اختيار المجالس والصحبة ميزان قرآني لحفظ العمر وتوجيه الطاقات، حتى لا تسرق العلاقات العقيمة أوقاتك الثمينة وتستنزف حسناتك في لغو الحديث والغيبة.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال تعالى:﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ﴾ [عبس: 5–10].
تأمل كيف يعيد القرآن ترتيب أولوياتنا، حتى في أعظم الأعمال، وهو دعوة الناس إلى الله.
فقد يستهلك إنسان لا يريد أن يسمعك ساعات من عمرك، بينما ينتظر آخر كلمة تفتح له بابًا من الخير. وقد تستنفد جهدك في جدال لا ينتهي، وتؤجل علمًا تتعلمه، أو أسرة ترعاها، أو عملًا صالحًا تستطيع إنجازه.
وفي سورة عبس جاء العتاب الإلهي ليقرر ميزانًا عظيمًا: ألا يكون الحرص على من استغنى سببًا في إهمال من جاء يسعى ويخشى.
فليست الحكمة أن تبذل جهدك فحسب، بل أن تعرف أين تضعه.
وهذا لا يعني أن نحكم على أحد بأنه لا يُرجى منه خير؛ فالقلوب بيد الله، وكم من معرض عاد، وكم من غافل اهتدى. لكن الفرق كبير بين الصبر في النصيحة، وبين استنزاف العمر في محاولات لا تتغير وسائلها، بينما تضيع حقوق أخرى.
لا تجعل من أعرض عنك يستهلك عمرك، ومن أقبل عليك ينتظر فضلة وقتك.
والأرض التي لا تنبت اليوم قد تحيا بغيث الغد؛ فلا تحكم عليها من موسم واحد، ولكن لا تستهلك مواسم عمرك كلها في زراعة لا تراجع أسباب تعثرها.
وهكذا الإنسان؛ قد يحتاج إلى وقت، أو أسلوب مختلف، أو تجربة توقظه. نبذل الخير ولا نغلق باب الأمل، لكننا لا نملك هداية القلوب.
قال تعالى:﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56].
ليس كل باب مغلق يستحق أن تقضي عمرك أمامه، وليس كل انصراف عنه يأسًا من فتحه.
لكن هناك ما هو أخطر من ضياع الوقت؛ أن يتحول المجلس الذي قصدته للأنس إلى باب من أبواب الإثم.
قال تعالى:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68].
وقال سبحانه:﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: 55].
فالآية الأولى تتعلق بالخوض في آيات الله، والثانية تكشف أدبًا أوسع في الإعراض عن اللغو. وليس كل مجلس قليل الفائدة محرمًا، لكن القرآن يعلمنا أن الإنسان مسؤول عما يشارك فيه، وأن من كرامته ألا يجعل نفسه أسيرًا لكل حديث.
وقد تجلس مع أصحابك لتستريح، ثم يتحول الحديث إلى غيبة فلان، والسخرية من آخر، وتتبع عيوب الناس وأسرارهم.
يضحك الحاضرون، وتتوالى الحكايات، ثم ينفض المجلس. ولكن ماذا حمل كل واحد معه؟
قال تعالى:﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12].
ليس كل مجلس تُضيّع فيه وقتك؛ فبعض المجالس قد تُضيّع فيها حسناتك.
والأخطر أن تتكرر هذه المجالس حتى تألف النفس ما كانت تستقبحه، ويصبح الحديث في أعراض الناس أمرًا عاديًا.
فإذا انحرف المجلس، فغيّر الحديث، واذكر الغائب بخير، وذكّر أصحابك برفق. فإن أصروا على المنكر ولم تستطع تغييره، فلا تجعل المجاملة سببًا في مشاركتك فيه.
قال تعالى:﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72].
ليس كل حديث يستحق جوابًا، ولا كل مجلس يستحق بقاءك؛ فقد يكون مرورك الكريم أبلغ من جدال طويل.
ثم تأمل أثر الصحبة.
قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:
«مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير» متفق عليه.
قد تجالس إنسانًا فتخرج من عنده وقد اتسع أملك، أو ازداد علمك، أو تذكرت واجبًا غفلت عنه. وقد تجالس آخر فتسمع منه ما يهون المعصية، أو يزرع اليأس، أو يسخر من كل مبادرة، حتى تبدأ بالنظر إلى الحياة بعينيه.
فالصحبة لا تستهلك ساعاتنا وحدها؛ إنها تشارك في تشكيل أفكارنا وأخلاقنا وقراراتنا.
قال تعالى:
ما أشد هذا الندم! لقد أصبح الخليل سببًا في الإضلال عن الذكر.
وقد يبدأ الانحراف بكلمة تسمعها، ثم بمجلس يتكرر، ثم بسلوك تألفه، حتى يتغير ميزانك دون أن تشعر.
احذر المجلس الذي يعلمك أن تضحك اليوم مما كنت تستحي منه بالأمس.
لكن علينا أن نفرق بين من أثقلته الحياة، ومن اعتاد إثقال حياة الآخرين.
فليس كل حزين صاحب صحبة سيئة، ولا كل كثير الشكوى إنسانًا ينبغي الابتعاد عنه. فقد يكون مبتلى يحتاج إلى رحمتك، أو مهمومًا ينتظر من يأخذ بيده.
والصاحب الصالح ليس بالضرورة من يملأ مجلسك ضحكًا وتفاؤلًا، بل من يعينك على الخير ويحفظ لسانه عن أعراض الناس.
قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28].
لا تهجر حزينًا لأنه أتعبك بوجعه، ولكن احذر من يجعل أذى الناس وتثبيطهم غذاء مجالسه.
وقد يكون من حق صديقك عليك أن تصبر على ضعفه وتعينه في محنته، لكن ليس من حق أحد أن يجعل علاقتك به بابًا دائمًا إلى الغيبة أو المعصية أو تعطيل واجباتك.
قال تعالى:
﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67].
لا تقس قيمة الصحبة بطولها، بل بما تحفظه لك من دين وخلق، وما تفتحه لك من أبواب الخير.
ومع ذلك، فليس المطلوب أن نحاسب كل مجلس بما أنتج من علم أو عمل؛ فالترويح المباح، وصلة الرحم، وإدخال السرور على الناس من الخير أيضًا.
إنما المطلوب أن نميز بين مجلس نرتاح فيه دون معصية، ومجلس ننفع فيه أو ننتفع، ومجلس يفسد علينا قلوبنا وألسنتنا.
قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:«احرص على ما ينفعك، ويستعن بالله ولا تعجز» رواه مسلم.
فاحرص على ما ينفعك في دينك ودنياك، وعلى ما تستطيع أن تنفع به غيرك، ولا تجعل الجدل الذي لا ينتهي يستنزف قدرتك على القيام بواجباتك.
ليس كل انسحاب هزيمة؛ فقد يكون الانصراف عن جدل عقيم بداية عمل نافع.
ختامًا، إن عمرك ليس مالًا تستطيع تعويضه، وقلبك ليس ساحة مباحة لكل من أراد أن يملأها بما يشاء.
وما وهبك الله من وقت وعلم وصحة وقدرة أمانة، فاحفظها وأحسن توجيهها.
لا تيأس من أحد، ولا تغلق بابك في وجه محتاج إلى رحمتك، ولكن لا تمنح كل مجلس حقًّا متساويًا في عمرك، ولا تجعل حرصك على إصلاح غيرك سببًا في إهمال نفسك ومن هم أحق بعطائك.
وإذا وجدت من يذكرك بالله، ويعينك على الخير، ويوقظ فيك الهمة، فاحرص على صحبته؛ فإن بعض الناس يتركون في حياتك أثرًا يبقى بعد انفضاض المجلس بسنوات.
عمرك أمانة، وقلبك أمانة؛ فلا تنفق الأول فيما يفسد الثاني.
ولا تندم على خير بذلته لإنسان لم ينتفع به، ولكن راجع نفسك حين تجعل الإصرار على باب مغلق سببًا في إهمال أبواب الخير المفتوحة.
فليس المطلوب أن تنجح في تغيير كل من حولك، وإنما أن تؤدي ما عليك، وتحفظ ما استودعك الله، وتمضي حيث يكون عطاؤك أنفع.