استجابة القلب للقرآن ترتبط بحياته وخشوعه؛ فالوحي لا يفقد قدرته على الهداية، لكن اعتياد سماعه دون امتثال يورث النفس قسوةً تفقدها قابلية التأثر به.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
من أعظم الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها الإنسان على نفسه:
هل أسمع الوحي فقط… أم أستجيب له؟
فليس الخطر أن يغيب القرآن عن حياة الإنسان، بل أن يكون حاضرًا في لسانه وسمعه، ثم لا يكون له أثر في قلبه وسلوكه.
وهنا يكشف القرآن سنة عظيمة من سنن الله في خلقه:
أن أثر الوحي في الإنسان مرتبط بحال القلب الذي يستقبله؛ فكلما كان القلب حيًّا خاشعًا ازداد انتفاعه بالقرآن، وكلما اعتاد سماعه دون امتثال ضعفت استجابته حتى يقسو.
*الوحي قوة هداية لا تضعف*
يقول الله تعالى:
فالقرآن يخبرنا أن الوحي يحمل من العظمة والتأثير ما يجعل الجبال -وهي رمز الصلابة- تتصدع من خشية الله.
فإذا لم يتغير الإنسان بالقرآن، فالمشكلة ليست في القرآن، وإنما في القلب الذي لم يعد يستقبل كما ينبغي.
من ليونة الحجر إلى قسوة القلب
*ثم يعرض القرآن مشهدًا يهز القلب:*
ليست كل الحجارة سواء؛ فمنها ما يتفجر منه الماء، ومنها ما يهبط من خشية الله.
أما القلب إذا فقد قابليته للوحي فقد يصبح أشد قسوة من الحجر.
وهنا يبين القرآن أن أخطر ما يصيب الإنسان ليس قلة العلم، بل أن يعرف الحق ثم يفقد القدرة على التأثر به.
*كيف تبدأ القسوة؟*
قال تعالى:
﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: 16].
القسوة لا تأتي دائمًا من ترك الوحي، بل قد تأتي من الاعتياد عليه دون تجديد الصلة به.
فقد يسمع الإنسان الآيات كثيرًا، ويحفظ النصوص، ويعرف المعاني، ثم تتحول الموعظة عنده من رسالة توجهه إلى معلومة يقيمها ويحللها.
فيبحث عمن تنطبق عليه الآية، وينسى أن القرآن يخاطبه هو أولًا.
*علامة القلب الحي*
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2].
وقال سبحانه:
فالقلب الحي ليس هو الذي يعرف أكثر فقط، بل هو الذي يبقى قابلًا للانقياد.
كلما ازداد علمه ازداد افتقاره، وكلما عرف طريق الله ازداد خوفًا من التقصير فيه.
*السنة في واقعنا*
في زمن كثرت فيه المواعظ والمقاطع والاقتباسات، أصبح التحدي الأكبر ليس الوصول إلى الوحي، بل السماح للوحي أن يصل إلينا.
قد يتحول القرآن من قوة تغيير إلى مادة استهلاك، ومن مرآة للنفس إلى أداة للنظر إلى الآخرين.
وهنا ينبغي أن يسأل كل واحد منا:
عندما أسمع آية تحذر من مرض في القلب… هل أبحث عمّن أصابه؟
أم أسأل: يا رب، هل في قلبي شيء من هذا؟
*خلاصة السنة*
الوحي لا يفقد قدرته على إحياء القلوب، ولكن القلب قد يفقد قدرته على الاستجابة له.
فالسعيد ليس من أكثر سماعًا للحق فقط، بل من كان قلبه كلما سمع الحق ازداد خشوعًا، واستقام عمله.
نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأن يرزقنا قلوبًا إذا ذُكرت بالله خضعت، وإذا تليت عليها آياته زادت إيمانًا.