سنن التنزيل
دراسةُ سورة الكهف · الجزء 5 من 5

حين يصبح العمل بحاجة إلى ميزان

  • 12 دقيقةً للقراءة
  • 18 آيةً

ميزان العمل لا يتأسس على رضا الإنسان عن سعيه ولا بريق نجاحه، بل يستوجب الاحتكام الدائم إلى هدي الوحي حمايةً للجهد من وهم الإحسان.

قال الله تعالى في أول السورة:

﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: 7].

وقال قرب ختامها:

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103–104].

ثم ختمت السورة:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: 110].

ثلاث محطات.

﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: 7، 30].

﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104].

﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: 110].

وبين هذه العبارات الثلاث تنكشف قضية شديدة الخطورة:

ليس كل من ظن أنه يحسن العمل محسنًا.

فقد يعمل الإنسان.

ويتعب.

ويسعى.

ويتحرك.

ويكون مقتنعًا تمامًا بصواب ما يفعل.

ومع ذلك يكون الميزان عند الله مختلفًا.

المشكلة ليست دائمًا في الكسل

حين نسمع الحديث عن الخسارة، قد يتبادر إلى أذهاننا إنسان لم يعمل.

كسول.

مفرط.

ضيع عمره بلا سعي.

لكن الآية تفاجئنا:

﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ [الكهف: 104].

إذن هناك سعي.

هناك حركة.

هناك عمل.

ثم:

﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ﴾ [الكهف: 104].

هناك قناعة أيضًا.

وليسوا فقط يعملون؛ بل يظنون أنهم:

﴿يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104].

وهنا موضع الخوف.

فالإنسان الذي يعرف أنه مخطئ أقرب إلى المراجعة ممن جعل ثقته بنفسه دليلًا على صحة طريقه.

وأشد الحجب قد يكون أن يرضى الإنسان عن عمله إلى درجة لا يعود معها قادرًا على عرضه على ميزان أعلى منه.

بين «أحسن» و«يحسبون أنهم يحسنون»

في أول السورة:

﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: 7].

وقرب نهايتها:

﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104].

والفرق عظيم.

الأولى تتحدث عن حسن معتبر عند الله.

والثانية عن حسن في حساب صاحبه.

وهنا نعود إلى أول كلمة كبرى في السورة:

﴿الْكِتَابَ… قَيِّمًا﴾.

لماذا يحتاج الإنسان إلى كتاب قيّم؟

لأنه لا يستطيع أن يجعل نفسه المرجع النهائي للحكم على نفسه.

فالإنسان يتأثر بهواه.

ومصلحته.

وبيئته.

وعاداته.

وبريق النجاح.

وضغط الناس.

وقد يعيد تعريف الخير بطريقة تجعله دائمًا في الجانب الصحيح.

فيحتاج إلى مرجع يأتيه من خارج أهوائه ليقول له:

هذا حق.

وهذا باطل.

هذا صالح.

وهذا فاسد.

هذا هدى.

وهذا ضلال.

العين قد تخطئ… والعقل لا يحيط… والنفس قد تُحسن الظن بنفسها

وقد مرت بنا في السورة ثلاث إشارات بديعة.

قال تعالى:

﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: 28].

فالعين قد تنجذب إلى الزينة، فتختل بها نظرة الإنسان إلى الناس.

وقال:

﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 68].

فعقل الإنسان لا يحيط بكل الواقع.

ثم يقول:

﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104].

فحتى تقييم الإنسان لعمله قد يخطئ.

إذن:

العين ليست ميزانًا كافيًا.

والإحاطة البشرية محدودة.

والثقة بالنفس ليست دليلًا نهائيًا.

فماذا يبقى؟

﴿الْكِتَابَ… قَيِّمًا﴾.

الوحي لا يلغي العين ولا العقل ولا الاجتهاد.

بل يقيمها في موضعها الصحيح.

ترى بعينك، لكن لا تجعل ما يلمع هو الحق.

وتفكر بعقلك، لكن لا تدعِ الإحاطة.

وتعمل وتجتهد، لكن لا تجعل رضاك عن نفسك شهادة بأن عملك صالح عند الله.

صاحب الجنتين كان يحسب أيضًا

وهنا نفهم قصة صاحب الجنتين بصورة أعمق.

قال:

﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 35].

ثم:

﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: 36].

ثم:

﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: 36].

كان عنده حساب داخلي متكامل.

أنا ناجح الآن.

إذن أنا على خير.

وإذا كان الله أعطاني هنا، فلا بد أن يعطيني هناك.

لم ير نفسه ظالمًا لنفسه.

لكن القرآن قال عنه وهو داخل جنته:

﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الكهف: 35].

وهنا الفرق بين كيف ترى نفسك وكيف يصفك الوحي.

قد يقول الإنسان عن نفسه: ناجح.

ويقول القرآن عن حاله: مفتون.

وقد يقول: قوي.

ويكون في الحقيقة متعلقًا بما سيزول.

وقد يقول: أحسن صنعًا.

ويكون سعيه قد ضل.

ولهذا لا غنى عن الكتاب القيّم.

أصحاب الكهف لم يجعلوا الأكثرية ميزانًا

وعلى الجانب الآخر، كان أصحاب الكهف أقلية أمام قومهم.

لو كان الحق يقاس بعدد الناس لكانوا مخطئين.

ولو كان يقاس بالقوة لكان قومهم أولى.

ولو كان يقاس بالأمان الدنيوي لكان البقاء مع المجتمع أفضل من دخول كهف.

لكنهم قالوا:

﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف: 14].

ثم:

﴿هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف: 15].

لم يقولوا:

نحن أقل، فلا بد أننا مخطئون.

ولم يقولوا:

هم أكثر، فلا بد أنهم على الحق.

كان المرجع فوق الفريقين.

وهذه إحدى وظائف الكتاب القيّم:

أن يحرر الإنسان من جعل الكثرة معيارًا للحقيقة.

وموسى لم يجعل منزلته مانعًا من المراجعة

ثم رأينا موسى عليه السلام.

نبي كريم.

ومع ذلك قال:

﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66].

هذه صورة أخرى من صور النجاة من وهم «أنا أحسن».

فكلما عظم الإنسان في نفسه صعب عليه أن يكون تلميذًا.

وكلما ارتفع مقامه بين الناس قد يصعب عليه أن يقول:

لا أعلم.

أو:

علمني.

لكن موسى سار.

وتعب.

وطلب.

وتعلم.

فمن علامات سلامة الإنسان أنه لا يجعل مكانته حاجزًا بينه وبين التصحيح.

وذو القرنين لم يجعل الإنجاز شهادة لنفسه

ثم جاء ذو القرنين.

وهنا الخطر أكبر.

فهو لم يكن يتخيل نجاحًا.

بل نجح فعلًا.

بنى الردم.

ودفع الفساد.

وأخذ بالأسباب.

واستعان بالقوم.

وأنجز.

ومع ذلك لم يقل:

هذا دليل عظمتي.

قال:

﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98].

وهذا من أعظم الفروق بين من يعمل لله ومن تتحول أعماله إلى مرآة يعجب فيها بنفسه.

فحتى العمل النافع قد يصبح بابًا للغرور.

وقد ينجح الإنسان في مشروع صحيح، ثم يفسد قلبه بنجاحه.

ولهذا لا يكفي أن يكون العمل حسنًا في ظاهره.

بل يحتاج صاحبه إلى أن يبقى عبدًا بعد الإنجاز كما كان عبدًا قبله.

النجاح ليس دليلًا كافيًا على صحة الطريق

وهذه من القضايا المهمة جدًا.

صاحب الجنتين كان ناجحًا بمعايير الدنيا.

الجنتان أثمرتا.

والنهر يجري.

والمال كثير.

والنفر موجود.

لكن هذا النجاح لم يكن شهادة بصحة اعتقاده.

وذو القرنين نجح في بناء الردم، لكنه لم يتخذ النجاح شهادة على استقلاله وقوته الذاتية، بل قال:

﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98].

فالنتائج الدنيوية وحدها لا تكفي للحكم على صحة الطريق.

قد يربح صاحب الباطل مالًا.

وقد يخسر صاحب الحق جولة.

وقد يملك إنسان جمهورًا واسعًا وهو مخطئ.

وقد يبقى آخر وحده وهو على الحق.

لذلك كان المرجع:

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: 29].

لا:

الحق مع من نجح أكثر.

«الأخسرين أعمالًا»… خسارة مركبة

قال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: 103].

لم يقل فقط: بالخاسرين.

بل:

﴿بِالْأَخْسَرِينَ﴾.

ثم يبين:

﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104].

وخسارتهم شديدة لأنهم جمعوا بين أمرين:

ضاع السعي.

وغابت المراجعة.

فالذي يعلم أن طريقه قد يكون خطأ يبحث ويسأل.

أما الذي جعل ظنه بصواب نفسه يقينًا مغلقًا، فكيف يعود؟

ولهذا كانت المراجعة نعمة.

وأن يريك الله عيبك قبل أن تلقاه رحمة.

وأن تكتشف اليوم أنك أخطأت خير من أن تكتشف ذلك يوم:

﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الكهف: 49].

لماذا ضل سعيهم؟

ثم تشرح السورة:

﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 105].

إذن الآية ليست حديثًا عامًا عن كل إنسان أخطأ في تقدير عمله بدرجة واحدة.

السياق يحدد هؤلاء:

﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: 105].

وهذا مهم في الإنصاف مع النص.

لكن المعنى الذي يوقظ كل مؤمن باقٍ:

إحساس الإنسان بأنه محسن ليس هو المعيار.

فإذا كان من الممكن أن يبلغ الوهم بالإنسان أن يضيع سعيه وهو يحسب أنه يحسن، فكم نحتاج إلى عرض أعمالنا باستمرار على هدي الله، لا على إعجابنا بها.

«فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا»

ثم تأتي كلمة لافتة:

﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 105].

وقد تحدثنا في السورة عن اختلال موازين الإنسان أمام الزينة والمال والقوة.

ومن اللطيف أن نجد هنا لفظ:

﴿وَزْنًا﴾.

لكن لا نحتاج أن نجعل هذه اللفظة وحدها أصل المحور كله.

يكفينا أن نرى التناسب:

من جعل للدنيا وزنًا أكبر من حقيقتها، وأعرض عن آيات ربه ولقائه، قد يصل إلى يوم لا يكون لما عظمه في نفسه الوزن الذي تخيله.

فالوزن الحقيقي ليس ما أعطيته أنت لنفسك.

بل ما يكون لك عند الله.

الجنة الحقيقية

ثم بعد ذكر هؤلاء تقول السورة:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ۝ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: 107–108].

وهنا تعود كلمة:

الجنة.

لكن أي فرق بين الجنتين.

صاحب الجنتين في الدنيا قال:

﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 35].

توهم الخلود في جنة زائلة.

وهنا المؤمنون:

﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ [الكهف: 107].

ثم:

﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الكهف: 108].

ثم:

﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: 108].

المشكلة لم تكن أن الإنسان يحب البقاء في النعمة.

فحب البقاء مفهوم.

المشكلة أن يطلب الخلود من عالم لم يُخلق للخلود.

صاحب الجنتين أراد من الدنيا ما لا تملكه.

أما هنا فهذه هي الجنة التي يصح أن يقال عنها:

﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الكهف: 108].

توهم الخلود في الجنة الزائلة، وغفل عن الجنة التي خلودها حق.

ليست كثرة العمل هي السؤال الأول

ومن هنا نفهم لماذا قال الله في أول السورة:

﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: 7، 30]،

ولم يقل: أكثر عملًا.

فقد يكثر العمل ويختل أصله.

وقد يكون كثيرًا في أعين الناس وقليلًا عند الله.

وقد يملأ الإنسان الدنيا حركة، ثم لا يكون في حركته ما يبلغه غايته.

والسورة لا تعلمنا التقليل من العمل.

ذو القرنين كان كثير الحركة.

وموسى تحمل السفر.

والفتية اتخذوا موقفًا.

لكنها تعلمنا ألا نفصل العمل عن الميزان الذي يصححه.

فالغاية ليست أن تتحرك فقط.

بل أن تتحرك في الطريق الصحيح.

كيف نعرف أننا نحسن؟

وهنا يأتي السؤال الطبيعي:

إذا كان الإنسان قد يخطئ وهو يظن أنه محسن، فكيف ينجو؟

السورة نفسها قدمت لنا المعالم.

المرجع:

﴿الْكِتَابَ… قَيِّمًا﴾.

مصدر الحق:

﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: 29].

العلاقة بالعلم:

﴿مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 68].

العلاقة بالقوة:

﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98].

العلاقة بالغاية:

﴿لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 110].

ثم العلاقة بالعمل:

﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: 110].

ثم حراسة العمل من فساد القصد:

﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

فالعمل الصالح ليس مجرد ما أعجبني.

ولا ما صفّق له الناس.

ولا ما حقق نتائج سريعة.

إنما يحتاج أن يكون صالحًا في ميزان الله، وأن يتوجه به صاحبه إلى الله.

لا يكفي أن يصح العمل… حتى تصح الوجهة

وهنا تبلغ السورة دقة عظيمة.

قد يقول الإنسان:

حسنًا، سأحرص أن يكون عملي صحيحًا.

لكن آخر آية لا تتوقف عند:

﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: 110].

بل تكمل:

﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

فالعمل له وجهان:

ماذا تعمل؟

و:

لمن تعمل؟

قد يكون الفعل في ظاهره صالحًا، ثم يفسده أن يتحول إلى سلّم لتعظيم النفس أو طلب منزلة في قلوب الناس.

وهنا نعود إلى قوله في أهل الصحبة:

﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28].

في منتصف السورة:

﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28].

وفي نهايتها:

﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

من أول الطريق إلى آخره، ليست القضية فقط صورة العمل.

بل وجهة القلب.

سؤال ينبغي ألا يفارق العامل

كلما نجحنا في شيء نحتاج أن نسأل:

هل هذا صالح عند الله، أم صالح في عيني فقط؟

وكلما مدحنا الناس:

هل تغيّر قصدي؟

وكلما خالفنا أحد:

هل أراجع نفسي، أم أصبحت مكانتي تمنعني من المراجعة؟

وكلما كثر العمل:

هل كثرة العمل حجبت عني السؤال عن صحته؟

وكلما تحققت نتيجة:

هل جعلت النتيجة دليلًا نهائيًا على أن الطريق صحيح؟

ليست هذه الأسئلة دعوة إلى الوسواس أو شل الإرادة.

بل إلى شيء مختلف:

أن يبقى الإنسان قابلًا لأن يقيمه الكتاب.

فالكتاب القيّم لا ينفع قلبًا قرر مسبقًا أنه لا يمكن أن يكون مخطئًا.

من أول السورة إلى آخرها

الآن نستطيع أن نرى الخيط.

في البداية:

﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: 7].

ثم أصحاب الكهف اتخذوا موقفًا.

وصاحب الجنتين عمل ونمّى وبنى، لكن ميزانه اختل.

وموسى سار ليتعلم.

وذو القرنين عمل وبنى ورد الفضل إلى الله.

ثم وُضع الكتاب:

﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: 49].

ثم جاءت المفاجأة:

﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104].

ثم أعطتنا السورة المخرج:

﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: 110].

وكأنها تقول:

لا يكفي أن يكون لك عمل.

ولا يكفي أن يكون لك سعي.

ولا يكفي أن تكون مقتنعًا به.

المطلوب أن يكون صالحًا عند الله.

ختامًا

من أخطر ما يصيب الإنسان ألا يرى خطأه لأنه شديد الإعجاب بصوابه.

أن يتحول «أنا أظن» إلى ميزان.

و«أنا أرى» إلى مرجع.

و«لقد نجحت» إلى شهادة بأن الله راضٍ عن كل الطريق.

سورة الكهف تهدم هذا الوهم.

العين قد تنبهر:

﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ﴾ [الكهف: 28].

والعلم قد يقف عند حد:

﴿مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 68].

والقوة قد تحتاج إلى من يحفظ قلبها:

﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98].

والعمل نفسه قد يضل بينما صاحبه:

﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104].

ولهذا بدأ كل شيء بـ:

﴿الْكِتَابَ… قَيِّمًا﴾.

فالإنسان يحتاج إلى ما يقيم نظره حين تنبهر عينه، ويقيم عقله حين يتجاوز حدوده، ويقيم قوته حين تغريه، ويقيم عمله حين يعجب به.

ثم لا تتركه السورة في الخوف.

بل تفتح أمامه الباب:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: 107].

لماذا؟

لأن المقصود ليس أن تعيش خائفًا من كل خطوة حتى تتوقف.

بل أن تعمل.

وتراجع.

وتتعلم.

وتصحح.

وترد الفضل إلى الله.

وتطلب وجهه.

حتى تصل إلى آخر كلمة عملية في السورة:

﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: 110].

وبقيت المحطة الأخيرة.

لقد بدأت السورة بزينة الأرض.

وعبرت بنا عبر الكهف والجنتين والعلم والقوة والعمل.

والآن ستعيدنا إلى السؤال الذي يعطي كل ذلك معناه:

إلى أين نسير؟

وهناك تضع أمامنا النهاية:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 110].

شارك المقال