سورة البقرة — المحور الرابع: الصبر والابتلاء والتوحيد: كيف تُبنى الأمة على الثبات، وتتحرر من اتباع الهوى وكتمان الحق؟
ثبات الأمة في مواجهة الابتلاءات يتأسس على الاستعانة بالصبر والصلة بالله، وتجريد التوحيد الذي يحررها من التبعية العمياء وكتمان الحق لأجل المنافع العاجلة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153] البقرة: 153.
بعد أن قررت السورة مسؤولية الأمة الوسط في حمل الهداية والشهادة على الناس، وذكّرتها بنعمة إرسال الرسول وتعليم الكتاب والحكمة، تنتقل إلى ما تحتاج إليه هذه الأمة لتثبت على الطريق.
فالهداية لا تعني أن حياة المؤمن ستكون خالية من المشقة، كما أن حمل الحق لا يعفي أصحابه من الابتلاء.
ولهذا يأتي الأمر بالاستعانة بالصبر والصلاة.
واللافت أن القرآن لا يكتفي بالأمر بالصبر، وإنما يأمر بالاستعانة به، وبالصلاة التي تصل العبد بربه.
فالصبر ليس مجرد احتمال للألم، وإنما ثبات على ما أمر الله به، وكف للنفس عما حرم، واحتمال لما يقدره الله من ابتلاء، مع بذل الأسباب المشروعة.
أما الصلاة فهي عبادة يتجدد فيها افتقار الإنسان إلى ربه، ويستمد منها العون على أداء ما كلفه الله به.
وقد يقول الإنسان إنه يؤمن بالله، لكنه حين تواجهه الشدائد يعتمد على قدرته وحدها، أو يظن أن انقطاع الأسباب الظاهرة يعني انقطاع الرجاء.
والقرآن يعيد المؤمن إلى أصل لا ينبغي أن يغيب عنه:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].
وهذه معية خاصة تليق بالله، تقتضي عونه وتأييده للصابرين، لكنها لا تعني أن كل ما يتمناه الإنسان سيتحقق في الصورة أو الوقت الذي يختاره.
فقد يصبر المؤمن ويستمر بلاؤه، وقد يبذل الأسباب ثم تتأخر الثمرة التي يرجوها.
لكن تأخر ما يرجوه لا يبطل قيمة الصبر، ولا يعني أن الله تركه.
فالصبر ليس انتظارًا سلبيًا لتغير الظروف، وإنما ثبات على طاعة الله مع العمل بما نستطيع من أسباب.
ثم يقول تعالى:
وهنا ينتقل القرآن إلى صورة من أشد صور الابتلاء: فقد الحياة في سبيل الله.
فقد يرى الناس إنسانًا قُتل، فينتهي عندهم المشهد بموته، لكن القرآن يخبر عن حياة أثبتها الله لمن قُتل في سبيله.
وهذه حياة غيبية لا نحيط بكيفيتها، ولا ندرك حقيقتها بحواسنا.
ومن هنا يعلمنا القرآن ألا نحصر الوجود فيما نشاهده من أحوال الدنيا.
لكن ينبغي أن نميز بين الإيمان بما وعد الله به من قُتل في سبيله، وبين الجزم بالمصير الأخروي لشخص معين لمجرد مقتله؛ فالله أعلم بالنيات والحقائق التي لا يحيط بها البشر.
كما أن تعظيم منزلة من قُتل في سبيل الله لا يعني التهوين من حرمة الدماء، أو التساهل في تعريض النفوس للهلاك بغير حق.
فالحياة أمانة، وحفظها من مقاصد الشريعة، وبذلها لا يكون محمودًا إلا فيما شرعه الله.
ثم يقول تعالى:
وهنا يقرر القرآن أن الابتلاء واقع في حياة المؤمنين.
واللافت تنوع صوره.
فقد يكون بالخوف الذي يهدد أمن الإنسان وطمأنينته.
وقد يكون بالجوع الذي يمس حاجاته الأساسية.
وقد يكون بنقص الأموال، أو فقد الأحبة، أو تلف الثمرات ومصادر الرزق.
وهذه صور يعرفها الإنسان في حياته الفردية، كما تعرفها المجتمعات والأمم.
لكن القرآن لا يجعل وقوع البلاء دليلًا قاطعًا على غضب الله على صاحبه، ولا يجعل سلامة الإنسان من البلاء دليلًا على أنه أفضل عند الله من المبتلى.
فالابتلاء أوسع من العقوبة، وقد يكون امتحانًا للصبر والإيمان، أو تكفيرًا للذنوب، أو رفعًا للدرجات، والله أعلم بحكمة ما يقدره على كل عبد.
وهنا ينبغي أن نحذر من خطأ يقع فيه بعض الناس حين يرون مصابًا فيسارعون إلى تفسير مصيبته بأنها نتيجة ذنب ارتكبه.
فليس لنا أن نجزم بذلك دون دليل.
وكذلك لا يجوز أن يتحول الحديث عن الابتلاء إلى تبرير للظلم.
فمن اعتدى على الناس أو تسبب في تجويعهم أو سلب حقوقهم، فهو مسؤول عن فعله، ولا تسقط مسؤوليته لأن ما أصاب المظلومين وقع في قدر الله.
فالابتلاء لا يبرئ الظالم، والصبر لا يلغي حق المظلوم في دفع الظلم وطلب العدل.
ثم تأتي البشارة:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
وهنا يلفت القرآن النظر إلى موقف الإنسان من البلاء، لا إلى حجم البلاء وحده.
ثم يصف الصابرين:
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156] البقرة: 156.
وهذه الكلمات ليست مجرد عبارة تقال عند سماع خبر الوفاة، وإن كانت من أعظم ما يقال عند المصيبة.
إنها إعلان لحقيقة الوجود الإنساني.
﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 156].
فنحن ملك لله، خلقنا ورزقنا وأعطانا ما نملك من قدرات ونعم.
﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156].
فحياتنا ليست نهاية الطريق، وإنما نحن راجعون إليه للحساب والجزاء.
وهذا اليقين لا يلغي الحزن الإنساني، ولا يمنع الدموع أو الألم.
فالصبر لا يعني أن يصبح الإنسان بلا مشاعر، وإنما أن يبقى ملتزمًا بما يرضي الله وهو يواجه ما يؤلمه.
وقد يفقد الإنسان عزيزًا، أو يخسر مالًا، أو يتعرض لظلم، فيحزن ويتألم، لكنه لا يجعل المصيبة سببًا للاعتراض المحرم على الله أو التعدي على حقوق الآخرين.
وهنا تظهر ثمرة الإيمان بالآخرة التي ذكرتها السورة في صفات المتقين.
فمن أيقن بالرجوع إلى الله، لم يجعل الدنيا نهاية آماله، ولم ينظر إلى المصيبة بمعزل عن وعد الله وحسابه.
ثم يقول تعالى:
﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 157] البقرة: 157.
وهنا تأتي ثمرة الصبر: صلوات من الله ورحمة وهداية.
واللافت أن القرآن لم يعد الصابرين في هذه الآية بزوال كل مصيبة خلال مدة معينة، وإنما ذكر ما هو أعظم وأبقى من ذلك: رحمة الله وهدايته.
وهذا يصحح فهمنا للفرج.
فقد يكون من رحمة الله أن يرفع البلاء، وقد يكون من رحمته أن يثبت عبده فيه، ويعينه على تجاوزه، ويفتح له أبوابًا من الخير لم يكن يراها.
ولا نملك أن نجزم بصورة معينة لما سيقدره الله.
لكننا نملك أن نثق بوعده، وأن نعمل بما أمر به.
ثم تنتقل السورة إلى شعيرتين من شعائر الحج والعمرة:
وقد بيّن التفسير النبوي أن بعض المسلمين تحرجوا من السعي بين الصفا والمروة لما ارتبط بهما من ممارسات سابقة في الجاهلية، فجاءت الآية ترفع هذا الحرج وتقرر أنهما من شعائر الله.
ولا يعني قوله:
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 158]
أن السعي مجرد أمر مباح يستوي فعله وتركه؛ فقد بينت السنة منزلته في النسك.
وهنا يظهر أصل مهم في فهم التشريع: أن الألفاظ تُفهم في سياقها، وفي ضوء البيان النبوي ومجموع النصوص.
ثم يقول تعالى:
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158].
وهنا يظهر اسم الله الشاكر العليم.
فالله يعلم ما يبذله عباده من أعمال الخير، ولا يضيع عنده ما أخلصوا فيه له.
وقد يعمل الإنسان عملًا لا يراه الناس، أو يقدم معروفًا لا يجد عليه شكرًا منهم، لكن علم الله به كافٍ ليطمئن إلى أن الخير لا يضيع عند ربه.
ثم تنتقل السورة إلى قضية شديدة الصلة بما سبق من الحديث عن الوحي والهداية:
وهنا يعود القرآن إلى خطر كتمان الحق.
وقد سبق أن حذر بني إسرائيل بقوله:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42] البقرة: 42.
لكن التحذير هنا يأتي بصيغة عامة تكشف خطورة كتمان ما يجب بيانه من البينات والهدى.
وهذا المعنى يحتاج إليه كل من تحمل مسؤولية علمية أو دعوية أو تعليمية.
فقد يملك الإنسان علمًا يحتاج الناس إليه، ثم يكتمه خوفًا على مكانته أو حرصًا على مصلحة.
وقد يبين بعض الحق ويخفي بعضه حتى لا يخسر رضا جهة أو جماعة.
لكن ينبغي أن نفرق بين الكتمان المحرم وبين التثبت العلمي، أو تأخير البيان لاعتبار مشروع، أو الامتناع عن الكلام فيما لا يعلمه الإنسان.
فليس كل صمت كتمانًا للحق.
كما أن الكلام بغير علم ليس شجاعة في البيان.
والأمانة العلمية تقتضي أن نبين ما نعلمه بحق، وأن نعترف بما لا نعلمه، وألا ننسب إلى الله ما لم يقله.
ثم يقول تعالى:
وهنا يظهر أن باب التوبة مفتوح حتى بعد هذا الذنب العظيم.
لكن اللافت أن التوبة اقترنت بالإصلاح والبيان.
فمن كان فساده في كتمان الحق، فإن من مقتضيات توبته أن يصلح ما أفسده، وأن يبين ما كتمه حيث يلزمه البيان.
وهذا معنى يتجاوز مجرد الندم الداخلي.
فقد يرتكب الإنسان خطأ يضر غيره، ثم يندم عليه، لكن آثار الخطأ تبقى قائمة.
وهنا لا يكفي أن يقول إنه تاب، إذا كان قادرًا على إصلاح الضرر أو رد الحق إلى أصحابه ولم يفعل.
ومن هدايات الآية أن التوبة الصادقة تقتضي معالجة آثار الذنب بحسب القدرة والحكم الشرعي.
ثم يقول تعالى:
ثم يقول:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: 162] البقرة: 162.
وهنا يعود القرآن إلى عاقبة الكفر والموت عليه.
فالحديث ليس عن مجرد وقوع الإنسان في ذنب، وإنما عن الكفر الذي يموت صاحبه عليه.
وهذا يذكرنا بأن باب التوبة مفتوح ما دام الإنسان في زمن قبولها، وأن الواجب ألا يؤخر الرجوع إلى الله اعتمادًا على طول الأمل.
ثم تأتي الآية الجامعة:
﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163] البقرة: 163.
وهنا يعود القرآن إلى أصل الأصول: توحيد الله.
فبعد الحديث عن الابتلاء والعبادة وكتمان الحق والتوبة والجزاء، يقرر أن الإله الحق واحد.
واللافت اقتران التوحيد باسمي الرحمن الرحيم.
فالله الذي أمر عباده ونهاهم، وحذرهم من الكفر والعصيان، هو الرحمن الرحيم.
ولا تعارض بين رحمته وعدله، ولا بين مغفرته وعقابه.
فكل ذلك من كماله سبحانه.
ثم يفتح القرآن أمام الإنسان باب النظر في الكون:
وهنا يعرض القرآن مشاهد متعددة من الكون والحياة.
خلق السماوات والأرض.
وتعاقب الليل والنهار.
والسفن التي تجري في البحر بما ينفع الناس.
والماء الذي ينزل من السماء فتحيا به الأرض.
والمخلوقات التي بثها الله فيها.
والرياح والسحاب.
وهذه كلها آيات تدعو إلى التفكر.
واللافت أن القرآن يختمها بقوله:
﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164].
فالعقل ليس خصمًا للوحي، وإنما هو من النعم التي وهبها الله للإنسان ليتفكر في خلقه ويعتبر بآياته.
ولا ينبغي أن نجعل الإيمان بالله بديلًا عن البحث في الأسباب التي أودعها في الكون.
فالسفن تجري بما هيأ الله من أسباب، والماء ينزل وفق ما قدره من نظام، والنبات ينمو بما خلقه من خصائص.
ومعرفة هذه الأسباب لا تلغي دلالتها على خالقها.
بل يمكن أن تزيد الإنسان إدراكًا لعظمة الخلق ودقة النظام.
لكن المشكلة حين يقف الإنسان عند الأسباب، ثم ينسى من خلقها وسخرها.
فقد يتقدم في العلوم، ويكتشف كثيرًا من قوانين الكون، لكنه يظن أن معرفته بهذه القوانين جعلته مستغنيًا عن الله.
وهنا يعيده القرآن إلى حقيقة الافتقار.
فالإنسان يستعمل ما خلق الله، ويتعلم من سننه في الكون، لكنه لا يملك أصل الخلق ولا يستقل بإيجاد الأسباب.
والعلم الذي يكشف لنا كيف تجري الأشياء لا ينبغي أن يحجب عنا السؤال عمن خلقها وقدرها.
ثم يقول تعالى:
وهنا ينتقل القرآن من آيات التوحيد في الكون إلى أثر التوحيد في القلب.
فالقضية ليست مجرد الاعتراف بأن الله خلق السماوات والأرض، وإنما أن يكون الله وحده المستحق للعبادة، وأن تكون محبته في قلب المؤمن أعظم المحاب.
ولا يعني ذلك أن المؤمن لا يحب أهله أو وطنه أو سائر ما أباح الله له حبه.
لكن هذه المحاب لا يجوز أن تتحول إلى أنداد لله، أو أن تدفعه إلى مخالفة أمره.
وقد يبتلى الإنسان حين تتعارض مصلحته مع ما يعلم أنه حق.
وقد يواجه ضغطًا من جماعة يحبها، أو يخشى خسارة مكانة يتمتع بها.
وهنا يظهر أثر محبة الله في صدق الاستجابة.
فالمؤمن لا يجعل رضا الناس مقدمًا على رضا الله، ولا يجعل تعلقه بالمصلحة سببًا لتبرير الحرام.
ثم يقول تعالى:
وهنا يقرر القرآن أن القوة كلها لله.
فقد يملك الإنسان أسبابًا من المال أو السلطان أو السلاح، لكنه لا يخرج بذلك عن ملك الله وقدرته.
وهذا المعنى يربي المؤمن على ألا يغتر بقوته، كما يمنعه من اليأس أمام قوة الظالمين.
لكن الإيمان بأن القوة لله لا يعفي الإنسان من واجب الإعداد والعمل.
فالله الذي يملك القوة هو الذي أمر عباده بالأخذ بالأسباب المشروعة.
ثم يعرض القرآن مشهدًا من مشاهد الآخرة:
وهنا تظهر عاقبة الاتباع الباطل.
فقد يتعلق الإنسان بقائد أو صاحب نفوذ أو جماعة، ويظن أن هذا التعلق سيحميه من تبعات اختياراته.
لكن القرآن يعرض مشهد التبرؤ حين تظهر الحقيقة وينقطع ما كانوا يعتمدون عليه.
ثم يقول تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة: 167] البقرة: 167.
وهنا يظهر الندم بعد فوات فرصة العمل.
وهذا يقرر مسؤولية الإنسان عن اختياراته.
فلا يجوز أن يجعل مجرد اتباع الآخرين عذرًا دائمًا للتخلي عن التفكير والتمييز بين الحق والباطل.
وقد يكون للإنسان عذر معتبر في بعض أحوال الجهل أو الإكراه، والله أعلم بحقائق العباد، لكن الأصل أن المؤمن مأمور بأن يتبع الحق، لا أن يجعل الأشخاص مصدرًا مستقلًا للتشريع والهداية.
وهذا المعنى يحتاج إليه الفرد في حياته، كما تحتاج إليه المجتمعات حين يتحول الولاء للأشخاص إلى مانع من مراجعة الأخطاء.
فلا ينبغي أن يكون حب القائد أو الجماعة أقوى من الالتزام بالحق الذي أمر الله به.
ثم ينتقل القرآن إلى أمر يتعلق بحياة الناس اليومية:
وهنا يظهر أن التوحيد لا ينفصل عن تنظيم حياة الإنسان.
فالذي أمر بعبادته وحده هو الذي يبين لعباده ما يحل لهم وما يحرم عليهم.
وقد جاء الخطاب للناس جميعًا، وفيه الأمر بالأكل من الحلال الطيب، والنهي عن اتباع خطوات الشيطان.
واللافت التعبير بـ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 168، 208].
فقد لا ينتقل الإنسان إلى المعصية الكبيرة دفعة واحدة، بل يتدرج في قبول ما يزينه له الشيطان.
لكن لا ينبغي أن نحول هذا المعنى إلى دعوى بأن كل انحراف يقع بالطريقة نفسها؛ فالآية تحذر من اتباع خطوات الشيطان، وتفتح باب التأمل في صور التدرج إلى المعصية.
ثم يقول تعالى:
﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 169] البقرة: 169.
وهنا يجمع القرآن بين السوء والفحشاء والقول على الله بغير علم.
والقول على الله بغير علم من أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان؛ لأنه لا يقتصر على خطئه في حق نفسه، بل قد يضل به غيره.
وقد ينسب إلى الله حكمًا لم يشرعه، أو يفسر آية بما لا تحتمله، أو يجزم بأن حادثة معينة وقعت عقوبة إلهية على أشخاص بعينهم دون دليل.
ولهذا ينبغي أن تكون الأمانة العلمية جزءًا من تديننا.
فنقول فيما نعلم بما نعلم، ونتوقف فيما لا نعلم، ونفرق بين النص القطعي والاستنباط المحتمل.
ثم يقول تعالى:
وهنا يظهر نوع آخر من الحواجز التي قد تمنع الإنسان من قبول الحق: التعلق بما ورثه عن الآباء.
ولا يعني ذلك أن كل ما ورثه الإنسان من آبائه باطل، أو أن احترام الآباء يتعارض مع الإيمان.
فقد يكون فيما ورثه خير عظيم.
لكن الخطأ أن يجعل الموروث حجة مستقلة أمام ما أنزل الله.
ولهذا يأتي السؤال:
﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170].
فالعبرة ليست بقدم الفكرة ولا بكثرة من اعتادها، وإنما بصحتها وموافقتها للحق.
وهذا المعنى يحتاج إليه الإنسان في مراجعة عاداته الاجتماعية، كما تحتاج إليه المؤسسات والمجتمعات حين تتمسك بممارسات خاطئة لمجرد أنها موروثة.
لكن المراجعة لا تعني القطيعة مع كل ما سبق، وإنما تعني عرض ما ورثناه على ميزان الحق والعدل.
ثم يقول تعالى:
وهنا يضرب القرآن مثلًا لحال من لا ينتفع بما يسمع من الحق.
وهذه أوصاف تمثيلية لحال الإعراض عن الهداية، وليست انتقاصًا من أصحاب الإعاقات الحسية.
فقد يكون الإنسان سليم السمع والبصر، لكنه لا ينتفع بما يسمع ويرى من دلائل الحق.
والعبرة أن الهداية تحتاج إلى قلب يقبل الحق، وعقل يتفكر فيه، وإرادة تستجيب له.
ثم ينتقل الخطاب من الناس جميعًا إلى المؤمنين:
وهنا يجتمع الرزق والشكر والعبادة.
فالطعام الذي يتناوله الإنسان كل يوم ليس أمرًا منفصلًا عن علاقته بربه.
وقد يعتاد الإنسان النعمة حتى ينسى المنعم.
فيأكل ويشرب ويتمتع بما رزقه الله، دون أن يستحضر أن هذا الرزق فضل من ربه.
لكن القرآن يربط الانتفاع بالنعمة بالشكر.
والشكر لا يقتصر على قول الحمد لله، مع عظمة الحمد، بل يظهر كذلك في تحري الحلال، وعدم الإسراف، وعدم استعمال النعمة في معصية الله.
ثم يقول تعالى:
وهنا يبين القرآن بعض المحرمات في الطعام.
ثم يقول:
وهنا تظهر رحمة الله في التشريع.
فالله الذي حرم هذه المطعومات هو الذي رخّص للمضطر ضمن ضوابط الضرورة.
وهذا يقرر أن الشريعة لا تقصد إهلاك الإنسان أو تكليفه بما لا يطيق.
لكن الضرورة لا تصبح بابًا مفتوحًا لإباحة كل محرم بمجرد وجود المشقة أو الرغبة.
بل لها أحكامها وضوابطها، ويقدرها أهل العلم بحسب الأحوال.
ومن هدايات الآية أن الأحكام الشرعية تجمع بين الانضباط والرحمة، وأن مراعاة الضرورات لا تعني إلغاء الحدود.
ثم يقول تعالى:
وهنا يعود التحذير من كتمان الوحي وبيعه بثمن قليل.
واللافت أن الآية تأتي بعد الحديث عن الحلال والحرام في الطعام.
فقد يحرص الإنسان على معرفة ما يحل له أكله، ثم لا يتورع عن كسب المال بطريق محرم، أو عن كتمان الحق حفاظًا على منفعة.
وهذا يذكرنا بأن الحلال لا يتعلق بنوع الطعام وحده، بل يتعلق كذلك بمصدر المال ووسيلة الكسب.
ثم يقول تعالى:
وهنا يعود تصوير الاختيار في صورة البيع والشراء.
وقد سبق في مطلع السورة قوله تعالى عن المنافقين:
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ﴾ [البقرة: 16، 175] البقرة: 16.
وهذا التكرار يكشف معنى يستحق التأمل.
فقد يظن الإنسان أنه حقق ربحًا حين باع موقفه أو كتم الحق أو تنازل عن مبدأ من أجل منفعة عاجلة.
لكن القرآن يكشف أن بعض ما يراه الناس ربحًا قد يكون في حقيقته أعظم الخسارة.
وهذا المعنى سيعود في السورة عند الحديث عن الإنفاق والربا والمال.
فميزان الربح والخسارة في القرآن لا يقف عند الحساب المالي المباشر، وإنما يمتد إلى الحلال والحرام، والعدل والظلم، وعاقبة الإنسان عند الله.
ثم يقول تعالى:
وهنا يعود القرآن إلى الكتاب الذي افتتحت به السورة.
فقد بدأ بقوله:
﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2].
ثم عرض مواقف الناس من الوحي، وما وقع من كتمان وتحريف وإعراض واتباع للأهواء.
والآن يقرر أن الله نزل الكتاب بالحق.
وهنا يظهر أن المشكلة ليست في نقص الحق الذي أنزله الله، وإنما في مواقف الناس منه.
فقد يقبله الإنسان ويعمل به، وقد يعرض عنه، وقد يحاول إخضاعه لمصلحته أو هواه.
ومن هنا ينبغي أن يكون تعاملنا مع القرآن قائمًا على طلب الحق، لا على البحث عما يؤيد موقفًا قررناه مسبقًا.
وقد نختلف في فهم بعض المسائل التي تحتمل الاجتهاد، لكن الاختلاف العلمي المعتبر شيء، والتعمد في كتمان الحق أو تحريفه شيء آخر.
وهذا التفريق ضروري حتى لا نجعل كل خلاف في التفسير أو الفقه دليلًا على الإعراض عن الوحي.
وبذلك تتصل الآيات التي بدأت بالصبر والصلاة والابتلاء بما انتهت إليه من التوحيد وتحري الحلال والتحذير من كتمان الحق.
فالأمة التي كلفها الله بالشهادة على الناس تحتاج إلى الصبر حين تشتد المحن، وإلى الصلاة حين تضعف النفوس، وإلى التوحيد الذي يحررها من عبودية غير الله، وإلى العلم والأمانة حتى لا تجعل الوحي تابعًا للأهواء والمصالح.
لكن هذه المعاني لا ينبغي أن تبقى مجرد مبادئ عامة.
فكيف يظهر الإيمان في التعامل مع المال؟
وكيف يتحقق العدل في حفظ النفوس والحقوق؟
وكيف تنعكس التقوى على الصيام والعبادة والأسرة والعلاقات بين الناس؟
هنا تنتقل السورة إلى آية جامعة تعيد تعريف البر، فلا تحصره في جهة يتوجه إليها الإنسان، ولا في مظهر من مظاهر التدين، وإنما تجمع أصول الإيمان والعمل والحقوق في بناء واحد.
قال تعالى:
وهنا تبدأ السورة في بيان صورة البر الشامل، الذي يجمع الإيمان الصادق والعبادة والإنفاق والوفاء والصبر، ليظهر أثر الهداية في حياة الإنسان والمجتمع، لا في أقواله وشعائره وحدها.