سنن التنزيل
مقال

وَهْمُ الأمان… حين نطمئن إلى الأسباب وننسى ربَّ الأسباب

  • 3 دقائق للقراءة
  • 9 آيات

وهم الأمان ينشأ حين تطمئن القلوب إلى كفاية الأسباب وتنسى مدبرها، فيأتي التوجيه القرآني ليحرر يقين الإنسان ويعيد تعليق فؤاده بالله وحده.

نعيش فوق أرض مستقرة، وتحت سماء محفوظة، وبين بيوت نظنها حصونًا، ونملك من العلم والتخطيط ووسائل الحماية ما لم تملكه أجيال قبلنا.

وكل ذلك من نعم الله، والأخذ بالأسباب مما تقوم به الحياة.

لكن الخطر يبدأ حين نطمئن إلى الأسباب حتى تركن إليها القلوب، وننسى أن بقاءها وفاعليتها إنما هو بإذن الله.

فالأرض التي تستقر تحت أقدامنا قد تضطرب في لحظات، والبيوت التي نأوي إليها قد تعجز عن حمايتنا، والأسباب التي أحكمنا إعدادها قد تتعطل في وقت لا نتوقعه.

وحين تتعطل الأسباب، لا يكون شيء قد خرج عن علم الله أو تقديره، وإنما ينكشف للإنسان ضعف ما كان يركن إليه، ويتذكر الحقيقة الكبرى:

﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 154].

وهنا يعيد القرآن بناء مفهوم الأمان في القلب؛ فلا يدعونا إلى ترك الأسباب، وإنما يعلّمنا ألا نركن إليها.

خذ بالأسباب، وأحسن إعدادها، وانتفع بما سخّره الله لك من علم وقدرة ووسائل، لكن لا تجعل قلبك أسيرًا لها.

فالأسباب في أيدينا، والتوكل في قلوبنا، والأمر كله لله.

وهذه سنة تتكرر في القرآن والحياة: أن الإنسان قد يُبتلى فيما ظن أنه موضع أمانه؛ فينكشف له ضعف الأسباب، ويعود القلب من الركون إلى النعمة إلى التعلق بالمنعم.

فالمال قد يمنح صاحبه شعورًا بالطمأنينة، ثم تأتي لحظة لا يغني فيها المال شيئًا.

والقوة قد تمنح شعورًا بالأمان، ثم تنكشف محدوديتها أمام أمر لا تملك دفعه.

والبيت قد يكون موضع السكينة والحماية، ثم يصبح الإنسان في لحظات يبحث عن مأوى.

والصحة قد تصبح نعمة مألوفة، حتى يمس الإنسانَ الضعفُ فيعرف مقدار ما كان فيه.

ويجمع القرآن هذا المعنى في مشهد بالغ الدلالة:

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: 22].

تأمل الانتقال:

ريح طيبة…

وفرح بها…

ثم ريح عاصف…

ثم موج من كل مكان…

ثم:

﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: 22؛ العنكبوت: 65].

لم تكن المشكلة في الفلك، ولا في الريح الطيبة، ولا في الفرح بالنعمة؛ فكلها من أسباب الحياة ونعمها.

لكن الشدة كشفت حقيقة قد تحجبها وفرة الأسباب:

أن الأسباب مهما عظمت تبقى أسبابًا، وأن الأمر كله لله.

ولهذا فإن الابتلاء لا يكشف ضعف الأسباب فحسب، بل يكشف كذلك موضع اعتماد القلب.

وحين تضيق الدوائر، وتسقط الخيارات واحدًا بعد آخر، ويعجز الإنسان عما كان يظنه قادرًا عليه، يبرز السؤال:

على من كان القلب يعتمد؟

وهنا يظهر الفرق بين الأمان ووهم الأمان.

الأمان نعمة من الله نستشعرها ونشكره عليها.

أما وهم الأمان فهو أن نتصور أن ما بين أيدينا من أسباب يكفي وحده لحمايتنا، وأن ما استقر اليوم لا يمكن أن يتغير غدًا.

ولهذا جاء التحذير القرآني:

﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ۝ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ۝ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 97-99].

فالقرآن لا يريد أن يحوّل حياتنا إلى خوف دائم، وإنما يحرر قلوبنا من الطمأنينة الزائفة التي تصنعها وفرة الأسباب.

وقد قص علينا أخبار أمم كانت أشد قوة، وأكثر عمرانًا، ثم لم تمنعها أسبابها حين جاء أمر الله:

﴿فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: 84].

ومن هنا يأتي السؤال الذي ينبغي أن نحمله إلى واقعنا:

هل نملك الأسباب… أم تملكت الأسباب قلوبنا؟

ما أحوجنا إلى هذا السؤال في زمن بلغت فيه وسائل القوة والحماية والتخطيط مبلغًا عظيمًا؛ حتى قد يتسلل إلى النفس أن الإنسان أصبح قادرًا على تأمين حياته بنفسه.

ثم تأتي لحظة واحدة فتتغير الحسابات:

زلزال يهز الأرض.

أو مرض يضعف الجسد.

أو حرب تبدد الأمن.

أو حادث لم يكن في الحسبان.

فتنكشف محدودية الإنسان، ويبقى المعنى القرآني ثابتًا:

﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 154].

ومع ذلك، لا يدعونا القرآن إلى الخوف من النعمة، ولا إلى ترك الدنيا، ولا إلى هجر الأسباب، وإنما إلى تصحيح علاقتنا بها.

فالأمن نعمة تُشكر.

والصحة نعمة تُشكر.

والبيت نعمة تُشكر.

والمال نعمة تُشكر.

والاستقرار نعمة تُشكر، لكن لا تركن إليه القلوب.

وقد لفت القرآن النظر إلى نعمة الأمن فقال:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: 67].

فإذا جاءتك النعمة فاشكر.

وإذا دام الأمن فاحمد.

وإذا تبدلت الأحوال فاصبر.

وإذا تعطلت بعض الأسباب فلا ينقطع رجاؤك.

لأن القلب منذ البداية لم يكن متعلقًا بالسبب، وإنما برب الأسباب.

وهكذا يحررنا القرآن من وهم الأمان، لا ليزرع فينا الخوف، وإنما ليضع الأشياء في مواضعها:

نعمةٌ نشكرها، وسببٌ نأخذ به، واستقرارٌ لا نركن إليه، وقلبٌ يتوكل على الله.

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23].

شارك المقال