سنن التنزيل
دراسةُ سورة المائدة · الجزء 2 من 6

سورة المائدة — من الآية 20 إلى 34: حين يُمتحن الوفاء بالعهد، ومن أول جريمة قتل إلى حرمة الدماء

  • 20 دقيقةً للقراءة
  • 18 آيةً

الوفاء بالعهود يُختبر في ميدان العمل وتحمل التكاليف، فالنكوص عن الواجب واستباحة الدماء وجهان لفساد الاستجابة، وصون الحياة مسؤولية لا تكتمل إلا بالتقوى ودفع الظلم.

حين تصبح النعمة حجة على أصحابها

قال الله تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 20] المائدة: 20.

بعد أن تحدثت السورة عن المواثيق وتمام النعمة ومسؤولية الاستجابة، تنتقل إلى مشهد من تاريخ بني إسرائيل، حيث يذكّرهم موسى عليه السلام بما أنعم الله به عليهم.

وليس هذا الانتقال منفصلًا عما سبقه؛ فقد قال الله للمؤمنين في مطلع السورة:

﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ [المائدة: 7] المائدة: 7.

وها هو موسى عليه السلام يبدأ خطابه لقومه بالتذكير بالنعمة.

فقد جعل الله فيهم أنبياء، وأخرجهم من الذل والاستعباد، ومكّنهم من أحوال لم يكونوا يملكونها، وآتاهم من النعم ما ميزهم به على أهل زمانهم.

لكن النعمة لا تعني أن الإنسان أصبح معفيًا من المسؤولية، وإنما تقتضي الشكر والطاعة.

وقد يظن بعض الناس أن كثرة ما أنعم الله به عليهم دليل على أنهم سيظلون في مأمن من عواقب مخالفة أمره، لكن القرآن يبين أن النعم نفسها قد تصبح موضع امتحان.

فمن أُعطي العلم يُمتحن في العمل به، ومن أُعطي المال يُمتحن في إنفاقه، ومن أُعطي القوة يُمتحن في استعمالها، ومن أُعطي الحرية يُمتحن في تحمل مسؤوليتها.

وهنا تظهر سنة عظيمة: أن قيمة النعمة لا تكتمل بمجرد امتلاكها، بل بحسن الاستجابة لما تقتضيه من واجبات.

الأرض المقدسة: حين ينتقل الإيمان من القول إلى الفعل

ثم يقول موسى عليه السلام:

﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 21] المائدة: 21.

بعد التذكير بالنعم يأتي التكليف.

فليس المقصود من استحضار التاريخ أن يبقى الناس أسرى الذكريات، وإنما أن يتحول ما عرفوه من فضل الله عليهم إلى استعداد للعمل.

وقد أمرهم موسى عليه السلام بدخول الأرض المقدسة، وحذرهم من التراجع.

وهنا ينبغي أن نقرأ الآية في سياقها التاريخي الذي وردت فيه، فلا نحول الخطاب الموجه إلى قوم موسى في تلك الواقعة إلى صك ملكية سياسي دائم لكل من ينتسب إليهم في كل عصر، ولا نجعله مسوغًا للاعتداء على حقوق السكان أو تهجيرهم.

فالقرآن يقص علينا الحدث لنتدبر ما فيه من هداية وعبرة، ولا يبيح لنا أن ننتزع عبارة من سياقها لنبرر بها ظلمًا معاصرًا.

ثم يأتي جواب القوم:

﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: 22] المائدة: 22.

لقد رأوا قوة القوم الذين في الأرض، فجعلوا خروجهم شرطًا للدخول.

وهنا ينبغي أن نميز بين الخوف الطبيعي وبين الاستسلام له.

فالخوف من قوة الخصم ليس في ذاته معصية، ولا يعني أن كل من خاف فقد ضعف إيمانه.

وقد يكون تقدير المخاطر جزءًا من الحكمة وحسن التدبير.

لكن الخلل يظهر حين يتحول الخوف إلى رفض صريح لأمر الله، أو حين يصبح اشتراط زوال جميع العقبات مقدمة لا بد منها قبل أداء الواجب.

وهذا ما تكشفه بقية القصة.

رجلان رأيا ما وراء القوة الظاهرة

قال تعالى:

﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23] المائدة: 23.

هنا يظهر نموذج مختلف داخل الجماعة نفسها.

فالرجلان لم ينكرا وجود القوم الجبارين، ولم يقولا إن الطريق خالٍ من المخاطر، وإنما قدما توجيهًا عمليًا:

﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة: 23].

ثم ربطا ذلك بالتوكل على الله.

وهذا الجمع بين العمل والتوكل من أهم معاني القصة.

فالتوكل ليس بديلًا عن الأسباب، وإنما هو اعتماد القلب على الله مع القيام بما أمر به من عمل.

وقد يظن بعض الناس أن الثقة بالله تعني تجاهل موازين القوة، أو أن الأخذ بالأسباب يعني ضعف التوكل.

لكن الرجلين جمعا بين الأمرين: خطوة عملية وثقة بالله.

وهذا يعلمنا أن مواجهة التحديات تحتاج إلى معرفة الواقع، وتقدير الإمكانات، وحسن اختيار الوسائل، مع عدم تحويل قوة الخصم إلى حكم نهائي بالعجز.

وفي حياة الأفراد والمجتمعات تتكرر هذه الصورة.

فقد يكون أمام الإنسان واجب شاق، فيرى العقبات وحدها وينسى ما يملكه من أسباب.

وقد تكون أمام المجتمع فرصة للإصلاح، فيؤجلها انتظارًا لظروف مثالية لا تأتي.

وقد تمتلك دولة إمكانات تحتاج إلى تنظيم وإعداد، لكنها تجعل الخوف من القوى الأكبر سببًا لتعطيل ما تستطيع فعله.

وليس المقصود أن يقدم الإنسان على كل مخاطرة دون حساب، وإنما ألا يجعل الخوف بديلًا عن التفكير والعمل.

حين يتحول الخوف إلى تخلٍّ عن المسؤولية

ثم يأتي الجواب الذي يكشف حقيقة الموقف:

﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24] المائدة: 24.

هنا لم يعد الأمر مجرد خوف من قوم جبارين.

لقد تحول الخوف إلى رفض للتكليف، ثم إلى إلقاء المسؤولية على النبي الذي جاءهم بالهداية.

وتأمل قولهم:

﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24].

إنها عبارة تختصر موقفًا كاملًا: نريد النتيجة، لكننا لا نريد تحمل ما يقتضيه الوصول إليها.

وقد يكون الإنسان مستعدًا للحديث عن الحق ما دام لا يطالبه بتضحية أو جهد، لكنه يتراجع حين يصبح العمل مطلوبًا منه.

وقد يطالب الناس بالإصلاح، ثم يتركون المصلحين وحدهم في مواجهة العقبات.

وقد ينتظر مجتمع من غيره أن يؤدي واجباته، بينما يعفي نفسه من المسؤولية.

وهنا تكشف القصة أن المشكلة ليست دائمًا في نقص المعرفة؛ فقد يعرف الإنسان ما ينبغي فعله، لكنه لا يريد دفع كلفته.

ومن هنا فإن الوفاء بالعهد يحتاج إلى إرادة وعمل، لا إلى معرفة مجردة.

لكن ينبغي ألا نحول هذا المعنى إلى إدانة لكل عاجز أو ضعيف؛ فالله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والفرق كبير بين من عجز بعد بذل وسعه، ومن امتنع عن واجب قادر عليه.

التيه: عاقبة العصيان لا قانون زمني لتغير الأمم

ثم يقول موسى عليه السلام:

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: 25] المائدة: 25.

وهنا يبلغ المشهد ذروته.

فالنبي الذي ذكّر قومه بالنعم، وأمرهم بما أمره الله به، وجد نفسه أمام جماعة ترفض الاستجابة.

ومع ذلك لم يدّع أنه يملك قلوبهم أو يستطيع أن يحملهم على الطاعة بمجرد رغبته.

فهو يؤدي واجبه في البلاغ والدعوة، ثم يرد الأمر إلى الله.

ثم يأتي الحكم:

﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: 26] المائدة: 26.

لقد جاءت العقوبة في هذه الواقعة بتحريم دخول الأرض عليهم أربعين سنة، يتيهون خلالها في الأرض.

وهنا ينبغي أن نلتزم حدود النص.

فالأربعون سنة مدة وردت في عقوبة مخصوصة لقوم مخصوصين، ولا يصح أن نجعلها قانونًا عامًا يحدد الزمن اللازم لتحرر الشعوب أو تغير الأجيال أو نهوض الأمم.

كما لا يجوز أن نستنبط منها موعدًا لحدث مستقبلي.

لكننا نستطيع أن نتدبر المعنى الذي تكشفه القصة: أن نقض العهد ورفض المسؤولية قد يؤديان إلى ضياع الفرص واستمرار المعاناة.

وقد تمتلك الجماعة أسبابًا للنهوض، لكنها تعجز عن الانتفاع بها بسبب التفرق أو ضعف الإرادة أو سوء القرار.

وقد تتحول النعمة التي كان ينبغي أن تقودها إلى العمل إلى مجرد ذكرى تتحدث عنها، بينما تتراجع قدرتها على الفعل.

وهذا يفتح أمامنا سؤالًا مهمًا:

هل نستعمل ما أنعم الله به علينا من علم ومال وقدرة ووقت في أداء واجباتنا، أم نكتفي بذكر النعم ثم نترك مقتضياتها؟

فليس المطلوب أن نبحث في واقعنا عمن نشبهه بقوم موسى، وإنما أن نبحث في أنفسنا عن أسباب التردد والعجز والتخلي عن المسؤولية، ثم نعالجها.

من الامتناع عن أداء الواجب إلى الاعتداء على حق الحياة

بعد هذا المشهد، تنتقل السورة إلى قصة ابني آدم:

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27] المائدة: 27.

وهنا تنتقل السورة من جماعة رفضت أداء واجبها إلى فرد اعتدى على أخيه.

وقد يبدو الموضوعان مختلفين، لكنهما يكشفان وجهين من وجوه فساد الاستجابة.

ففي القصة الأولى غلب الخوف على قوم حتى امتنعوا عن العمل.

وفي القصة الثانية غلب الحسد والعدوان على إنسان حتى أقدم على قتل أخيه.

وفي الحالتين لم يكن الخلل في غياب البيان، وإنما في موقف النفس من الحق.

فقد قرب الأخوان قربانًا، فتقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر.

وكان ينبغي لمن لم يتقبل منه أن يراجع نفسه، وأن يسأل عن أسباب القبول، وأن يسعى إلى إصلاح عمله.

لكنه وجه غضبه إلى أخيه.

وهنا يظهر انحراف خطير في طريقة تعامل الإنسان مع الإخفاق.

فبدل أن يعالج السبب الذي حرمه من القبول، أراد التخلص ممن نال القبول.

وتأمل جواب الأخ:

﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27].

لم يقل إن القبول بسبب نسب أو مكانة أو قوة، وإنما أعاد الأمر إلى التقوى.

فالقيمة عند الله ليست في مجرد صورة العمل، بل في حقيقة ما يقوم عليه من إخلاص واستقامة.

وهذا يفتح أمامنا بابًا مهمًا في تربية النفس.

فقد يرى الإنسان غيره وقد نجح في علم أو عمل أو إصلاح، فينشغل بمقارنته بنفسه.

وقد يتحول شعوره بالنقص إلى حسد، ثم إلى محاولة تشويه الآخر أو تعطيل نجاحه.

لكن الطريق الصحيح ليس إسقاط من تقدم، وإنما إصلاح أسباب التقصير في النفس.

فالحسد يريد أن تزول النعمة عن صاحبها، أما التقوى فتدفع الإنسان إلى إصلاح نفسه حتى يكون أهلًا للخير.

حين يرفض المظلوم أن يصبح صورة من ظالمه

ثم يقول تعالى:

﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 28] المائدة: 28.

هنا يظهر موقف الأخ الذي هُدد بالقتل.

فهو لا يريد أن يقابل أخاه بجريمة مماثلة، ويعلن أن خوفه من الله يمنعه من الإقدام على القتل ظلمًا.

وهذا موقف عظيم في ضبط النفس.

لكن لا ينبغي أن نستنبط منه تحريم الدفاع المشروع عن النفس؛ فالقرآن والسنة قررا مشروعية دفع العدوان بضوابطه.

وإنما تظهر في الآية براءة هذا الأخ من إرادة قتل أخيه ظلمًا، وامتناعه عن أن يجعل تهديد الآخر مبررًا لارتكاب الجريمة.

ثم يقول تعالى:

﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 29] المائدة: 29.

وهنا يذكره بعاقبة الظلم.

فقد يستطيع الإنسان أن ينتصر في مواجهة عاجلة، لكنه يخسر نفسه عند الله.

وقد يظن أن إزالة خصمه تحقق له ما يريد، لكنها تفتح عليه بابًا من الإثم والندم.

ثم تأتي الآية التي تكشف وقوع الجريمة:

﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 30] المائدة: 30.

وتأمل قوله:

﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ [المائدة: 30].

فالجريمة لم تقع منفصلة عن حركة النفس، بل سبقها انقياد للهوى حتى صار الفعل الشنيع مقبولًا عند صاحبه.

وهذه من أخطر مراحل الانحراف.

فقد يبدأ الإنسان بفكرة ظالمة، ثم يكرر تبريرها لنفسه، حتى تضعف مقاومته الداخلية لها.

وقد يتدرج من الحسد إلى البغضاء، ومن البغضاء إلى التهديد، ومن التهديد إلى الاعتداء.

ولهذا فإن إصلاح النفس قبل وقوع الجريمة من أعظم أبواب الوقاية من الشر.

أول جريمة قتل: حين يمتد وزر الشر عبر الأجيال

لم تكن جريمة ابن آدم مجرد قتل أخ لأخيه، بل كانت أول جريمة قتل في تاريخ البشر.

وقد بين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خطورة هذه البداية بقوله:

«لا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل».

وهذا الحديث يفتح أمامنا بُعدًا عظيمًا في فهم القصة.

فالجريمة الأولى لم تنته آثارها بانتهاء حياة مرتكبها.

لقد فتح بابًا من أبواب الشر، فصار عليه نصيب من إثم من سلك طريق القتل ظلمًا بعده، دون أن ينقص ذلك من أوزار القتلة اللاحقين.

وهنا تظهر سنة تتجاوز القتل إلى غيره من أبواب الخير والشر.

فالإنسان قد يبدأ عملًا، ثم يقتدي به آخرون، فتستمر آثاره بعد موته.

وقد يفتح بابًا للعلم أو الإصلاح أو الرحمة، فينتفع به الناس من بعده.

وقد يفتح بابًا للفساد أو الظلم، فيتسع أثره ويتوارثه من جاء بعده.

ولهذا فإن مسؤولية الإنسان لا تقف دائمًا عند ما باشره بيده، بل قد تمتد إلى ما كان سببًا في نشره أو تأسيسه.

وهذا المعنى يحتاج إليه أصحاب التأثير والقرار.

فقد يسن مسؤول سياسة ظالمة، ثم يطبقها من يأتي بعده.

وقد يضع صاحب سلطة نظامًا يسمح بالاعتداء على الحقوق، فتتكرر المظالم في ظله.

وقد ينشر إنسان فكرة تبرر العدوان، فيجد فيها آخرون مسوغًا لما يرتكبونه.

وفي المقابل، قد يؤسس إنسان عملًا صالحًا أو نظامًا عادلًا، فينتفع به الناس أجيالًا.

فليس السؤال عما نفعله اليوم وحده، بل عما نتركه من أثر يمكن أن يمتد بعدنا.

لكن هذا لا يسقط مسؤولية من يرتكب الجريمة لاحقًا؛ فكل إنسان مسؤول عن عمله، ولا يتحول اقتداؤه بمن سبقه إلى عذر يبرئه.

الغراب: حين يكشف العجز بعد الجريمة حقيقة الخسارة

ثم يقول تعالى:

﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: 31] المائدة: 31.

بعد وقوع الجريمة يأتي مشهد الغراب.

فالذي أقدم على قتل أخيه لم يكن يعرف كيف يواري جسده، حتى أراه الله بواسطة الغراب ما يفعل.

وهنا تظهر المفارقة.

لقد امتلك الجرأة على إزهاق الحياة، لكنه عجز عن معالجة أبسط آثار جريمته.

وقد يظن الإنسان قبل الظلم أنه قادر على التحكم في نتائجه، لكنه يكتشف بعد وقوعه أن ما أفسده أكبر من قدرته على إصلاحه.

فالحياة التي أزهقها لا يستطيع إعادتها.

والألم الذي أحدثه قد يستمر طويلًا.

والحقوق التي انتهكها قد يعجز عن ردها كاملة.

ثم يقول تعالى:

﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: 31].

والندم هنا وصف لما وقع منه بعد الجريمة، لكن لا يكفي وحده للحكم بتحقق التوبة المستوفية لشروطها.

فقد يندم الإنسان على العواقب التي أصابته، دون أن يكون قد رجع إلى الله رجوعًا صادقًا.

ولهذا فإن التوبة ليست مجرد الشعور بالحزن، بل تتطلب الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العودة إليه، مع أداء حقوق العباد بحسب ما يقتضيه الحق.

﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ﴾ [المائدة: 32]: من الجريمة الأولى إلى حرمة النفس الإنسانية

ثم يقول تعالى:

﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32] المائدة: 32.

هنا ينتقل القرآن من أول جريمة قتل إلى تقرير حرمة النفس الإنسانية.

وتأمل بداية الآية:

﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ﴾ [المائدة: 32].

فما وقع في قصة ابني آدم ليس خبرًا تاريخيًا ينتهي عند زمانه، بل مدخل إلى بيان خطورة القتل والاعتداء على الحياة.

وقد خصت الآية بني إسرائيل بذكر ما كتبه الله عليهم من تعظيم حرمة النفس.

وهذا يكتسب دلالة مهمة في سياق السورة التي عرضت مواثيقهم، وذكرت ما وقع من بعضهم من نقض العهود والاعتداء.

وقد بلغ اعتداء فريق منهم حد قتل الأنبياء.

قال تعالى:

﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87] البقرة: 87.

وهنا يظهر التناقض بين معرفة حرمة الدماء وانتهاكها، وبين حمل الكتاب ومخالفة ما جاء به.

لكن القرآن حين يقول ﴿فَرِيقًا﴾ يحدد موضع المسؤولية، فلا يجوز أن ننسب أفعال بعض الناس إلى كل من يشاركهم النسب أو الدين.

كما أن تخصيص بني إسرائيل بذكر هذا التشريع لا يكفي وحده للجزم بأنهم أكثر الأمم سفكًا للدماء عبر التاريخ؛ فهذه دعوى تحتاج إلى استقراء مستقل.

والمعنى الأهم أن حرمة النفس لا تسقط بسبب هوية صاحبها، ولا يصبح الاعتداء عليها مشروعًا بسبب قوة المعتدي.

وتأمل قوله:

﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].

إنها صورة قرآنية عظيمة تبين فداحة قتل النفس بغير حق.

فالذي يستهين بحياة إنسان بريء قد هدم في فعله حرمة عظيمة جعلها الله للإنسان.

وليس معنى التشبيه مساواة جميع جرائم القتل في تفاصيل أحكامها وآثارها، وإنما بيان عظم الجناية على النفس المعصومة.

فلسطين: حين تصبح حرمة الدماء امتحانًا حاضرًا

وحين ننزل هذه الآيات على واقعنا، لا نستطيع أن نتجاوز ما تعرض له الشعب الفلسطيني على امتداد عقود الاحتلال، وما شهده قطاع غزة من قتل واسع وتدمير وتهجير وتجويع، طالت آثاره الأطفال والنساء والشيوخ، حتى فقدت أسر كاملة أبناءها ومنازلها وأسباب عيشها.

فكم من طفل قُتل قبل أن يعرف من الحياة إلا بداياتها، وكم من أم فقدت أبناءها أو قُتلت معهم، وكم من شيخ أنهكته السنون ثم وجد نفسه نازحًا من بيته، عاجزًا عن الوصول إلى الدواء أو الغذاء أو المأوى الآمن.

وليس هؤلاء مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل نفوس بشرية لها حرمتها وحقوقها، وأحلام وحياة وأسر مزقها العدوان.

وهنا نستحضر قوله تعالى:

﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].

فأي معنى لحرمة النفس إذا استُبيح قتل الأبرياء؟ وأي معنى للعدل إذا صار أمن الأطفال والنساء والشيوخ رهينًا لحسابات القوة والمصالح؟

إن ما تعرض له الفلسطينيون يضع أمام العالم امتحانًا أخلاقيًا وإنسانيًا، ويضع أمام أمتنا مسؤولية لا تنتهي عند الحزن أو الإدانة، بل تمتد إلى حماية الحياة، وإغاثة المنكوبين، ومناصرة المظلومين، والعمل بالوسائل المشروعة لوقف الاعتداء وصون الحقوق.

ولأن القرآن يأمر بالعدل، فإن مسؤولية الجرائم تقع على مرتكبيها ومن أمر بها أو أعان عليها، ولا تتحول إلى إدانة لكل إنسان بسبب دينه أو نسبه.

فالوفاء بحرمة الدماء لا يُقاس بما نقوله حين يُقتل من نحب، وإنما بمدى التزامنا بحرمة النفس الإنسانية، ورفضنا أن تكون القوة أو الهوية أو المصلحة مبررًا لسفكها.

ثم لا يتركنا القرآن عند صورة القتل، بل يفتح أمامنا بابًا آخر:

﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].

فكما يمكن للإنسان أن يكون سببًا في إزهاق الحياة، يمكنه أن يكون سببًا في حفظها.

وقد يكون ذلك بإنقاذ إنسان من خطر، أو توفير علاج لمريض، أو إطعام جائع، أو حماية مظلوم، أو منع اعتداء، أو إصلاح نظام يهدد حياة الناس وحقوقهم.

وهنا يتحول التدبر إلى مسؤولية عملية.

فلا يكفي أن ندين القتل، بل ينبغي أن نسأل عما نستطيع فعله لحماية الحياة.

ولا يكفي أن نحزن على الضحايا، بل ينبغي أن نبذل ما نقدر عليه من علم ومال وموقف وعمل مشروع يخفف المعاناة ويمنع استمرارها.

فالسؤال ليس فقط: من فتح طريق القتل؟ بل ماذا نفعل نحن حتى لا يستمر هذا الطريق، وحتى نكون ممن يسهمون في حفظ الحياة لا إزهاقها؟

حين يتحول الاعتداء إلى فساد يهدد أمن المجتمع

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: 32] المائدة: 32.

وهنا يعود القرآن إلى القضية التي ظهرت في مواثيق بني إسرائيل.

فقد جاءت الرسل بالبينات، ومع ذلك وقع الإسراف من كثير ممن خوطبوا بها.

وهذا يكشف أن وجود النص وحده لا يضمن استقامة السلوك إذا غابت إرادة الاستجابة.

فقد يعرف الإنسان حرمة الدماء ثم يعتدي.

وقد يعرف وجوب العدل ثم يظلم.

وقد يحمل كتابًا يأمره بالرحمة، ثم يجعل مصالحه أو أهواءه مقدمة على ما جاء فيه.

ومن هنا فإن مسؤولية الأمة التي تحمل الوحي لا تقف عند حفظ نصوصه، بل تمتد إلى إقامة أحكامه في حياتها.

ثم يقول تعالى:

﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] المائدة: 33.

بعد تقرير حرمة النفس، تنتقل السورة إلى حكم من يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا.

وهذا الانتقال يبين أن حفظ الحياة لا يتحقق بالموعظة وحدها، بل يحتاج كذلك إلى نظام عدل يحمي الناس من الجرائم الخطيرة التي تهدد أمنهم.

لكن هذه الأحكام ليست مجالًا لتصرف الأفراد أو الجماعات من تلقاء أنفسهم، وإنما هي من اختصاص القضاء والسلطة المختصة وفق شروط الإثبات والإجراءات المعتبرة.

كما لا يجوز أن نوسع معنى الحرابة حتى نجعل كل مخالفة أو خصومة داخلة فيها؛ فلها أحكامها وضوابطها التي بينها الفقهاء.

والمقصود هنا إبراز أن الشريعة تجمع بين تعظيم حرمة النفس وحماية المجتمع من العدوان المنظم الذي يهدد أمنه.

فلا يصح أن تتحول الرحمة إلى تهاون يترك الأبرياء دون حماية، كما لا يصح أن تتحول العقوبة إلى باب للانتقام أو الظلم.

ثم يقول تعالى:

﴿ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].

ثم يفتح باب التوبة:

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] المائدة: 34.

وهنا يظهر التوازن بين حماية المجتمع وفتح باب الرجوع عن الفساد.

فالتشريع لا يريد أن يستمر الإنسان في طريق الجريمة، وإنما يفتح أمامه سبيل التوبة والإصلاح.

لكن التوبة لا تعني إلغاء حقوق الناس التي ترتبت على الاعتداء؛ فهذه لها أحكامها التي يجب حفظها.

وهكذا ينتهي هذا المقطع وقد انتقلت السورة من امتحان جماعة في الوفاء بأمر الله، إلى امتحان فرد في ضبط نفسه، ثم إلى أول جريمة قتل، فحرمة الحياة، فمسؤولية المجتمع في منع الفساد وحماية الحقوق.

ويظهر من هذا التدرج أن نقض العهد ليس صورة واحدة.

فقد يكون امتناعًا عن واجب، وقد يكون انقيادًا للحسد، وقد يكون اعتداء على نفس بريئة، وقد يتسع حتى يصبح فسادًا يهدد أمن الناس.

وفي المقابل، فإن الوفاء بالعهد يظهر في الاستجابة لأمر الله، وإصلاح النفس، وحفظ الحياة، وإقامة العدل، وحماية المجتمع من العدوان.

وهنا تتهيأ السورة للانتقال إلى سؤال آخر: كيف يتقرب الإنسان إلى الله، وكيف يحفظ المجتمع ميزان العدل حين تتنازع المصالح والأهواء؟

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 35] المائدة: 35.

فبعد أن بينت السورة خطر نقض العهد وآثاره، تعيد المؤمن إلى أصل الطريق: التقوى، وطلب القرب من الله، وبذل الجهد في طاعته وإقامة ما أمر به.

شارك المقال