سنن التنزيل
دراسةُ سورة المائدة · الجزء 6 من 6

سورة المائدة — من الآية 110 إلى 120: من تمام النعمة إلى شهادة الصدق وملك الله المطلق

  • 21 دقيقةً للقراءة
  • 19 آيةً

مسؤولية النعمة تتجلى في مشهد الحساب ببراءة الرسل وكمال التوحيد، لتكشف أن صدق الوفاء بالعهود في الدنيا هو الفوز الحقيقي تحت سلطان ملك الله المطلق.

حين تُستحضر النعمة في مشهد الحساب

قال الله تعالى:

﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: 110] المائدة: 110.

بعد أن عرضت السورة أحكام العقود والعهود، وبينت مقتضيات الوفاء بها في الاعتقاد والعبادة والتشريع والعدل والعلاقات، ثم انتقلت إلى مشهد جمع الرسل وسؤالهم عن استجابة أقوامهم، تأتي خاتمتها بمشهد عظيم يتعلق بعيسى ابن مريم عليه السلام.

وهذا الانتقال ليس منفصلًا عما سبق.

فقد بدأت السورة بالأمر بالوفاء، ثم ذكرت تمام النعمة، وعرضت مواثيق الأمم ومواقفها من الرسل، وكررت تصحيح الاعتقاد في المسيح عليه السلام، حتى وصلت إلى اليوم الذي تظهر فيه حقيقة ما بلّغه الرسول، وما اعتقده الناس فيه.

وتأمل أن المشهد يبدأ بالتذكير بالنعمة:

﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ﴾ [المائدة: 110].

لقد تكرر ذكر النعمة في السورة منذ افتتاحها، حين قال الله للمؤمنين:

﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ [المائدة: 7] المائدة: 7.

ثم ذكّر موسى عليه السلام قومه بنعم الله عليهم، وها هو عيسى عليه السلام يُذكَّر بما أنعم الله به عليه وعلى والدته.

وهذا التكرار يكشف أن النعمة ليست مجرد عطاء يتمتع به الإنسان، بل أمانة تقتضي الشكر والوفاء.

وقد تختلف صور النعم بين الناس والأمم والأنبياء، لكن أصل المسؤولية عنها واحد: أن تُنسب إلى الله، وأن تُستعمل فيما يرضيه.

﴿بِإِذْنِي﴾: المعجزات التي تدل على الله لا على ألوهية الرسول

ثم يقول تعالى:

﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: 110] المائدة: 110.

هنا تعرض الآية عددًا من المعجزات التي أيد الله بها عيسى عليه السلام.

فقد تكلم في المهد، وعلمه الله الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وأجرى على يديه آيات عظيمة، منها شفاء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى.

لكن اللافت في عرض هذه المعجزات تكرار قوله تعالى:

﴿بِإِذْنِي﴾.

فليست هذه العبارة تفصيلًا عابرًا، وإنما تؤكد المعنى الذي تريد السورة تقريره.

فعيسى عليه السلام رسول كريم أيده الله بمعجزات عظيمة، لكنها لم تكن قدرة مستقلة عن الله، وإنما وقعت بإذنه سبحانه.

وهذا يرد على الغلو الذي رفع المسيح من مقام النبوة إلى مقام الألوهية.

فالمعجزة لا تجعل النبي إلهًا، وإنما تدل على صدق رسالته وعلى قدرة الله الذي أيده بها.

وقد سبق أن قالت السورة:

﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: 75] المائدة: 75.

وهنا يكتمل البيان.

فالمسيح الذي كان يأكل الطعام، ويحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، هو نفسه الذي أجرى الله على يديه تلك المعجزات.

ولا تناقض بين الأمرين.

فبشريته لا تنقص من مقام نبوته، ومعجزاته لا تخرجه من مقام العبودية لله.

وهذا المعنى يعيد ترتيب نظرتنا إلى الأسباب والقدرات.

فقد يكرم الله إنسانًا بعلم أو قوة أو قدرة على التأثير، لكن ذلك لا يجعل ما أُعطيه ملكًا مستقلًا عن الله.

وقد يبلغ الإنسان منزلة عظيمة بين الناس، لكنه يظل عبدًا مفتقرًا إلى ربه.

فإذا كان عيسى عليه السلام، مع ما أيده الله به من المعجزات، لا يملك هذه الآيات استقلالًا عن الله، فكيف يغتر غيره بما أُعطي من أسباب محدودة؟

فكل قدرة يمنحها الله لعباده ينبغي أن تزيدهم معرفة بفضله، لا أن تحملهم على الغرور أو نسيان افتقارهم إليه.

حين لا تمنع البيناتُ العنادَ

ثم يقول تعالى:

﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: 110] المائدة: 110.

بعد ذكر المعجزات، تذكر الآية أن الله كف بني إسرائيل عن عيسى عليه السلام حين جاءهم بالبينات، وأن الذين كفروا منهم وصفوا ما جاء به بالسحر.

وتأمل قوله:

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 73، 110].

فالتعبير يحدد موضع الكفر، ولا يجعل الحكم شاملًا لكل بني إسرائيل.

وهذا من دقة القرآن في نسبة المواقف إلى أصحابها.

ثم إن الآية تكشف حقيقة مهمة: أن ظهور البينة لا يعني بالضرورة أن كل من يراها سيؤمن.

فقد يكون الدليل واضحًا، لكن الهوى أو الاستكبار يحول بين الإنسان وبين قبوله.

وقد رأينا هذا المعنى في مواضع سابقة من السورة، حين ذكرت من كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه، أو يبحثون عن حكم يوافق أهواءهم.

وهنا يظهر أن المشكلة ليست دائمًا في نقص الأدلة، بل قد تكون في موقف الإنسان من الدليل.

فمن أراد الحق بحث عنه بصدق، ومن أراد الحفاظ على هواه قد يجد سبيلًا إلى رد ما يخالفه، ولو ظهرت له البينات.

وهذا لا يعني أن كل من لم يقتنع برأي نراه صحيحًا إنما يرفضه عنادًا؛ فقد يختلف الناس في الفهم أو في تقدير الأدلة.

لكن الآية تكشف صورة من صور العناد الذي يقع حين تُرد البينات بعد ظهورها.

الحواريون: حين يتحول الإيمان إلى نصرة

ثم يقول تعالى:

﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: 111] المائدة: 111.

بعد ذكر موقف الذين كفروا من بني إسرائيل، تعرض السورة موقف الحواريين.

فقد استجابوا للإيمان بالله ورسوله، وأعلنوا إسلامهم لله.

وهنا تظهر المقابلة بين من ردوا البينات ومن قبلوها.

فالرسالة واحدة، لكن المواقف منها مختلفة.

وقد سبق أن عرضت السورة نموذجًا من أهل الكتاب الذين سمعوا القرآن ففاضت أعينهم من الدمع لما عرفوا من الحق، وقالوا:

﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 83] المائدة: 83.

وها هم الحواريون يقولون:

﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: 111].

فالإيمان الحق لا يقف عند المعرفة، بل يثمر الاستجابة وإعلان الموقف.

وقد يختلف الناس في مقدار ما يملكون من علم أو قوة أو مكانة، لكن باب الصدق مع الله مفتوح لمن طلب الهداية واستجاب لها.

وهنا يظهر أن قيمة الإنسان لا تتحدد بنسبه أو قومه، وإنما بحقيقة إيمانه وعمله.

المائدة: بين طلب الآية ومسؤولية الاستجابة

ثم يقول تعالى:

﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 112] المائدة: 112.

هنا تبدأ القصة التي سميت السورة باسمها.

فقد طلب الحواريون من عيسى عليه السلام أن ينزل الله عليهم مائدة من السماء.

وتأمل جواب عيسى:

﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 112].

فهو يوجههم إلى التقوى، ويذكرهم بأن طلب الآيات ينبغي أن يكون منضبطًا بالإيمان والأدب مع الله.

ثم يبين الحواريون مقصودهم:

﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 113] المائدة: 113.

وقد جمعوا في طلبهم بين الانتفاع بالطعام، وطمأنينة القلب، وزيادة اليقين بصدق ما أخبرهم به عيسى عليه السلام، والشهادة على الآية.

وهنا يظهر أن الإنسان قد يكون مؤمنًا، لكنه يطلب مزيدًا من الطمأنينة.

وليس كل طلب لزيادة اليقين دليلًا على انعدام الإيمان.

فقد قال إبراهيم عليه السلام:

﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] البقرة: 260.

لكن ينبغي أن نميز بين طلب الطمأنينة على وجه مشروع، وبين التعنت الذي يجعل الإنسان يطلب الآيات ثم يرفض الاستجابة بعد ظهورها.

ولهذا جاء تحذير عيسى عليه السلام من أول الأمر:

﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 112].

فكلما ازداد البيان، ازدادت مسؤولية الإنسان عما علمه.

وهذا المعنى يتصل بمقصد السورة منذ بدايتها.

فقد أتم الله النعمة على المؤمنين، وأكمل لهم الدين، وجعلهم مسؤولين عن الوفاء بما أنزل إليهم.

فلا ينبغي أن تتحول كثرة المعرفة إلى مجرد معلومات، بل إلى زيادة في الطاعة والعمل.

الدعاء الذي جمع بين الرزق والعبادة

ثم يقول تعالى:

﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: 114] المائدة: 114.

هنا يتوجه عيسى عليه السلام إلى الله بالدعاء.

وتأمل افتتاح الدعاء:

﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾ [المائدة: 114].

فهو لا يتصرف بوصفه مالكًا مستقلًا للمعجزات، وإنما يسأل ربه.

وهذا يؤكد المعنى الذي تكرر في الآية العاشرة بعد المئة:

﴿بِإِذْنِي﴾.

ثم يقول:

﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: 114].

فالمائدة ليست مجرد طعام يُشبع الجوع، بل آية من الله، ومناسبة يتذكرون فيها نعمته.

ثم يقول:

﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: 114].

وهنا تعود قضية الرزق التي تناولتها السورة في مواضع متعددة.

فقد أمرت المؤمنين بالأكل من الحلال الطيب، ونهتهم عن تحريم ما أحل الله، وذكرت أن الله يبسط الرزق لمن يشاء.

وها هو عيسى عليه السلام يطلب الرزق من الله، معترفًا بأنه خير الرازقين.

وهذا يعلمنا أن الرزق ليس مجرد نتيجة للأسباب المادية، وإن كانت الأسباب مأمورًا بالأخذ بها.

فالله هو الرازق، وما بأيدي الناس من أسباب إنما يجري بقدره وحكمته.

والعبد المؤمن لا يترك السعي، لكنه لا يجعل قلبه معلقًا بالأسباب وحدها.

النعمة التي تزيد المسؤولية

ثم يقول تعالى:

﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 115] المائدة: 115.

هنا يأتي الجواب الإلهي مقرونًا بتحذير شديد.

فقد أخبر الله بأنه منزل المائدة عليهم، ثم بين عظم مسؤولية من يكفر بعد ذلك.

ولا ينبغي أن نضيف إلى القصة تفاصيل لم يذكرها القرآن، فنحدد أنواع الطعام أو كيفية نزوله أو ما وقع بعد ذلك من أحداث دون دليل ثابت.

كما أن الآية لا تفصل لنا مصائر الأفراد بعد هذا التحذير، فلا يصح أن نجزم بما لم يرد به النص.

لكن المعنى الذي يظهر بوضوح أن زيادة البيان والآيات تقتضي زيادة المسؤولية.

فمن جاءته آية عظيمة، ثم قابلها بالكفر والعناد، ليس كمن لم تبلغه تلك الآية.

وهنا تظهر سنة تتكرر في السورة: أن النعمة إذا لم تقابل بالشكر والاستجابة، فقد تتحول إلى حجة على صاحبها.

وقد رأينا هذا المعنى في قصة بني إسرائيل حين ذكرهم موسى عليه السلام بنعم الله عليهم، ثم دعاهم إلى أداء واجبهم.

ورأيناه في الحديث عن أهل الكتاب الذين أوتوا الوحي ثم خالف بعضهم ما جاء به.

وها هو يظهر في قصة المائدة.

لكن ينبغي ألا نجعل كل نعمة دنيوية دليلًا على رضا الله عن صاحبها، أو كل مصيبة دليلًا على غضبه.

فالنعمة قد تكون ابتلاء، كما أن الشدة قد تكون ابتلاء.

وإنما العبرة بموقف الإنسان مما أعطاه الله، وكيف يستعمله، وما يؤديه من حقوقه.

السؤال العظيم: هل دعوت الناس إلى عبادتك؟

ثم تنتقل السورة إلى مشهد آخر من مشاهد الحساب:

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116] المائدة: 116.

هنا تبلغ معالجة السورة لقضية المسيح عليه السلام ذروتها.

فقد قررت في مواضع سابقة بطلان تأليهه، وذكرت دعوته إلى عبادة الله وحده، ثم عرضت المعجزات التي أيده الله بها، وأكدت أنها وقعت بإذنه.

والآن يأتي السؤال الذي يظهر براءة عيسى عليه السلام من دعوة الناس إلى عبادته أو عبادة أمه.

وتأمل جواب المسيح:

﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: 116].

يبدأ بالتسبيح والتنزيه.

فهو يبرئ الله من كل نقص، وينفي عن نفسه أن يقول ما لا يحق له قوله.

ثم يقول:

﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 116].

وهنا يظهر كمال الأدب مع الله.

فعيسى عليه السلام لا يدعي علمًا مستقلًا بالغيب، بل يقر بأن الله يعلم ما في نفسه، وأنه لا يحيط بما اختص الله بعلمه.

وهذا المعنى يعيدنا إلى الآية التاسعة بعد المئة:

﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 109].

فقد بدأت مشاهد الحساب بإقرار الرسل بكمال علم الله، وها هو عيسى عليه السلام يقرر الحقيقة نفسها.

وهذا يكشف أن مقام النبوة، على عظمته، لا يخرج صاحبه من مقام العبودية.

فالرسل عباد الله المصطفون، لا يملكون من خصائص الألوهية ما اختص الله به نفسه.

البلاغ الذي لا يملك صاحبه قلوب الناس

ثم يقول عيسى عليه السلام:

﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 117] المائدة: 117.

هذه الجملة تختصر حقيقة رسالة المسيح عليه السلام.

فهو لم يدع إلى عبادة نفسه، وإنما دعا إلى عبادة الله.

وتأمل قوله:

﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: 117].

فهو رسول يبلغ ما أمره الله به، لا يشرع للناس من عند نفسه ما يناقض التوحيد.

وهنا يظهر معنى الوفاء بالعهد في أعلى صوره.

فالرسول أمين على الرسالة، يبلغها كما أمره الله، دون تحريف أو تبديل.

ثم يقول:

﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 117].

وهنا تتحدد حدود مسؤولية الرسول.

فقد كان شاهدًا على قومه ما دام فيهم، ثم رد الأمر إلى الله الذي لا يغيب عن علمه شيء.

ولا ينبغي أن نستنبط من هذه الآية تفاصيل عن كل ما وقع بعد رفع عيسى عليه السلام أو عن كل ما سيقع في المستقبل مما لم يذكره النص.

وإنما تقرر الآية حقيقة واضحة: أن علم الله ورقابته شاملان، وأن الرسول أدى ما أمر به من البلاغ.

وهذا المعنى يحتاج إليه كل من يحمل مسؤولية الدعوة أو التعليم أو الإصلاح.

فقد يبذل الإنسان جهده في بيان الحق، لكنه لا يملك قلوب الآخرين.

وقد يربي أبناءه على الخير، ثم لا يستطيع أن يضمن جميع اختياراتهم.

وقد يؤسس عملًا صالحًا، لكنه لا يملك أن يضمن استمرار الناس عليه بعد غيابه.

فالمطلوب منه أن يؤدي أمانته، وأن يبذل وسعه في الإصلاح، وأن يرد ما لا يملكه إلى الله.

وهذا لا يعفيه من اتخاذ الأسباب التي تحفظ أثر عمله، لكنه يمنعه من ادعاء القدرة على ما لا يقدر عليه.

بين عدل الله ورحمته

ثم يقول عيسى عليه السلام:

﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118] المائدة: 118.

هذه الآية من أعظم المواضع التي يظهر فيها أدب العبودية والتسليم لله.

فعيسى عليه السلام يرد أمر العباد إلى ربهم.

فالله هو مالكهم، وهو العليم بحقائق أحوالهم، وهو الذي يحكم فيهم بعدله وحكمته.

وتأمل أنه قال:

﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118].

فقد ختم كلامه بذكر العزة والحكمة.

فالله عزيز لا يعجزه شيء، وحكيم لا يكون حكمه عبثًا ولا ظلمًا.

ولا يجوز أن نفهم الآية على أنها تقرير لمغفرة من مات على الشرك بعد قيام الحجة عليه؛ فالقرآن قد بين حكم الشرك، وإنما هذا مقام تفويض وتسليم لحكم الله في عباده.

وهنا نتعلم أن الرحمة لا تعني إلغاء العدل، وأن العدل لا ينفصل عن الحكمة.

فقد يعفو الإنسان عن حق يملكه، لكنه لا يملك أن يسقط حقوق الآخرين بغير حق.

وقد يتعاطف مع مظلوم، فيجب أن يكون تعاطفه دافعًا إلى إنصافه، لا إلى تجاوز حدود الله.

أما الله سبحانه، فله كمال العلم والعدل والرحمة والحكمة.

ولهذا فإن المؤمن يطمئن إلى حكمه، وإن لم يدرك جميع وجوه الحكمة فيما يجري من أقدار.

﴿هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119]: الخاتمة التي تعيدنا إلى أول السورة

ثم يقول تعالى:

﴿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: 119] المائدة: 119.

هنا تصل السورة إلى واحدة من أعظم خلاصاتها.

فقد بدأت بقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].

وها هي تقترب من خاتمتها بقوله:

﴿هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119].

فكأن المسافة بين افتتاح السورة وخاتمتها هي المسافة بين العهد وظهور حقيقة الوفاء به.

ففي الدنيا يُمتحن الإنسان في صدقه.

يُمتحن حين يأمره الله بأمر يخالف هواه.

ويُمتحن حين يكون العدل في مصلحة من يخاصمه.

ويُمتحن حين يستطيع الاعتداء على حق غيره دون أن يراه أحد.

ويُمتحن حين تتعارض المصلحة العاجلة مع مقتضيات الإيمان.

ويُمتحن حين يحمل علمًا أو مسؤولية، فيختار بين أداء الأمانة والتنازل عنها.

ثم يأتي يوم الحساب، فلا تنفع فيه الدعاوى المجردة، وإنما ينفع الصادقين صدقهم.

وهنا ينبغي أن نتأمل معنى الصدق في السورة.

فهو ليس مجرد صدق اللسان، مع عظم منزلته، وإنما يشمل صدق الإيمان، وصدق العهد، وصدق العمل، وصدق الشهادة، وصدق الموقف.

وقد يكون الإنسان صادقًا في كلامه، لكنه يحتاج إلى أن يكون صادقًا في التزامه بما يقول.

وقد يعلن انتماءه إلى الدين، لكن حقيقة صدقه تظهر في معاملاته وحقوق الناس عليه.

وقد يتحدث عن العدل، لكن صدقه يظهر حين يملك القدرة على الظلم ثم يمتنع عنه.

وقد يدعو إلى الإصلاح، لكن صدقه يظهر في استعداده لتحمل ما يستطيع من مسؤوليته.

ولهذا فإن السورة لم تجعل الوفاء بالعهد شعارًا، بل وزعته على ميادين الحياة كلها.

فمن العقود إلى المطعومات، ومن الطهارة إلى الصلاة، ومن العلاقات إلى القضاء، ومن حرمة الدماء إلى حماية الأموال، ومن الأيمان إلى الشهادة، ومن الإيمان بالرسل إلى مسؤولية البلاغ.

ثم جاء يوم الحساب ليكشف حقيقة ما كان الإنسان عليه.

وتأمل أن الجزاء لم يقف عند دخول الجنة، بل قال تعالى:

﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119].

وهذه منزلة عظيمة.

فقد عاشوا في الدنيا يطلبون رضوان الله، فكان جزاؤهم أن رضي الله عنهم.

وقد يمر المؤمن في حياته بابتلاءات لا يدرك جميع حكمتها، لكنه إذا ثبت على الإيمان والعمل الصالح، ورزقه الله الفوز في الآخرة، انكشفت له حقيقة ما أعد الله لعباده الصادقين.

ثم يقول تعالى:

﴿ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: 119].

فالفوز الحقيقي ليس مجرد ما يحققه الإنسان من مال أو جاه أو قوة، وإن كانت هذه نعمًا قد ينتفع بها في طاعة الله.

إنما الفوز العظيم أن يلقى الله وقد صدق في إيمانه، وأدى ما استطاع من أمانته، ونال رضوان ربه.

﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المائدة: 120]: الخاتمة التي ترد كل شيء إلى مالكه

ثم تختم السورة بقوله تعالى:

﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: 120] المائدة: 120.

هذه الخاتمة ليست منفصلة عن موضوعات السورة، بل تعيدها جميعًا إلى أصلها الأكبر.

فالله هو مالك السماوات والأرض وما فيهن.

وهو الذي أنزل الوحي، وأكمل الدين، وأتم النعمة، وشرع الأحكام، وأخذ المواثيق، وأرسل الرسل، ويحاسب العباد على ما قدموا.

وقد تكرر تقرير ملك الله وقدرته في مواضع من السورة، ومنها قوله تعالى:

﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المائدة: 40] المائدة: 40.

وها هي السورة تختم بالحقيقة نفسها.

فكأنها تعيد الإنسان بعد كل ما عرضته من أحكام ومواقف إلى السؤال الأول: لمن الملك؟ ومن صاحب الحق في التشريع والحكم؟ وإلى من يكون المرجع والمصير؟

والجواب:

﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ [المائدة: 120].

فإذا كان الله هو المالك، فإن الإنسان مستخلف فيما أعطاه، مسؤول عما استؤمن عليه.

والمال الذي يملكه ليس مبررًا لأكل حقوق الآخرين.

والقوة التي يمتلكها ليست إذنًا بالعدوان.

والعلم الذي يحمله ليس وسيلة لتحريف الحق.

والسلطة التي يتولاها ليست ملكًا مطلقًا يتصرف فيه كما يشاء.

بل كل ذلك أمانات، والإنسان مسؤول عن أدائها.

وهنا يظهر اتصال خاتمة السورة بمطلعها اتصالًا بديعًا.

فقد بدأت بالأمر:

﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].

وختمت بتقرير الملك المطلق لله.

وبين الأمرين عرضت السورة ما يقتضيه الوفاء بعهد الله في حياة الإنسان والمجتمع.

فالوفاء يبدأ من الاعتراف بأن الله هو الرب والمالك والحاكم، ثم يظهر في الاستجابة لأمره، وحفظ حقوق عباده، والعدل في العلاقات، والصدق في الشهادة، والثبات على الحق، حتى يأتي يوم ينفع الصادقين صدقهم.

ختامًا: ماذا تريد سورة المائدة أن تصنع فينا؟

إذا تأملنا سورة المائدة من أولها إلى آخرها، وجدنا أنها لا تقدم لنا مجموعة أحكام متفرقة فحسب، وإنما تبني فينا معنى المسؤولية بعد تمام النعمة.

فقد أنعم الله علينا بالهداية، وأكمل لنا الدين، وأمرنا بالوفاء.

ثم بين أن هذا الوفاء لا يتحقق بمجرد الانتساب إلى الإسلام، وإنما يظهر في تفاصيل الحياة.

فمن الوفاء أن نعبد الله وحده، وألا نغلو في ديننا أو نزيد فيه ما لم يشرعه.

ومن الوفاء أن نحفظ العقود والأمانات، وألا نبيع الحق لمصلحة عابرة.

ومن الوفاء أن نقيم العدل حتى مع من نخاصمهم، وألا نجعل الغضب مبررًا للاعتداء.

ومن الوفاء أن نحفظ الدماء والأموال، وألا نعين على الظلم أو نسكت عن الفساد حين نملك القدرة على مقاومته بالوسائل المشروعة.

ومن الوفاء أن نلتزم الحلال والحرام كما شرعه الله، دون تشدد مبتدع أو تفريط.

ومن الوفاء أن نحفظ أيماننا وشهاداتنا، وأن نرد الحقوق إلى أصحابها.

ومن الوفاء أن نتعامل مع الناس بالعدل، دون أن نذيب عقيدتنا أو نجعل اختلاف الدين سببًا للظلم.

ومن الوفاء أن نتحمل مسؤوليتنا في إصلاح أنفسنا ومجتمعاتنا، دون أن ندعي القدرة على ما لا نملكه.

وهنا تظهر السنن التي عرضتها السورة في سياق واحد.

فالنعمة تقتضي الشكر.

والعهد يقتضي الوفاء.

والعلم يقتضي العمل.

والقوة تحتاج إلى العدل.

والاختلاف لا يبيح الاعتداء.

والفساد إذا تُرك دون مقاومة اتسع أثره.

والصدق لا يكتمل بمجرد القول، بل يظهر في الموقف والعمل.

ثم إن جميع هذه السنن تجري في حياة الإنسان والمجتمعات والدول.

فالأمة التي تريد النهوض لا يكفيها أن تتحدث عن أمجادها، بل عليها أن تؤدي ما تقتضيه النعم التي تملكها من واجبات.

والمجتمع الذي يريد الاستقرار لا يكفيه أن يرفع شعار العدل، بل يحتاج إلى مؤسسات تحفظ الحقوق وتمنع الفساد.

والدولة التي تريد أن تكون أمينة على مصالح شعبها لا يجوز أن تجعل تلك المصالح ذريعة للظلم أو إعانة العدوان.

والفرد الذي يريد أن يكون صادقًا مع الله لا يكفيه أن يعرف الأحكام، بل عليه أن يسأل نفسه كيف يترجمها إلى عمل.

وهنا نعود إلى السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا بعد قراءة السورة:

إذا كان الله قد أتم علينا نعمته، فما الذي فعلناه نحن بهذه النعمة؟

هل جعلنا القرآن مرجعًا لأخلاقنا ومعاملاتنا ومواقفنا؟

هل حفظنا ما استؤمنا عليه من حقوق؟

هل كنا عادلين حين اختلفنا، وصادقين حين وعدنا، وأمناء حين قدرنا؟

وهل أدينا ما نستطيع من واجباتنا تجاه أنفسنا وأسرنا ومجتمعاتنا وأمتنا؟

إن سورة المائدة لا تريد أن نخرج منها بمعرفة ما وقع للأمم السابقة وحدها، بل أن نخرج منها بوعي أعمق بمسؤوليتنا نحن.

فقد قص الله علينا أخبار من أوتوا النعم ثم نقض بعضهم المواثيق، ومن جاءتهم البينات فاستجاب فريق وأعرض آخرون، حتى لا نكرر الأخطاء نفسها ونحن نحمل كتاب الله.

ولذلك فإن أعظم ما ينبغي أن يبقى في قلوبنا بعد هذه الرحلة هو أن العهد الذي بدأ في الدنيا سيأتي يوم يُسأل الإنسان عن صدقه فيه.

وقد افتتحت السورة بقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].

ثم بلغت خاتمتها قوله سبحانه:

﴿هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119].

وبين الآيتين تمتد حياة الإنسان كلها، بما فيها من إيمان وعبادة وعلاقات وحقوق وابتلاءات واختيارات.

فطوبى لمن جعل ما أنعم الله به عليه طريقًا إلى شكره، وما علمه من الحق دافعًا إلى العمل به، وما حمله من أمانة سببًا للوفاء، حتى يلقى ربه وهو يرجو أن يكون من الصادقين.

ونسأل الله أن يجعلنا من أهل الوفاء بعهده، والصدق في إيماننا وأعمالنا، والعدل في مواقفنا، وأن يعيننا على أداء ما استأمننا عليه، وأن يرزقنا رضوانه يوم نلقاه.

والحمد لله رب العالمين.

شارك المقال