سنن التنزيل
مقال

حين يكون الغم رحمة

  • دقيقتان للقراءة
  • آيتان

ألم الابتلاء يحمل في باطنه لطفاً إلهياً خفياً يربي النفوس على الثبات، ويحررها من أسر الفواجع ليصنع منها وعياً ويقيناً يرتقي بها.

بسم الله الرحمن الرحيم

سنة الله في تحويل المحن إلى بناء

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

ليس كل ما يؤلم الإنسان شرًا، وليس كل ما يفرح به خيرًا؛ فالله سبحانه يرى ما لا نرى، ويعلم من عواقب الأمور ما يغيب عن إدراكنا.

ولهذا يربينا القرآن على أن ننظر إلى الأقدار بعين الحكمة، لا بعين اللحظة وحدها.

ومن أعظم المواضع التي تكشف هذه السنة قول الله تعالى بعد غزوة أُحد:

﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 153].

آية نزلت بعد لحظة من أشد لحظات الألم؛ فقد المسلمون فيها خيرة الصحابة، وأصابتهم الجراح، واضطربت القلوب حين شاع خبر مقتل النبي ﷺ.

لكن التعبير القرآني يلفت النظر:

﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: 153].

فالثواب عادة يكون على صورة نعمة، لكن القرآن يبين أن هناك منحة قد تأتي في صورة محنة.

فذلك الغم لم يكن عقوبة مجردة، بل كان تربية للنفوس، وتخفيفًا لتعلقها بالدنيا، وتعليمًا لها أن أعظم الخسائر ليست فقد شيء من متاع الحياة، وإنما فقد الثبات واليقين.

ولهذا قال سبحانه:

﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران: 153].

أي حتى ترتقي النفوس إلى مقام لا تجعلها المصائب أسيرة لها، فتتألم لكنها لا تنهار، وتحزن لكنها لا تفقد ثقتها بالله.

سنة اللطف خلف الابتلاء

وهذه السنة تتكرر في قصص القرآن.

فيوسف عليه السلام لم يكن يعلم أن الجب سيكون طريقًا إلى التمكين، وأن السجن سيكون بابًا إلى المكانة.

وأم موسى لم تكن ترى في إلقاء ولدها في اليم إلا ألم الفراق، فجعل الله ذلك سبب نجاته.

ويعقوب عليه السلام طال حزنه، لكنه لم يفقد رجاءه، حتى جاء الفرج بعد طول انتظار.

وهكذا يعلمنا القرآن:

أن الإنسان يرى لحظة القدر، أما الله فيرى تمام القصة.

قال تعالى:

﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216].

الغم لا يعني غياب الرحمة

قد يمر الإنسان بمحنة عظيمة، فيظن أن الله تركه، بينما يكون الله في تلك اللحظة أقرب إليه بلطفه وتربيته.

فالابتلاء لا يكون دائمًا علامة غضب، كما أن النعمة لا تكون دائمًا علامة رضا؛ وإنما الميزان هو ما يصنعه ذلك في قلب الإنسان من قرب أو بعد.

ولهذا قال النبي ﷺ:

«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير».

فإن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، وفي الحالين هو في طريق الخير ما دام متعلقًا بالله.

من أُحد إلى واقع الأمة

وفي واقعنا اليوم، حيث تتوالى على الناس صور الفقد والألم، نحتاج إلى هذا الفهم القرآني.

فالمؤمن لا ينكر وجعه، ولا يتجاهل دموعه، لكنه لا يسمح للمحنة أن تقطع صلته بالله.

وقد رأينا في تاريخ الأمم أن الشدائد قد تكون مراحل إعداد، وأن الجراح قد تصنع وعيًا وصبرًا وثباتًا لا تصنعه أيام الراحة.

فغزوة أُحد لم تكن نهاية الطريق، بل كانت مرحلة من مراحل بناء الأمة.

السنة المركزية

يكشف القرآن سنة عظيمة:

أن الله قد يجعل في قلب المحنة رحمة خفية، وفي تأخر الفرج إعدادًا، وفي الألم تربيةً لا يدركها الإنسان إلا بعد انكشاف الحكمة.

فلا تجعل ما فاتك يحطمك، ولا ما أصابك يقطع رجاءك.

فرب غمٍّ كان باب نجاة، ورب ألمٍ كان طريق رفعة، ورب تأخيرٍ كان عين الرحمة.

وما دام الأمر بيد الله، فثق أن وراء كل قدر حكمة، ووراء كل عسر يسرًا، ووراء كل غم رحمة لا تضيع عند أرحم الراحمين.

﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 153].

شارك المقال