سنن التنزيل
مقال

لاءات الكهف العشر… كيف تسير؟ ولمن تسير؟

  • دقيقتان للقراءة
  • 8 آيات

لاءات الكهف العشر ترسم للمؤمن معالم سيره في الحياة وتعامله مع الناس، لتتوج بضبط بوصلة قلبه وإخلاص عمله كله لله وحده.

أغلبنا يقرأ سورة الكهف كل أسبوع، لكن هل توقفنا أمام «لاءات» تتوزع في السورة، وكأنها إشارات على طريق المؤمن؟

فالقرآن لا يعلمك فقط ماذا تفعل، بل يعلمك أيضًا أين تقف، وماذا تترك، ومن تتبع، ولمن تعمل.

الأولى: لا تستنزف نفسك في الجدل

﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: 22].

ليس كل خلاف يستحق جدالًا، ولا كل تفصيل يستحق أن تستنزف فيه وقتك وقلبك. خذ من الأمر ما يقود إلى الهداية، ودع ما لا ثمرة وراءه.

الثانية: لا تأخذ العلم من كل أحد

﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 22].

مصدر المعرفة جزء من سلامة المعرفة؛ فلا تجعل عقلك وقلبك مفتوحين لكل متكلم.

الثالثة: لا تتعامل مع الغد وكأنه ملكك

﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا ۝ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23–24].

خطط واعزم، ولكن تذكر دائمًا:

أنت تملك العزم، ولا تملك الغد.

الرابعة: لا تستبدل أهل الخير ببريق الدنيا

﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28].

لا تجعل المال والجاه والشهرة تعيد ترتيب الناس في عينيك؛ فقد يكون من لا تلتفت إليه في الأرض عظيمًا عند الله.

الخامسة: لا تعطِ الغافل مقود حياتك

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف: 28].

فالقرآن لا يحذرك من الغفلة فقط، بل من أن تجعل الغافل يقودك؛ لأن من يقود قرارك قد يقود مصيرك.

السادسة: لا تستعجل الحكم قبل اكتمال المشهد

﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: 70].

كم نحكم من أول صورة، أو خبر، أو موقف!

وقصة موسى والخضر تعلمنا أن وراء ما نراه أحيانًا من الحكمة ما لم يظهر بعد.

السابعة: اترك للناس مساحة للعذر

﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: 73].

الناس ينسون ويضعفون؛ فلا تجعل كل زلة محاكمة، ولا كل تقصير سببًا للقطيعة.

الثامنة: لا ترهق من حولك

﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: 73].

ليست طاقات الناس واحدة؛ فلا تجعل توقعاتك العالية عبئًا على أهلك وأصحابك ومن تعمل معهم.

التاسعة: اعرف متى تنتهي الصحبة

﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: 76].

لا تتعجل الفراق، ولكن إذا استنفدت الفرص والأعذار، فلا تجعل استمرار العلاقة غاية في ذاته.

ثم تأتي اللاء العاشرة في آخر آية:

﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

وهنا تنتقل السورة من علاقتك بالناس إلى علاقتك بالله.

فقد تضبط جدالك، وعلمك، وخططك، وصحبتك، وسؤالك، وحكمك، وتعاملك مع الناس…

لكن يبقى السؤال الأعظم:

لمن تعمل؟

قد يكون العمل صالحًا، لكن القلب يطلب به مدحًا أو مكانة أو سمعة؛ لذلك ختمت السورة بتصحيح الوجهة:

﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

وهكذا يمكن أن نرى اللاءات العشر في كلمتين:

تسعٌ تقول لك: كيف تسير؟

والعاشرة تقول لك: ولمن تسير؟

فما أجمل أن نقرأ سورة الكهف كل أسبوع، لا لننتهي من سورة اعتدنا قراءتها، بل لنراجع بها أسبوعًا مضى ونستعد لأسبوع قادم:

كيف ناقشت؟

ممن أخذت؟

لمن أطعت؟

كيف حكمت؟

من صاحبت؟

ولمن عملت؟

فالغاية ليست أن تقرأ الكهف كل أسبوع فحسب، بل أن تخرج من الكهف كل أسبوع أبصر بالطريق وأخلص لله في المسير.

شارك المقال