سنن التنزيل
دراسةُ سورة الانسان

سورة الإنسان… من العدم إلى الرحمة

  • 7 دقائق للقراءة
  • 31 آيةً

سورة الإنسان ترسم مسار العبد من بداية العدم إلى غاية الرحمة، لتبين أن شكر النعم يكون بالبذل الصادق والصبر الموصول بالذكر والافتقار إلى الله.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

سورة الإنسان… من العدم إلى الرحمة

تبدأ سورة الإنسان قبل أن يبدأ الإنسان نفسه.

﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الانسان: 1].

قبل الاسم، وقبل الصورة، وقبل المال والمنصب والنسب، مرّ على الإنسان حين لم يكن فيه شيئًا مذكورًا.

إنها ضربة مبكرة لأصل الكبر في النفس؛ فكل ما يتباهى به الإنسان جاء بعد زمن لم يكن هو نفسه فيه شيئًا يُذكر.

لكن السورة لا تذكّر الإنسان بأصله لتهينه، بل لتضعه في حجمه، ثم تكشف له مقدار التكريم الذي ناله: خلقه الله، وهيأه، وأعطاه أدوات الإدراك، وهداه الطريق، وجعل لحياته معنى، ولسعيه وزنًا، ولاختياره مصيرًا.

﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الانسان: 2].

وهنا تظهر حقيقة الحياة مبكرًا في كلمة واحدة:

﴿نَّبْتَلِيهِ﴾.

لم تُعطَ السمع والبصر عبثًا، ولم تُمنح العقل والقدرة والمال والعمر بلا غاية؛ كل ما أُعطيتَه يدخل في مادة الامتحان.

ثم يأتي مفتاح السورة:

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الانسان: 3].

لقد دلّه الله على الطريق، ثم أصبح الإنسان مسؤولًا عن موقفه منه.

ومن هنا تبدأ قصة السورة كلها: إنسان، وهداية، وسبيل، واختيار، ثم مصير.

واللافت أن السورة لم تقل: إما مؤمنًا وإما كافرًا، وإنما وضعت أمامنا:

﴿شَاكِرًا﴾ و﴿كَفُورًا﴾.

وكأن القضية ليست فقط: ماذا عرفت؟ بل ماذا فعلت بما أعطاك الله؟

أُعطيت السمع؛ فماذا سمعت؟

وأُعطيت البصر؛ ففي ماذا نظرت؟

وأُعطيت المال؛ فأين وضعته؟

وأُعطيت العمر؛ ففي ماذا أنفقته؟

فالنعمة لا يكتمل معناها بوجودها عندك، وإنما يظهر شكرها في الأثر الذي يخرج منك بها.

ثم يأتي الإجمال في الفريقين، وبعده التفصيل.

أما طريق الكفر فجاء مصيره سريعًا:

﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الانسان: 4].

﴿أَعْتَدْنَا﴾: أعددنا وهيأنا.

فالإنسان ما زال في دار الاختيار، لكن الطريق ليس بلا نهاية.

ثم تنفتح السورة طويلًا على الفريق الآخر:

﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ۝ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الانسان: 5–6].

ولم تبدأ السورة بتفصيل نعيمهم فقط، بل عادت بنا إلى أعمالهم التي أوصلتهم إليه:

﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ۝ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الانسان: 7–8].

يُوفون.

ويخافون.

ويُطعمون.

فالشكر الذي ورد في أول السورة لم يبق كلمة على اللسان، بل تحول إلى حركة في الحياة.

ومن لطائف قوله ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الانسان: 7] أن من حرص على الوفاء بما ألزمه نفسه لله، كان الوفاء بما ألزمه الله به أولى وأعظم.

ثم تبلغ صورة العطاء ذروتها:

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ [الانسان: 8].

فليس الإحسان الحقيقي أن تعطي دائمًا ما استغنيت عنه؛ قد يظهر صدقه حين تعطي مما تحب، أو حين يكون لك فيه حاجة، ومع ذلك ترى حاجة غيرك.

والأعجب أن دائرة الرحمة شملت:

﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الانسان: 8].

فالبر لا يسأل المحتاج أولًا: هل هو من دائرتي؟ بل يرى حاجته وإنسانيته، ويتعامل معها ابتغاء وجه الله.

ثم يكشف القرآن سر العمل الذي لا تستطيع العيون رؤيته:

﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الانسان: 9].

الناس رأوا الطعام يخرج من أيديهم، لكن الله رأى ما في قلوبهم.

وهنا يبلغ الإخلاص منزلة عالية؛ فهم لا ينتظرون مالًا مقابل مال، ولا معروفًا مقابل معروف، بل حتى كلمة «شكرًا» ليست هي التي تحركهم.

وكم تتعبنا في حياتنا دفاتر الحساب الخفية: أحسنت إليه فلم يحفظ إحساني، وقفت معه فلم يقف معي، أعطيته فلم يشكرني.

أما هؤلاء فقد أغلقوا دفتر الحساب مع الناس قبل أن يعطوا:

﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الانسان: 9].

فإذا كان العمل لله، فلماذا يصبح رضا الناس شرطًا لاستمرارنا فيه؟

ثم تكشف السورة ما في قلوبهم:

﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الانسان: 10].

لم يمنعهم الإخلاص من الخوف، ولم يجعلهم إحسانهم آمنين من مكر الله. يعملون ويخافون، ويبذلون ويرجون.

ثم يأتي الجزاء من جنس ما حملته قلوبهم:

﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الانسان: 11].

خافوا اليوم، فوقاهم الله يوم الخوف.

وخافوا يومًا ﴿عَبُوسًا﴾، فلقاهم ﴿نَضْرَةً﴾.

وخافوا يومًا ﴿قَمْطَرِيرًا﴾، فلقاهم ﴿سُرُورًا﴾.

فالخوف الذي قاد إلى الطاعة لم يتركهم الله أسرى له؛ بل انتهى بهم إلى الأمن والسرور.

﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الانسان: 12].

هنا يظهر الثمن الجامع: الصبر.

صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الإيثار، وصبر على الطريق الطويل.

ومن لطائف المقابلة أن وراء مشقة الصبر وحبس النفس جنةً وحريرًا وراحةً ونعيمًا.

ثم تبدأ السورة في تفصيل الجزاء حتى كأنها تدخل بالقارئ إلى المشهد:

﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ۝ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الانسان: 13–14].

في الدنيا كان عليهم أن يصبروا ويجاهدوا أنفسهم ويتحركوا في حاجات الناس، أما هناك فقد دنت الظلال وذُللت القطوف.

ومن ذلَّ لله في دار التكليف أكرمه الله في دار الجزاء بنعيم مذلل لا يحتاج معه إلى عناء.

والجنة ليست مجرد كثرة ما يُعطى، بل زوال ما ينغص العطاء أيضًا:

﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الانسان: 13].

لا حر يؤذي ولا برد يؤلم؛ فالنعيم الكامل ليس أن تملك ما تحب فقط، بل أن يُنزع من حياتك ما ينغصه.

ثم:

﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا ۝ قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الانسان: 15–16].

قوارير من فضة، تجمع من صفات الجمال ما لا نعهده في أواني الدنيا، مقدرة تقديرًا يليق بكمال النعيم.

وفي الدنيا كانوا هم الذين يتحركون إلى المحتاج:

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ [الانسان: 8].

وفي الجنة صار النعيم يتحرك إليهم:

﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِم﴾ [الانسان: 15].

تحركوا لقضاء حاجات عباد الله، فأصبح نعيم الله يطاف به عليهم.

ثم يتنوع الشراب

﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ۝ عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا﴾ [الانسان: 17–18].

بدأ المشهد بـ﴿كَافُورًا﴾، وهنا ﴿زَنجَبِيلًا﴾؛ تنوع في الشراب واللذة والإكرام، فلا رتابة في نعيم الجنة.

ثم تتحرك صورة أخرى:

﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا﴾ [الانسان: 19].

ولم يقل لؤلؤًا منظومًا؛ فالمشهد مشهد حركة وانتشار وطواف، كأن اللؤلؤ قد انتثر في جنبات المكان.

ثم كأن الكلمات نفسها تعجز عن حصر ما هناك:

﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الانسان: 20].

بعد كل ما وصفه القرآن من كأس وعين وظلال وقطوف وقوارير وولدان، لا يزال وراء ذلك:

﴿نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الانسان: 20].

فما سبق لم يكن استيعابًا لكل النعيم، وإنما تقريبًا لما تستطيع لغة الدنيا أن تحمله إلى قلوب أهل الدنيا.

﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ [الانسان: 21].

جمع لهم بين رقة السندس وفخامة الاستبرق، وبين نعومة الملبس وجمال المنظر، ويزيد اللون الأخضر المشهد نضرة وبهجة.

ثم تبلغ السقاية ذروتها:

﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الانسان: 21].

تأمل حركة الشراب في السورة:

﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ [الانسان: 5].

ثم:

﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا﴾ [الانسان: 17].

ثم:

﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الانسان: 21].

وفي الأخيرة انكشف مصدر التشريف، وجاءت كلمة ﴿رَبُّهُمْ﴾ لتعيد الإنسان إلى من رباه منذ أول الطريق.

فالرب الذي خلقه من نطفة، وجعله سميعًا بصيرًا، وهداه السبيل، وأنزل عليه الوحي، هو الذي انتهى به الطريق إلى هذا التكريم:

﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الانسان: 21].

وفي الدنيا:

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ [الانسان: 8].

وفي الآخرة:

﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الانسان: 21].

ما خرج لله لم يضع عند الله.

ثم يأتي التكريم الذي ربما يكون أرق من كثير من صور النعيم:

﴿إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾ [الانسان: 22].

لم يقل فقط إن عملكم قُبل، بل:

﴿سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾ [الانسان: 22].

فالعبد يسعى بتوفيق الله، ثم يتفضل الله فيقبل سعيه، ويثيبه عليه، ثم يشكر له هذا السعي.

وهذا يفتح باب رجاء عظيم: قد تعمل ولا ترى النتيجة، وتزرع ولا تدرك الحصاد، وتحاول إصلاح شيء ولا يكتمل على يديك؛ لكن الله لم يقل: وكانت نتائجكم مشكورة، بل:

﴿وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾ [الانسان: 22].

فلا تحتقر خطوة صادقة في سبيل الله لأن ثمرتها لم تظهر لك.

ثم، بعد هذا المشهد الطويل من الجنة، تعيدنا السورة فجأة إلى الأرض وإلى الطريق:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا ۝ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الانسان: 23–24].

وهنا يظهر زاد الطريق.

خلق الإنسان، ثم هداه السبيل، ثم عرض عليه نهاية الطريق، ثم دلّه على ما يحفظه أثناء السير:

القرآن والصبر

لكن السورة لا تقول له: اصبر، ثم تتركه يبحث وحده عن مصدر الصبر:

﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ۝ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الانسان: 25–26].

فالطريق الثقيل يحتاج إلى زاد ثقيل في الميزان.

حين تثقل الحياة، لا يكون العلاج دائمًا أن تزيد الحركة في الخارج؛ قد تحتاج أن تزيد السجود في الداخل.

وحين تطول المواجهة، لا يكفي أن تقول لنفسك: سأصبر؛ بل اسأل: من أين أستمد الصبر؟

وتجيب السورة: من القرآن، والذكر، والسجود، والليل.

ثم تكشف السورة مرض الفريق الآخر:

﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الانسان: 27].

المشكلة ليست دائمًا أن الإنسان لا يعرف الحق؛ أحيانًا يعرفه، لكن العاجلة أحب إليه.

لذة الآن.

مصلحة الآن.

مال الآن

شهوة الآن.

مدح الناس الآن.

ويترك وراء ظهره:

﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الانسان: 27].

وهذه إحدى مشكلات الإنسان الكبرى: أن يقيس قراراته بما تعطيه في اللحظة، لا بالمكان الذي ستوصله إليه في النهاية.

ولهذا أطالت السورة في وصف الجنة؛ إنها تعيد ترتيب ميزان الزمن في قلب المؤمن: لا تبع الباقي بالعاجل.

ثم يذكّره الله مرة أخرى بأصله:

﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ [الانسان: 28].

بدأت السورة بالخلق، وتعود قرب نهايتها إلى الخلق؛ حتى لا ينسى الإنسان، وهو يمارس اختياره، أن قدرته نفسها عطية من الله.

ثم تعود الكلمة التي بدأت منها الرحلة:

﴿إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الانسان: 29].

في البداية:

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الانسان: 3].

وفي النهاية:

﴿اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الانسان: 29].

الله دلّك على السبيل، وأنت مطالب بأن تتخذه.

وهنا تثبت مسؤولية الإنسان واختياره.

لكن قبل أن يتسلل العجب إلى قلب السائر، تأتي الآية التالية:

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الانسان: 30].

فلا جبر يلغي مسؤوليتك:

﴿فَمَن شَاءَ﴾ [الانسان: 29].

ولا استقلال يجعلك مستغنيًا عن ربك:

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الانسان: 30].

أنت مسؤول عن الطريق، ولكنك مفتقر إلى الله في كل خطوة فيه.

ولهذا لا ينبغي لمن استقام أن ينظر إلى العاصي من علٍ، ولا لمن اهتدى أن يرى الهداية إنجازًا ذاتيًا؛ بل يسأل الله الثبات، ويشكره أن هداه، ويخاف أن يُوكَل إلى نفسه.

ثم تأتي الكلمة التي تنتهي عندها رحلة الأبرار:

﴿يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الانسان: 31].

لم يقل هنا فقط: في جنته.

بل:

﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الانسان: 31].

بدأ الإنسان السورة:

﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الانسان: 1].

وانتهت غاية نجاته:

﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الانسان: 31].

وبين العدم والرحمة كان هناك سبيل وسعي واختيار.

ثم يختم السياق بالوجه الآخر للعدل:

﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الانسان: 31].

وهكذا لا تترك سورة الإنسان قارئها أمام سؤال: من أين جئت فقط؟

بل تضع أمامه السؤال الأهم:

إلى أين أنت ذاهب؟

لقد كنت يومًا لا شيء مذكورًا، ثم خلقك الله، وأعطاك، وسمّعك، وأبصرك، وهداك السبيل.

فلا تجعل النعمة حجة عليك.

ولا تجعل العاجلة تنسيك اليوم الثقيل.

ولا تجعل تأخر الثمرة يوقف سعيك.

ولا تجعل سعيك نفسه يصنع فيك العجب.

خذ زادك من القرآن، واستمد صبرك من الذكر والسجود، وأخرج نعمة الله عليك أثرًا في عباده، وامش في السبيل الذي دلّك عليه.

ففي أول الطريق:

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الانسان: 3].

وفي آخره:

﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الانسان: 29].

وما بينهما هو عمرك كله.

ختامًا

سورة الإنسان تعيد الإنسان إلى حجمه من غير أن تسلبه قيمته، وتمنحه الاختيار من غير أن توهمه الاستقلال، وتدعوه إلى السعي من غير أن تفتح له باب العجب.

كنت لا شيء مذكورًا.

فخلقك الله.

ثم هداك السبيل.

فاسعَ.

وإذا وفّقك للسعي فلا تنسب الفضل إلى نفسك.

وإذا لم تر الثمرة فلا تيأس، فقد يكون سعيك عند الله مشكورًا.

وإذا ثقلت الطريق فعد إلى القرآن والسجود.

وإذا أغرتك العاجلة فتذكر اليوم الثقيل.

وإذا رأيت من نفسك شكرًا وبرًا وصبرًا فلا تقف عند عملك؛ بل ارفع بصرك إلى آخر السورة:

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الانسان: 30].

فأنت منذ أول وجودك إلى آخر نجاتك فقير إليه.

بدأت لا شيء مذكورًا، ولن تبلغ النهاية بسعيك وحده؛ وإنما غاية الطريق أن يدخلك ربك في رحمته.

شارك المقال