سنن التنزيل
دراسةُ سورة الناس

سورة الناس… من يحفظ وجهة القلب؟

  • 4 دقائق للقراءة
  • 9 آيات

سورة الناس ترشد السائر في درب القرآن إلى ضرورة الاستعاذة بربه لحفظ وجهة قلبه وثباته، متى نازعته وساوس تصرفه عن الحق وتزين الباطل.

قال الله تعالى:

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ۝ مَلِكِ النَّاسِ ۝ إِلَٰهِ النَّاسِ ۝ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ۝ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ۝ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 1–6].

يبلغ القارئ سورة الناس وقد قطع المصحف كله: قرأ عن الخلق والبعث، وعن الوحي والرسل، وعن العمل والجزاء. ثم لا تختم رحلته بإعلان أنه استغنى بما عرف، بل بكلمة يعلن فيها حاجته إلى الله:

﴿أَعُوذُ﴾.

كأن خاتمة المصحف تردّنا إلى حقيقة لا تغيب مهما تعلمنا: قد يعرف الإنسان الطريق، ثم يحتاج إلى من يعينه على الثبات فيه. وقد يميز الحق حين يقرؤه، ثم تعرض له في حياته كلمة أو فكرة تحاول أن تصرفه عنه.

لهذا لا تبدأ السورة بوصف الوسواس، بل بمن نستعيذ به:

﴿بِرَبِّ النَّاسِ ۝ مَلِكِ النَّاسِ ۝ إِلَٰهِ النَّاسِ﴾ [الناس: 1–3].

هو ربهم الذي لا يستغنون عن رعايته. وهو ملكهم الذي لا يخرجون عن سلطانه. وهو إلههم المستحق أن يعبدوه وحده. تجتمع هذه الأوصاف في الاستعاذة حتى لا يظن القارئ أنه يواجه ما يخافه بقوته وحدها؛ إنه يلجأ إلى ربه وملكه وإلهه.

ويتكرر لفظ ﴿النَّاسِ﴾ خمس مرات في سورة قصيرة. نقرؤه أولًا في صلتهم بالله، ثم في الصدور التي تبلغها الوسوسة، ثم في ختام السورة حيث قد يأتي الإغواء من بعض الناس أنفسهم. فالإنسان في السورة محتاج إلى العوذ، ومسؤول أيضًا عما يُلقيه هو في صدور غيره.

ثم تسمي السورة ما نستعيذ منه:

﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: 4].

الوسوسة دعوة خفية. قد يبدأ الأمر بتزيين ظلمٍ يريده الإنسان، أو بتصغير حقّ يعلمه، أو بتخويفه من أن يفعله، أو بحملِه على سوء الظن بغير بيّنة. لا تأتي كل فكرة مؤذية في صورة أمر صاخب؛ فقد تدخل من حديث يطول، أو تبرير يتكرر، حتى يألف الإنسان ما كان ينكره.

و«الخنّاس» وصفٌ للذي يوسوس ثم يخنس ويتراجع. وفيه ما يقطع وهمًا كبيرًا: ليست الدعوة إلى الشر سلطانًا يجبر الإنسان على طاعتها. قال تعالى على لسان الشيطان: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [ابراهيم: 22].

لا يعني ذلك أن مقاومة الشر سهلة في كل مرة، أو أن الخاطر غير المرغوب فيه لا يزعج صاحبه. لكنه يميز بين شيء يرد على النفس وشيء يختاره الإنسان ويتبعه. قد تمرّ فكرة لا يريدها المرء، فلا تكون في ذاتها موقفه ولا عمله. ولهذا يستعيذ بالله، ولا يجعل مجرد ورودها سببًا ليحكم على إيمانه أو ييأس من نفسه.

ثم تقرّب الآية موضع هذا الأثر:

﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: 5].

ما يُلقى في الصدر قد لا يراه أحد، لكن أثره قد يظهر لاحقًا في قرار يتخذه صاحبه، أو حق يمنعه، أو كلمة يقولها. ولذلك يحتاج الإنسان إلى أن ينتبه لما يُطيل الإصغاء إليه: هل يقوده إلى الصدق والعدل، أم يجعل الباطل مألوفًا لديه؟

ثم تختم السورة:

﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 6].

لا تقف الوسوسة عند ما لا نراه. فقد يأتي أثرها من إنسان يتحدث إلينا ويزين لنا أمرًا، أو يكرر دعوة إلى سوء، أو يجعل ظلم الآخرين يبدو هينًا. وما يصل من كلام البشر إلى آذاننا قد يترك أثره في صدورنا؛ فلا نأخذ كل ما نسمع على أنه حق لمجرد أن قائله قريب، أو صاحب مكانة، أو أحسن اختيار عباراته.

وهنا لا تدعونا السورة إلى الارتياب بكل الناس. فكم من إنسان يذكّرنا بالخير، وينصحنا إذا أخطأنا، ويعيننا على رؤية ما غاب عنا. المطلوب أن نزن الكلام بميزان الحق، لا أن نُسقط على كل مخالف وصفًا مذمومًا، ولا أن نسدّ أبواب السؤال والنصح خوفًا من الوسوسة.

وللسورة سؤال يتجه إلينا من الجهة الأخرى: ماذا نضع نحن في صدور الناس؟ حين يأتينا إنسان حائر، هل نعينه على وضوح الطريق، أم نزيده خوفًا بغير علم؟ وحين يقع خلاف، هل نتحقق قبل نقل الكلام، أم نهمس بكلمة تشعل الشك بين اثنين؟ ومن يستعيذ بالله من شر الوسوسة حريٌّ به أن يحذر من أن يكون سببًا في إلقاء الشر إلى غيره.

وفي مجاورة سورة الفلق لسورة الناس إضاءة أخرى. في الفلق استعذنا بالله من شر ما خلق، ومن صور مخصوصة من الأذى. وفي الناس نستعيذ به من الوسوسة وما تتركه في الصدور. لا نفصل بين السورتين فصلًا يجعل إحداهما لشؤون البدن وحدها والأخرى لشؤون الدين وحدها؛ فالإنسان واحد، وما يؤذيه في حياته قد يمس قلبه، وما يستقر في قلبه قد يغيّر حياته.

ثم إذا وصل القارئ إلى نهاية المصحف، وجد مناسبة يتأمل بها بدايته. في الفاتحة يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]. وفي خاتمته يقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: 1]. يطلب الهداية، ويطلب العون على ألا ينصرف عنها. وإذا عاد إلى أوائل البقرة قرأ: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]؛ فيجد نفسه من جديد أمام كتاب يتعلم منه كيف يسير.

وقد جرى عمل بعض القراء على افتتاح ختمة جديدة بالفاتحة وأوائل البقرة بعد بلوغ سورة الناس. وفي ذلك معنى تربوي لطيف: الختم لا يعني انتهاء حاجتنا إلى القرآن. قد ننهي تلاوته ثم نعود إليه، فنسمع آية مألوفة بقلب انتبه إلى معنى لم ينتبه له من قبل، أو نجد فيها جوابًا لسؤال جدّ في حياتنا.

لكن العودة إلى القرآن لا تكون بالتلاوة وحدها. سورة الناس تسألنا عما نصنع بعد أن نستعيذ: هل نتحقق من الكلام قبل تصديقه؟ هل نقطع عن أنفسنا ما يزيّن لها الظلم؟ هل نختار من يصدق معنا في النصيحة؟ وهل نرجع إلى الله حين تضطرب أفكارنا، بدل أن نستسلم لكل ما يعبر بنا؟

ختامًا، يطلب العبد في فاتحة المصحف طريق الهداية، ويختمه مستعيذًا برب الناس. وبين الطلبين حياة كاملة من التعلّم والاختيار والعمل.

وإذا عدنا إلى أول المصحف، فلأن الهداية ليست أمرًا نطلبه مرة ثم نستغني عنه، وحفظ القلب ليس عملًا نفرغ منه بعد قراءة سورة. نظل نحتاج إلى الله ونحن نتعلم، وحين نعمل، وعندما نراجع الطريق الذي نسير فيه.

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: 1].

كلمة يختم بها القارئ المصحف، ثم يحمل معناها معه وهو يبدأ من جديد.

شارك المقال