سنن التنزيل
مقال

﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾… لماذا «لنا» وليس «علينا»؟

  • دقيقة واحدة للقراءة
  • 3 آيات

أقدار الله المؤلمة تحمل في طياتها خيراً ورحمة خفية للعبد؛ فالشدائد تكشف الحقائق وتصرف الشرور لتتحول المحنة إلى منحة من المولى الحكيم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

قال تعالى:

﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51]

[التوبة: 51].

تأملوا:

لم يقل: ما كتب الله علينا.

وإنما قال:

﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51].

والمقام مقام حديث عن مصائب قد يخافها الإنسان!

وهنا تفتح كلمة ﴿لَنَا﴾ بابًا عظيمًا لفهم الابتلاء.

فليس كل ما يؤلمك شرًّا لك، وليس كل ما تفقده خسارة، وليس كل باب أُغلق في وجهك كان فتحه خيرًا لك.

قد تأتي الشدة فتكشف لك حقيقةً كنت غافلًا عنها.

وقد تفقد شيئًا فتحفظ به شيئًا أعظم.

وقد تمر بمحنة فتعرف فيها صديقك من عدوك، والصادق من المتلوّن.

وقد تُغلق أمامك أبواب، فيفتح الله لك بابًا لم تكن تراه.

ولهذا قيل:

لا تلعنوا الشدائد؛ فقد علمتكم ما لم تكونوا تعلمون.

وقيل:

جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ

وَإِنْ كَانَتْ تُغَصِّصُنِي بِرِيقِي

وَمَا شُكْرِي لَهَا حَمْدًا وَلَكِنْ

عَرَفْتُ بِهَا عَدُوِّي مِنْ صَدِيقِي

فالشدائد تكشف.

تكشف الناس، وتكشف الدنيا، وقد تكشف للإنسان نفسه.

والقرآن يضع لنا قاعدة أوسع:

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]

[البقرة: 216].

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216، 232]؛ هنا موضع الطمأنينة.

فأنت ترى المصيبة في لحظتها، والله يعلم ما وراءها.

ترى ما أُخذ منك، ولا ترى دائمًا ما صُرف عنك.

ترى الباب الذي أُغلق، ولا تعلم أي باب سيُفتح.

ولهذا لم تتوقف الآية عند:

﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51]،

بل جاءت بعدها مباشرة:

﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ [التوبة: 51].

وكأن هذه هي الإجابة عن خوف القلب:

الذي كتب هو مولانا.

ثم:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51].

فليست القضية أن تعرف ماذا سيحدث لك، وإنما أن تعرف مَن مولاك حين يحدث.

ختامًا

قد تأتيك الشدة في صورة «عليك»، ثم تكشف الأيام أن في طياتها شيئًا كان «لك».

علمتك، أو ردتك إلى الله، أو كشفت لك حقيقة، أو صرفت عنك شرًا، أو رفعتك بالصبر، أو أعادت ترتيب حياتك.

فلا نحكم على أقدار الله من أول مشهد.

يكفينا أن نستقر عند قوله:

﴿لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ [التوبة: 51].

قد لا تعرف الآن أين الخير فيما أصابك، لكنك تعرف مَن مولاك.

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216، 232].

شارك المقال