سورة قريش… من ألِف الرحلة، هل عرف المنعم؟
إلف النعم وتكرار أسباب العيش قد يحجبان فضل المنعم عن القلوب، مما يدعو إلى تحويل مألوف الرزق والأمن إلى دافع صادق للعبادة والشكر العملي.
أربع آيات تبدأ بما ألفته قريش من رحلتين، ثم تنقلها إلى ما ينبغي أن تفعله بما أُنعم عليها: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: 3]. وبين أول السورة وآخرها سؤال يتجاوز قريشًا إلى كل من اعتاد نعمةً حتى كاد ينسى فضل من أنعم بها.
كانت لقريش رحلة في الشتاء وأخرى في الصيف، تطلب بهما التجارة وما تحتاج إليه من معاش. وتذكر أخبارها أن رحلة الشتاء كانت إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وأن أمن الطريق ومكانة أهل الحرم وما قاموا به من علاقات أعانهم على انتظام سفرهم. كانوا يسعون ويخططون ويعودون بما جلبوا، حتى صارت الرحلتان أمرًا مألوفًا في حياتهم.
وهنا تبدأ وقفة السورة. فقد يعمل الإنسان في رزقه، ويحسن تدبير طريقه، ثم يرى ما تيسّر له نتيجةً لجهده وحده. وقد يُفتح له باب مرة بعد مرة حتى يظن أنه سيبقى مفتوحًا ما دام يعرف كيف يسلكه. فتأتي ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ﴾ [قريش: 1] لتردّ نظرهم إلى هذه النعمة نفسها: إلى رحلة تتكرر، وطريق يُسلك، ومعاش يُجلب، وأمنٍ يصحب ذلك كله.
لم يُلغِ القرآن سعي قريش ولا ما أخذته من أسباب؛ لكنه دعاها إلى أن ترى وراء الأسباب فضل الله. ولو اضطرب الطريق، أو خاف المسافر، أو انقطع ما يأتي إلى مكة من أقوات، لظهر لهم كم كان انتظام الرحلة نعمةً، لا مجرد عادة. وهذه من دقائق امتحان النعمة: قد يشتد حضورها في حياتنا حتى تخفى عن قلوبنا.
ثم يأتي الأمر الذي تتجه إليه السورة: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: 3]. لم تُذكر الرحلتان ليُعجب الناس بمهارة قريش التجارية، بل ليعرف أهلها حق ربهم عليهم. فالله الذي يسّر لهم أسباب المعاش والأمن هو المستحق أن يُعبد وحده؛ لا يغني عنه قربهم من البيت، ولا منزلتهم بين العرب، ولا ما اعتادوه من شعائر.
وفي قوله ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: 3] عودة بهم إلى ما يعرفونه معرفةً لا تخطئها العين. هذا البيت الذي يسكنون جواره، وينتفعون بمكانته، له ربٌّ ينبغي أن يعبدوه. وقد يقرب المرء من موضع عظيم ويبقى بعيدًا عن مقتضى تعظيمه؛ فالانتساب إلى البيت لا يقوم مقام عبادة ربه، والانتفاع بنعمته لا يقوم مقام شكره.
وتزداد هذه الهداية وضوحًا حين نقرأ قريشًا بعد سورة الفيل. في الفيل ذكّر الله بما فعل بأصحاب جيش قصد البيت، وفي قريش ذكّر من عاشوا بجواره بما ألفوه من رحلة وإطعام وأمن. ثم جاءهم الأمر بالعبادة. فحفظ الله للبيت لم يكن تزكيةً تلقائية لمن جاوره؛ لقد كانت النعمة حجةً تدعوهم إلى معرفة رب البيت وطاعته.
وتختم السورة بتسمية نعمتين تقوم عليهما حياة الإنسان: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4]. قد يبدو انتظام التجارة عنوانًا كبيرًا في حياة بلد، لكن القرآن يردّه إلى أثر يلمسه الناس: أن يجد الجائع طعامًا، وأن يسلك الخائف طريقه آمنًا. فالرحلة ليست أرقامًا تُحسب وحدها؛ إنها متصلة بما يصل إلى البيوت من قوت، وبما يأمن معه الناس على أنفسهم ومعاشهم.
و﴿مِنْ جُوعٍ﴾ [قريش: 4] و﴿مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4] تذكّران بما كان يمكن أن يلقوه لولا فضل الله. فمكة ليست أرض زرع تغني أهلها بما يخرج منها، والطريق لم يكن مأمونًا لكل من سلكه. ومع ذلك أطعمهم الله وآمنهم. وليس معنى هذا أن أحدًا منهم لم يجع قط، أو أن خوفًا لم يعرض لأحدهم؛ وإنما أن السورة تمتنّ عليهم بما عرفوه من رزق وأمن في موضع تقوم فيه الحاجة إلى كليهما.
وفي القرآن صورة أخرى تُذكّر بخطر جحود هذه النعمة: قرية كانت آمنة يأتيها رزقها، فكفرت بأنعم الله فأذاقها لباس الجوع والخوف. لا نقرأ هذه الآية لنحكم على كل جائع أو خائف بأنه عوقب؛ فكثير من الناس يجوعون ويخافون بما يُوقعه بهم الظالمون. إنما نتعلم ألا تجعلنا وفرة الطعام وطمأنينة العيش نغفل عن حق الله، أو نظلم من حُرم ما نتمتع به.
وهذا هو سؤال سورة قريش في واقعنا: ما الذي صنعته بنا النعم التي صارت عادية في أعيننا؟ نخرج من بيوتنا ونعود، نجد ما نأكل، ونخطط ليوم تالٍ ونحن نأمل أن نمضيه آمنين. فهل تزيدنا هذه النعم عبادةً وشكرًا، أم تصير اعتيادًا لا ننتبه إليه إلا إذا فُقد؟
ويظهر شكر النعمة في عبادة الله وأداء ما أوجب، وفي استعمال ما أتاحه لنا من قدرة على وجه صالح. فمن وجد سعةً في رزقه لا ينسى حق المحتاج، ومن وجد أمنًا لا يستهين بخوف غيره، ومن ملك تأثيرًا أو قرارًا يسعى إلى ألا يُحرم الناس طعامهم وأمانهم. لا ندّعي أننا نملك إزالة كل جوع وخوف، لكننا لا نترك ما نستطيع فعله لمن وقع عليهما.
ختامًا، تقود سورة قريش القارئ من الرحلة التي ألفها الناس إلى رب البيت الذي أطعم وآمن. إنها تدعونا إلى أن نعمل ونأخذ بالأسباب، ثم لا ننسب النعمة إلى أنفسنا وحدنا؛ أن نراها وإن تكررت، ونشكر الله عليها وإن اعتدناها، ونؤدي حقها في حياتنا. فمن عرف المنعم لم تكن الرحلة عنده مجرد طريق إلى الرزق، بل طريقًا إلى العبادة.