كلمة خاصة، ونستطيع نقلها فتفسد علاقة.
وقد نقف على عيب مستور، ونستطيع فضح صاحبه.
وقد نؤتمن على معلومة، ونملك نشرها.
وقد يصبح من أساء إلينا تحت قدرتنا، فنستطيع الانتقام، ويكون امتحاننا في العفو.
وقد تكون المعصية خلف شاشة، لا يفصلنا عنها إلا حركة إصبع.
وتختلف الصور، لكن السؤال واحد:
ماذا نفعل حين نستطيع؟
وهنا تظهر حقيقة الخوف بالغيب.
فالإنسان أمام الناس قد يمنعه الحياء، أو القانون، أو الخوف على سمعته.
لكن الامتحان الأعمق يأتي حين تغيب هذه الحواجز كلها، ولا يبقى إلا حاجز واحد:
أن الله لا تخفى عليه خافية.
وهنا ندرك أن بعض ما نظنه «فرصة» قد يكون في الحقيقة ابتلاءً.
فليس كل تيسير إذنًا.
وليس كل قرب إباحة.
وليس كل ما نستطيع الوصول إليه مأذونًا لنا أن نصل إليه.
بل قد يُقرَّب الشيء منا ليظهر ماذا نفعل حين يصبح في متناولنا.
فإذا وقع سر بين أيدينا، فليس السؤال فقط: ماذا عرفنا؟
بل: ماذا سنفعل بما عرفنا؟
وإذا أصبح مال غيرنا في قدرتنا، فليس السؤال: هل نستطيع أخذه؟
بل: هل يحل لنا؟
وإذا استطعنا الفضح أو الانتقام أو التشهير، فليس السؤال:
هل نقدر؟
وإنما:
أين حد الله؟
لقد وقف جنود طالوت أمام النهر.
ووقف أصحاب السبت أمام الحيتان.
ووقف المحرمون أمام صيدٍ ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: 94].
ووقف يوسف عليه السلام أمام أبواب مغلقة وفتنة مهيأة.
وتغيرت الصور، وبقيت السنة:
أن يقترب منك الشيء، وتملك القدرة عليه، ثم يظهر مقامك من حدود الله.
فليست العبرة دائمًا بما نستطيع أن نناله، وإنما بما نصنع حين يصبح في متناولنا.
وهناك يظهر معدن التقوى:
حين تستطيع اليد… فتمتنع.
ويستطيع اللسان… فيصمت.
وتستطيع العين… فتغض.
وتستطيع النفس أن تنتقم… فتعفو.
وتتهيأ المعصية، وتغيب عيون الناس، ثم يقوم في القلب حارس الخوف من الله، فيقول: