سنن التنزيل
دراسةُ سورة البقرة · الجزء 6 من 11

سورة البقرة — المحور السادس: بين دعوى الإصلاح وحقيقة العمل: الاستسلام لله، والابتلاء، ومسؤولية المال والمجتمع

  • 18 دقيقةً للقراءة
  • 21 آيةً

دعوى الإصلاح لا تثبتها بلاغة الأقوال ولا بريق الشعارات، بل يكشفها استسلام العبد لله في ميادين البذل وتحمل الابتلاء وأداء حقوق الضعفاء والمجتمع.

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204] البقرة: 204.

بعد أن بينت السورة حقيقة البر، وعرضت جملة من الأحكام التي تنظم عبادة الإنسان ومعاملاته، تنتقل إلى امتحان آخر من امتحانات الاستجابة: الفرق بين ما يقوله الإنسان وما يفعله.

فقد يتحدث المرء بكلام جميل عن الخير والعدل والإصلاح، ويظهر من الحرص على المصلحة العامة ما يعجب السامعين، ثم تكشف أفعاله خلاف ما يدعيه.

واللافت أن القرآن لا يذم حسن البيان في ذاته، ولا يجعل القدرة على الإقناع دليلًا على النفاق.

فالكلمة الطيبة نعمة، والبيان الصادق من وسائل نشر الحق.

لكن الآية تصف إنسانًا يجمع بين القول الذي يعجب الناس، والخصومة الشديدة التي تكشف جانبًا من حقيقته.

ثم يقول تعالى:

﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205] البقرة: 205.

وهنا ينتقل القرآن من الكلام إلى العمل.

فقد يتحدث الإنسان عن الإصلاح، ثم تكون نتيجة سعيه إفساد الأرض والإضرار بما تقوم عليه حياة الناس.

والحرث والنسل من أعظم مقومات استمرار الحياة؛ فالحرث يتصل بالزرع والمعاش، والنسل يتصل ببقاء الإنسان والحيوان وتكاثر الأحياء.

ولا يلزم أن نحصر دلالة الآية في صورة واحدة من صور الفساد، لكن ينبغي أن نبقى منضبطين بمعناها، وألا نجعلها وصفًا نطلقه على كل مخالف لنا في الرأي.

فالحكم على الأفعال يكون بما يظهر من حقيقتها، أما السرائر فعلمها عند الله.

وهنا يظهر ميزان قرآني نحتاج إليه في حياتنا الفردية والعامة.

فقد يرفع شخص شعار حماية المجتمع، ثم يتعدى على حقوق الناس.

وقد تعلن مؤسسة أنها تعمل للمصلحة العامة، ثم تكشف ممارساتها فسادًا أو استغلالًا.

وقد تتحدث دولة عن الأمن والاستقرار، ثم تتخذ من هذه العناوين غطاءً للاعتداء.

ولا يكفي في هذه الأحوال أن ننظر إلى جمال الشعارات، بل ينبغي أن نزن الأعمال بميزان الحق والعدل.

فالإصلاح لا تثبته الكلمات وحدها، وإنما تظهر حقيقته في الأفعال وآثارها، ومدى موافقتها لأمر الله.

ثم يقول تعالى:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: 206] البقرة: 206.

وهنا تظهر علامة أخرى من علامات الخلل: الاستكبار عن المراجعة.

فالمشكلة لا تقف عند وقوع الخطأ، وإنما تتفاقم حين يرفض صاحبه النصيحة، ويجعل كرامته أو مكانته مانعًا من الاعتراف بما فعل.

وقد يتوهم الإنسان أن التراجع عن الخطأ ضعف، وأن الاعتراف به انتقاص من قدره.

لكن القرآن يعلمنا أن العزة الحقيقية ليست في الإصرار على الباطل.

فمن أعظم ما يحتاج إليه الإنسان أن يستطيع مراجعة نفسه حين يظهر له الحق.

وهذا المعنى يحتاج إليه الفرد في بيته وعمله، كما تحتاج إليه الجماعات والمؤسسات والدول.

فقد تقع الأخطاء في كل تجربة بشرية، لكن القدرة على الاعتراف بها وإصلاحها من أسباب السلامة من تكرارها.

ولا يعني ذلك أن كل من رفض نصيحة معينة مستكبر؛ فقد تكون النصيحة نفسها خاطئة أو مبنية على فهم غير صحيح.

وإنما المذموم أن يمنع الكبر الإنسان من قبول الحق بعدما يتبين له.

ثم تأتي صورة مقابلة:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207] البقرة: 207.

وهنا يظهر الإنسان الذي يجعل مرضاة الله غايته.

ففي مقابل من يستعمل القول الجميل لتحقيق مصلحته ولو أفسد، يأتي من يبذل نفسه وما يملك ابتغاء مرضاة الله.

والتعبير القرآني يكشف اختلاف الميزان الذي يحكم الاختيار.

فالأول يجعل مصالحه وأهواءه مقدمة على الحق.

أما الثاني فيجعل مرضاة الله هي الغاية التي يزن بها مواقفه.

ولا ينبغي أن نحصر بذل النفس في صورة واحدة من صور التضحية، أو نجعله دعوة إلى إهدار الحياة.

فبذل النفس لله يشمل ما شرعه الله من وجوه الطاعة والتضحية، ويكون وفق أحكامه وحدوده.

وقد يضحي الإنسان بماله أو راحته أو بعض مصالحه المشروعة حين يتعين عليه واجب، كما قد يبذل نفسه في موضع مشروع تقتضيه أحكام الشريعة.

لكن العبرة أن يكون العمل لله، وأن تكون الوسيلة مشروعة، لا أن يكتفي الإنسان بحسن النية لتبرير ما يفعل.

ثم يقول تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 208] البقرة: 208.

وهنا يأتي الأمر الجامع بعد عرض النموذجين.

فالمؤمن مطالب بأن يدخل في الإسلام دخول استجابة والتزام، لا أن ينتقي من هدايته ما يوافق هواه ويترك ما يخالفه.

وقد سبق أن حذرت السورة من الانتقائية في التعامل مع الكتاب:

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85] البقرة: 85.

والآن يأتي الأمر للمؤمنين بالدخول في السلم كافة.

وهنا ينبغي أن نفهم شمول الإسلام فهمًا صحيحًا.

فهو لا يعني أن كل مسألة من مسائل الحياة لها حكم تفصيلي منصوص عليه بالاسم، ولا أن الاجتهاد البشري في شؤون الدنيا يصبح محرمًا.

وإنما يعني أن المؤمن لا يجعل جانبًا من حياته مستثنى من طاعة الله وحدوده.

ففي عبادته يلتزم أمر الله.

وفي ماله يتحرى الحلال ويؤدي الحقوق.

وفي أسرته يلتزم العدل والإحسان.

وفي علاقاته لا يبيح لنفسه الغش أو الظلم.

وفي مواقفه العامة لا يجعل المصلحة ذريعة لإسقاط ما أوجب الله عليه.

فالإسلام ليس شعائر تؤدى في أوقات محددة ثم تُعطَّل هدايته عند التعامل مع الناس، وإنما استسلام لله يظهر أثره في الحياة كلها.

ثم يقول تعالى:

﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 209] البقرة: 209.

وهنا يأتي التحذير من الزلل بعد ظهور البينات.

فالعلم بالحق يزيد مسؤولية الإنسان عن موقفه منه.

لكن وقوع المؤمن في معصية لا يعني أن باب التوبة قد أغلق أمامه؛ فقد قررت السورة من قبل أن الله هو التواب الرحيم.

وإنما الآية تحذر من الاستهانة بمخالفة أمر الله بعد وضوحه.

ثم يقول تعالى:

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: 210] البقرة: 210.

وهنا ينتقل الخطاب إلى مشهد من مشاهد الغيب والجزاء.

فنؤمن بما أخبر الله به على الوجه اللائق بجلاله، دون أن نخوض في كيفية ما لم يبين لنا كيفيته.

والعبرة الظاهرة أن الإنسان لا ينبغي أن يؤخر الاستجابة حتى يأتي وقت ينتهي فيه مجال الاختيار والعمل.

فما دام باب التوبة والعمل مفتوحًا، فالمطلوب أن يستجيب للحق.

ثم يقول تعالى:

﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: 211] البقرة: 211.

وهنا تعود السورة إلى تجربة بني إسرائيل.

لكن العودة ليست تكرارًا لمجرد السرد التاريخي، وإنما تذكير بخطورة تبديل نعمة الهداية بعد وصولها.

فقد يرى الإنسان الآيات ويعرف الحق، ثم لا يؤدي ذلك إلى الاستجابة إذا غلبه الهوى أو الكبر.

وهذا المعنى يتصل بما بدأ به هذا المقطع من الفرق بين القول والعمل.

فالنعمة ليست في امتلاك المعرفة وحدها، وإنما في الانتفاع بها.

ثم يقول تعالى:

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: 212] البقرة: 212.

وهنا يظهر خطر الاغترار بالدنيا.

فقد يظن الإنسان أن كثرة المال والقوة والمكانة دليل على صحة طريقه، ثم يحتقر من لا يملك مثل ما يملك.

لكن القرآن يعيد الميزان إلى الآخرة.

فالمكانة الحقيقية عند الله لا تقاس بما يجمعه الإنسان من متاع الدنيا.

ولا يعني ذلك ذم الغنى في ذاته، أو جعل الفقر دليلًا على التقوى.

فقد يكون الغني مؤمنًا شاكرًا، وقد يكون الفقير بعيدًا عن الطاعة.

وإنما المذموم أن تصبح الدنيا غاية الإنسان، وأن يتخذ ما يملك سببًا للكبر والسخرية من المؤمنين.

ثم يقول تعالى:

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 213] البقرة: 213.

وهنا يتسع المشهد من تجربة أمة بعينها إلى تاريخ الإنسان مع الوحي.

فقد بعث الله النبيين، وأنزل معهم الكتاب بالحق، ليكون الوحي مرجعًا في بيان الحق والفصل فيما اختلف فيه الناس.

ثم يقول تعالى:

﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: 213].

وهنا يذكر القرآن صورة من الاختلاف الناشئ عن البغي بعد ظهور البينات.

ولا يعني ذلك أن كل اختلاف بين الناس سببه البغي؛ فهناك اختلاف ناشئ عن تفاوت الفهم أو نقص العلم أو الاجتهاد في المسائل المحتملة.

لكن الآية تحذر من الاختلاف الذي لا يكون سببه طلب الحق، وإنما المنافسة والعدوان والهوى.

وهذا من أخطر ما يفسد الحياة العلمية والدينية.

فقد يتحول الخلاف من بحث عن الصواب إلى صراع على المكانة والانتصار للنفس.

وقد يرفض الإنسان قولًا صحيحًا لأنه صدر ممن يختلف معه.

وهنا يحتاج المؤمن إلى مراجعة قصده قبل أن يراجع حجة خصمه.

ثم يقول تعالى:

﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213].

وهنا يظهر أن الهداية فضل من الله، وأن المؤمن يحتاج إلى طلبها منه حتى وهو يملك أسباب العلم والنظر.

فليس كل من جمع الأدلة أحسن فهمها، ولا كل من تكلم باسم الحق أصابه.

ولهذا ينبغي أن يجتمع طلب العلم مع الإخلاص والتواضع والدعاء.

ثم تأتي آية عظيمة في الابتلاء:

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214] البقرة: 214.

وهنا يعود القرآن إلى سنة الابتلاء، لكنه يعرض صورة شديدة من صورها.

فقد أصابت المؤمنين السابقين البأساء والضراء، وبلغت الشدة بهم مبلغًا عظيمًا.

واللافت أن الآية تذكر سؤال الرسول والذين آمنوا معه:

﴿مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 214].

وهذا يبين أن شدة البلاء قد تبلغ بالمؤمنين مبلغًا يتطلعون فيه إلى نصر الله وفرجه.

ولا ينبغي أن نفهم هذا السؤال على أنه فقدان للإيمان بوعد الله، وإنما هو تعبير عما بلغته الشدة من مبلغ.

ثم يأتي الجواب:

﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214].

وهذا وعد يثبت القلوب، لكنه لا يبيح لنا تحديد موعد معين للنصر في واقعة معاصرة، ولا الجزم بأن كل مواجهة ستنتهي بالصورة التي نرجوها.

فقرب نصر الله حق في سياق وعده، لكن تفاصيل ما يقدره سبحانه ومواعيده ليست إلينا.

ومن هنا ينبغي أن نميز بين اليقين بوعد الله وبين ادعاء العلم بالغيب.

وقد يتعرض الإنسان أو المجتمع لبلاء طويل، فيظن بعض الناس أن استمرار البلاء دليل على تخلي الله عنه.

لكن القرآن يذكر أن المؤمنين السابقين ابتلوا ابتلاء شديدًا، وأنهم ظلوا متعلقين بنصر الله.

وهذا لا يعفيهم من العمل، ولا يجعل مجرد الصبر سببًا آليًا لتحقيق النتيجة التي يريدونها.

فالنصر له سننه وأسبابه التي بينها الله، والعبد مأمور بالإيمان والطاعة والإعداد وبذل ما يستطيع من أسباب مشروعة.

فالثقة بوعد الله لا تعني معرفة موعد تحققه، كما أن انتظار الفرج لا يعني التوقف عن العمل.

ثم تنتقل السورة إلى سؤال عملي:

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 215] البقرة: 215.

وهنا يأتي الحديث عن الإنفاق بعد آية الابتلاء.

وهذا الانتقال يلفت النظر إلى أن مواجهة الشدائد لا تكون بالكلمات والمشاعر وحدها، وإنما تحتاج إلى أعمال يتحمل بها الناس مسؤولياتهم تجاه بعضهم.

فالإنفاق من أبواب الخير التي يظهر فيها صدق الإيمان.

واللافت أن القرآن يذكر جهات تستحق العناية، ويبدأ بالوالدين والأقربين، ثم اليتامى والمساكين وابن السبيل.

وهذا يقرر أن مسؤولية الإنسان عن الخير تبدأ من الحقوق القريبة التي لا يجوز إهمالها، ثم تمتد إلى المحتاجين بحسب ما شرعه الله.

وقد ينشغل الإنسان بمشروعات بعيدة، بينما يقصر في حق والديه أو من تلزمه نفقتهم.

وقد يكتفي بالعناية بأسرته، ثم يغفل عن حاجات المجتمع التي يستطيع الإسهام فيها.

والقرآن يوجهه إلى أداء الحقوق ووضع المال في مواضعه.

ثم يقول تعالى:

﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 215].

وهنا يعود التذكير بعلم الله.

فقد يقدم الإنسان خيرًا لا يعرفه الناس، أو يبذل مالًا لا يراه أحد، لكن الله يعلمه.

وهذا يحرر المؤمن من جعل ثناء الناس غايته في العمل.

ثم يقول تعالى:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216] البقرة: 216.

وهنا يأتي الحديث عن القتال وما فيه من مشقة على النفوس.

فالقرآن لا يصوره أمرًا خاليًا من الألم أو التكاليف، بل يقرر أن النفوس تكرهه لما فيه من خطر وفقد ومشقة.

لكن الإنسان قد يكره أمرًا يكون في امتثاله خير له، وقد يحب أمرًا يكون في عاقبته شر.

وهذه الآية تقرر محدودية علم الإنسان بالمآلات.

لكن ينبغي ألا نستعملها لتبرير كل قرار مؤلم أو كل عمل يوقع الضرر بالناس، فنزعم أن ما نفعله خير لهم لمجرد أنهم يكرهونه.

فالآية وردت في سياق تكليف شرعي، ولا تعفي من التحقق من مشروعية الفعل وصحة الوسيلة وتقدير المصلحة بحسب ما أمر الله به.

ولا يجوز أن نجعل جهلنا بالمستقبل مبررًا لإهمال التفكير أو تعطيل المسؤولية.

بل المؤمن مأمور بأن يتعلم ويستشير ويقدر العواقب ويبذل الأسباب، ثم يتوكل على الله.

ثم يقول تعالى:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 217] البقرة: 217.

وهنا يعالج القرآن مسألة القتال في الشهر الحرام، ويقرر عظم حرمته، ثم يبين أن الصد عن سبيل الله والإخراج من المسجد الحرام والفتنة المذكورة في السياق أعظم عند الله.

ولا يجوز أن نستعمل المقارنة بين الجرائم لإباحة الاعتداء أو إلغاء حرمة الدماء.

كما ينبغي أن يُفهم معنى الفتنة في ضوء سياق الآية وتفسيرها، لا أن يُجعل عنوانًا عامًا نبرر به أي استعمال للقوة.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217].

وهنا يذكر القرآن حال من يقاتلون المؤمنين لردهم عن دينهم.

ثم يحذر من الردة والموت على الكفر.

والعبرة أن الإيمان ليس أمرًا هامشيًا في حياة المؤمن، وأن المحافظة عليه من أعظم مسؤولياته.

لكن هذا لا يعني أن نحكم على أشخاص معينين بالكفر أو الردة دون علم وضوابط شرعية.

ثم يقول تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 218] البقرة: 218.

وهنا يجمع القرآن بين الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله، ثم يذكر الرجاء في رحمة الله.

واللافت أنه لم يجعل الأعمال سببًا للعجب أو الشعور بالاستغناء عن رحمة الله.

بل قال:

﴿أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 218].

وهذا يعيدنا إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حين رفعا قواعد البيت ودعوا:

﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: 127].

فالمؤمن يبذل ويعمل، لكنه لا يجعل عمله سببًا للاغترار بنفسه.

ثم يقول تعالى:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219] البقرة: 219.

وهنا يعالج القرآن مسألتين تتصلان بحياة الإنسان وماله وعقله: الخمر والميسر.

واللافت أن الآية تقر بوجود منافع للناس فيهما، لكنها تقرر أن إثمهما أكبر من نفعهما.

وهذا يعلمنا أن وجود منفعة في شيء لا يكفي وحده للحكم بمشروعيته.

فقد تكون فيه مكاسب مالية أو منافع عاجلة، لكن أضراره ومفاسده أعظم.

وقد جاء تحريم الخمر والميسر بصورة قاطعة في سورة المائدة، فلا ينبغي أن نعرض هذه الآية وحدها وكأنها آخر ما تقرر في حكمهما.

ومن هدايات الآية أن المؤمن لا يجعل الربح المادي وحده ميزانًا لتقييم الأفعال.

فقد يكون نشاط ما مربحًا لبعض الناس، لكنه يقوم على استغلال الآخرين أو إفساد حياتهم.

وقد يحقق فرد منفعة عاجلة، لكنه يدفع ثمنها من عقله أو ماله أو أسرته.

ولهذا يحتاج الإنسان إلى النظر في حقيقة المصالح والمفاسد، لا إلى الاكتفاء بما يظهر له من مكسب قريب.

ثم يأتي السؤال عن الإنفاق:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] البقرة: 219.

وهنا يوجه القرآن إلى الإنفاق مما يفضل عن الحاجة على وجه لا يضيع به الإنسان الحقوق الواجبة عليه.

وتفاصيل الواجب والمستحب في الإنفاق تضبطها سائر النصوص وأحكام الشريعة.

لكن المعنى الذي يظهر هنا أن المال ينبغي ألا يبقى حبيس تعلق الإنسان به، وأن ينظر فيما يستطيع بذله من خير.

ثم يقول تعالى:

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ۝ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: 217، 219–220، 266] البقرة: 219–220.

وهنا يأتي الأمر بالتفكر في الدنيا والآخرة.

فالإنسان لا ينبغي أن ينظر إلى أفعاله من زاوية نتائجها العاجلة وحدها، بل عليه أن يستحضر أثرها في دنياه ومآله عند الله.

وهذا المعنى يجمع ما سبق من الحديث عن الإنفاق والقتال والخمر والميسر.

فقد يختار الإنسان ما يحقق له راحة عاجلة، لكنه يضيع به حقًا أو يرتكب إثمًا.

وقد يتحمل مشقة في أداء واجب، فيكون في امتثاله خير لا يدركه من أول الأمر.

ثم يقول تعالى:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220] البقرة: 220.

وهنا تنتقل السورة إلى فئة تحتاج إلى عناية خاصة: اليتامى.

فاليتيم قد يفقد من يحمي مصالحه ويرعى شؤونه، وقد يصبح ماله عرضة للاستغلال.

ولهذا يقرر القرآن أن الإصلاح لهم خير.

ثم يرفع الحرج عن مخالطتهم على وجه مشروع، ويذكر رابطة الأخوة.

وهنا تظهر رحمة الشريعة وتوازنها.

فالمطلوب حماية مال اليتيم وحقوقه، لكن هذه الحماية لا ينبغي أن تتحول إلى عزله عن الحياة الأسرية والاجتماعية أو الامتناع عن رعايته خوفًا من المسؤولية.

وإنما العبرة بالإصلاح وحفظ الحقوق.

ثم يقول تعالى:

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220].

وهذه العبارة تعيدنا إلى مطلع هذا المقطع.

فقد بدأ الحديث عن إنسان يعجب الناس قوله، لكنه يسعى في الأرض فسادًا.

والآن يقرر القرآن أن الله يعلم المفسد من المصلح.

وهنا يظهر أن دعوى الإصلاح لا تكفي، كما أن مجرد مخالطة مال اليتيم لا تعني الفساد إذا كانت وفق ما شرعه الله.

فالميزان هو حقيقة العمل ومقصده وما يترتب عليه من حفظ الحقوق أو إضاعتها.

ثم يقول تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 220].

وهنا تظهر رحمة الله في التشريع.

فقد كان يمكن أن تأتي الأحكام بما يشق على الناس مشقة عظيمة، لكن الله شرع لهم ما تقوم به مصالحهم وتحفظ به حقوق الضعفاء.

وهذا لا يعني أن كل تكليف سهل على كل إنسان في جميع أحواله، وإنما أن الشريعة قائمة على حكمة الله ورحمته، وأن ما شرعه من التيسير والرخص ينبغي أن يفهم في مواضعه.

وبذلك تتصل آيات هذا المقطع في بناء واحد.

فقد بدأت بكشف التناقض بين القول والعمل، ثم عرضت نموذج من يبذل نفسه ابتغاء مرضاة الله.

ثم جاء الأمر بالدخول في الإسلام كافة، والتحذير من اتباع خطوات الشيطان.

ثم ذكرت السورة خطر الاغترار بالدنيا، والاختلاف الناشئ عن البغي، وشدة الابتلاء الذي قد يواجه المؤمنين.

ثم انتقلت إلى الإنفاق والقتال وأحكامه، وإلى الخمر والميسر، ثم إلى رعاية اليتامى.

وفي جميع ذلك يظهر أن صدق الإيمان لا يُختبر في الشعارات وحدها، وإنما في المواقف التي تتعارض فيها الأهواء والمصالح مع حقوق الله وحقوق الناس.

فقد يكون الإنسان بليغًا في الحديث عن العدل، لكن امتحانه الحقيقي حين يملك القدرة على الظلم.

وقد يتحدث عن الرحمة، لكن امتحانه حين يصبح مسؤولًا عن ضعيف لا يستطيع الدفاع عن حقه.

وقد يرفع شعار التضحية، لكن امتحانه حين يطلب منه أن يبذل من ماله أو جهده فيما أوجب الله عليه.

وقد يدعو إلى الإصلاح، لكن امتحانه حين يُنصح بخطأ وقع فيه، فيختار بين الاعتراف والإصرار.

وهكذا لا تكتفي السورة بأن تعلم المؤمن ما يقول، بل تربيه على أن يكون قوله مطابقًا لعمله.

ومن هنا تنتقل إلى ميدان آخر من ميادين الابتلاء العملي: الأسرة.

فالزواج والطلاق والعلاقة بين الزوجين وحقوق الأبناء ليست شؤونًا منفصلة عن التقوى، بل هي من أكثر المواضع التي يظهر فيها صدق الإنسان وعدله، خاصة حين تتغير المشاعر أو تنشأ الخصومات.

ولهذا يأتي قوله تعالى:

﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] البقرة: 221.

فتبدأ السورة في بيان أحكام الأسرة، لتقرر أن بناء البيت المسلم ليس مجرد علاقة عاطفية أو اجتماعية، وإنما مسؤولية تقوم على الإيمان والحقوق والعدل والإحسان.

شارك المقال