سنن التنزيل
مقال

حين عصى آدم… وأصر إبليس

  • 4 دقائق للقراءة
  • 9 آيات

الاعتراف بالخطأ يصنع الفارق بين عثرة آدم وكبر إبليس؛ فالنجاة لا تكون بادعاء العصمة، وإنما بالانكسار والتوبة التي تقطع سلطان الماضي وتفتح باب الاجتباء والهداية.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

ليس الناس فريقين: فريقًا لا يخطئ، وفريقًا يخطئ؛ فالبشر جميعًا يحملون ضعفهم معهم، وقد قال الله تعالى:

﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28].

ولكن الناس يفترقون افتراقًا عظيمًا بعد الخطأ.

وهذه واحدة من أعمق الرسائل التي تكشفها لنا قصة أبينا آدم عليه السلام مع إبليس؛ فكلاهما وقعت منه مخالفة، لكن أحدهما انتهى به الطريق إلى الاجتباء والهداية، والآخر انتهى به إلى الطرد واللعنة.

فما الذي صنع هذا الفارق الهائل؟

حين دخل الشيطان من باب الخلد والملك

حذّر الله آدم من عدوه تحذيرًا واضحًا:

﴿إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه: 117].

وفتح أمامه أبواب النعيم:

﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: 35].

المباح واسع، والمحظور محدود.

ومع ذلك لم يأتِ إبليس إلى آدم قائلًا: اعصِ ربك.

إنما أعاد تسمية المعصية، وزيّنها، ودخل إلى النفس من أعمق أبوابها:

﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾ [طه: 120].

الخلد والملك.

إنها الرغبة القديمة التي ما زال الشيطان يدخل منها إلى الإنسان حتى اليوم: البقاء، والقوة، والمال، والسلطة، والجاه.

فالشيطان قلّما يقدم المعصية للإنسان في صورتها القبيحة، وإنما يكسوها ثوب المصلحة، ويضع لها اسمًا جميلًا، ويزين عاقبتها حتى يرى الإنسان الشجرة وينسى أمر الله.

فوقعت الزلة:

﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾ [طه: 121].

والقرآن لا يجامل في وصف الخطأ.

لكن العجيب ليس أن آدم أخطأ؛ وإنما ما حدث بعد أن أخطأ.

أول طريق العودة: لا تدافع عن خطئك

ما إن انكشفت الخطيئة حتى ظهر معدن القلب.

لم يبحث آدم عن مبررات.

لم يقل: الشيطان أغواني.

ولم يقل: لقد أكلت من شجرة واحدة والجنة مليئة بالأشجار.

ولم يحاول تحويل المعصية إلى اجتهاد صحيح.

بل قال هو وزوجه:

﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23].

﴿ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23].

وهنا يبدأ طريق التوبة الحقيقي.

أن تتوقف عن الدفاع عن خطئك.

أن تملك الشجاعة لتقول:

أنا أخطأت.

فالاعتراف لا يصغر الإنسان؛ وإنما الذي يصغره أن يعرف خطأه ثم يستكبر عن الاعتراف به.

والأجمل من ذلك أن الله لم يترك آدم يبحث وحده عن طريق العودة:

﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37].

أخطأ العبد، ثم دلّه ربه على الكلمات التي يعود بها إليه!

أي رحمة هذه؟

الله الذي عصاه آدم هو الذي فتح له باب الرجوع، وعلمه كيف يطرق الباب.

لم يغفر له فقط… بل اجتباه

ثم تأتي واحدة من أرجى آيات القصة:

﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ۝ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ [طه: 121–122].

تأمل هذا الانتقال:

عصى… ثم اجتباه.

لم تنته القصة عند المغفرة.

بل جاء الاجتباء والهداية.

وليس معنى ذلك أن المعصية طريق إلى الاجتباء، حاشا لله؛ وإنما معناه أن التوبة الصادقة تستطيع أن تقطع سلطان الماضي على المستقبل.

فلا تجعل ذنب الأمس يقنعك أن أبواب الغد قد أغلقت.

قد تكون لك عثرة في الماضي، ثم يفتح الله لك بعدها أبوابًا من الهداية والقرب لم تكن تتصورها.

فالقرآن لا يهوّن الذنب:

﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾ [طه: 121].

لكنه لا يسمح للذنب أن يتحول إلى يأس:

﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه: 122].

فلا أمن من المعصية، ولا يأس بعد المعصية.

وهنا افترق آدم وإبليس

إبليس أيضًا عصى أمرًا صريحًا:

﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12].

وتكمن قوة الآية في:

﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12].

فالقضية لم تكن هل اقتنع إبليس بالسجود، ولا هل وافق هواه، وإنما أن الله أمر.

لكن إبليس وضع منطقه فوق الأمر:

﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12].

وهنا يظهر الفرق بين الطريقين.

آدم قال:

﴿ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23].

وإبليس قال:

﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: 12].

آدم اعترف.

وإبليس برر.

آدم انكسر.

وإبليس استكبر.

آدم عاد.

وإبليس أصر.

فلم يكن الفرق بينهما أن آدم لم يعصِ وإبليس عصى، وإنما أن آدم حين عصى انكسر، وإبليس حين عصى استكبر.

فانتهت عثرة آدم بالاجتباء، وانتهى كبر إبليس بالطرد.

أخطر من الخطأ… تبرير الخطأ

ومن هنا ينبغي أن نخاف على أنفسنا، لا من الخطأ وحده، بل من اللحظة التي نبدأ فيها الدفاع عنه.

فالإنسان ما دام يقول: أخطأت، ظلمت نفسي، غلبني ضعفي، يا رب اغفر لي؛ فما زال على طريق آدم.

لكن الخطر حين تبدأ الكلمات:

أخطأت ولكن الظروف…

أخطأت ولكنهم دفعوني…

أخطأت ولكن غيري يفعل أسوأ…

أخطأت ولكن نيتي كانت حسنة…

حتى تتحول التوبة إلى مرافعة، والاعتراف إلى تبرير.

وقد يفعل ذلك الفرد، وتفعله الجماعة، وتفعله القيادة، وتفعله الدولة والأمة.

فالعمل البشري لا يخلو من الخطأ، لكن الكارثة تبدأ عندما يصبح الحفاظ على صورة الأشخاص أهم من الوصول إلى الحق، ويصبح الاعتراف بالتقصير هزيمة، ويعاد تفسير كل فشل ليصبح نجاحًا.

إن الأمم أيضًا تحتاج أن تتعلم كلمة آدم:

﴿ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23].

فالاعتراف بالخطأ ليس سقوطًا للهيبة؛ بل قد يكون بداية استعادتها.

لا تحبسوا الناس في ماضيهم

وفي القصة درس لنا في التعامل مع المخطئين أيضًا.

فإذا كان الله قد قال عن آدم:

﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾ [طه: 121]،

ثم قال:

﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه: 122]،

فلا تجعلوا خطأ الإنسان حكمًا مؤبدًا عليه.

نحن أحيانًا نغفر لأنفسنا عشرات الزلات، ثم نحاكم غيرنا بزلة واحدة!

قد يتوب الإنسان، ويتغير، ويصلح ما أفسد، بينما يصر الناس على إبقائه أسير صفحة قديمة من حياته.

والمنهج القرآني متوازن:

لا يقل للمخطئ: لا بأس بما صنعت.

ولا يقول له: انتهيت ولا أمل فيك.

بل يقول:

أخطأت؟ اعترف.

ندمت؟ ارجع.

تبت؟ فابدأ من جديد.

الشيطان يريد أن يهزمك مرتين

يريد منك أولًا أن تقع في المعصية.

فإن وقعت، جاءك من الباب الآخر ليقول:

كيف تعود إلى الله بعد الذي فعلت؟

قبل الذنب يهوّنه حتى تقع فيه، وبعد الذنب يعظمه حتى تيأس من المغفرة.

فلا تمنحه النصر مرتين.

إذا غلبك مرة بالضعف، فلا تدعه يغلبك ثانية باليأس.

وتذكر دائمًا:

﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ [طه: 122].

ختامًا

منذ بداية قصة الإنسان وُضع أمامنا طريقان بعد الخطأ:

طريق آدم وطريق إبليس.

طريق يبدأ بالضعف، ثم الزلة، ثم الندم، فالاعتراف، فالتوبة، وينتهي بالاجتباء والهداية.

وطريق يبدأ بالمعصية، ثم الكبر، فالتبرير، فالإصرار، وينتهي بالطرد والبعد.

لذلك ليس السؤال الحقيقي:

هل أخطأت؟

فنحن بشر، وقد خلق الإنسان ضعيفًا.

وإنما السؤال:

ماذا فعلت بعدما أخطأت؟

هل قلت كما قال آدم:

﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23]؟

أم وقفت تدافع عن نفسك كما فعل إبليس:

﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: 12]؟

إن الله لا يريد منا أن نأتيه بادعاء العصمة، وإنما أن نأتيه بقلوب إذا زلّت ندمت، وإذا أخطأت اعترفت، وإذا ابتعدت عادت.

فليست المأساة أن تكون لك لحظة ضعف تشبه عثرة آدم؛ وإنما المأساة أن تواجه عثرتك بمنطق إبليس: تكابر، وتبرر، ثم تصر.

فقد تكون العثرة بالأمس…

ويكون الاجتباء غدًا.

﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ [طه: 122].

شارك المقال