سنن التنزيل
مقال

﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾… حين نحمل بيوت آبائنا إلى بيوتنا الجديدة

  • 3 دقائق للقراءة
  • آيتان

البيوت الجديدة تحتاج إلى التحرر من إسقاط تجارب الآباء ومقارناتها الصامتة، لتأسيس سكن حقيقي يقوم على حسن العشرة الواعية بدلاً من فرض العادات الموروثة.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الله تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]

[الروم: ٢١].

تأمل الكلمة التي وضعها القرآن في قلب العلاقة:

﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21].

السكن هو الأصل، والمودة والرحمة هما المناخ الذي يحفظه.

لكننا لا ندخل الزواج صفحات بيضاء.

في يوم الزواج لا يلتقي رجل وامرأة فقط؛ بل يلتقي تاريخان، وبيتان، وعادات، وذكريات، وصورتان للحب والغضب والاحترام.

فالإنسان يدخل بيته الجديد وقد حمل معه، من حيث يشعر أو لا يشعر، شيئًا من بيته الأول:

كيف كان الأب يخاطب الأم؟

كيف كانت الأم تختلف مع الأب؟

كيف كانوا يغضبون ويتصالحون؟

هل كان الاعتذار طبيعيًا؟

وكيف كانوا يعبرون عن الحب؟

وهكذا يتكون في داخل كل منا قاموس غير مكتوب لما يظنه «طبيعيًا» في الحياة الزوجية.

وقد يألف الإنسان نمطًا حتى يظنه صحيحًا لمجرد أنه اعتاده؛ فيسمي القلق حبًا، والمطاردة اهتمامًا، والغيرة المفرطة دليل محبة، والتقلب شغفًا، ثم يستوحش من السكينة ويسميها مللًا.

وقد يدخل آخر الزواج وهو يقارن:

«أبي لم يكن يفعل ذلك مع أمي».

أو:

«أمي لم تكن تعامل أبي هكذا».

لكن الزوجة ليست أم زوجها، والزوج ليس أبا زوجته.

نحن لا نتزوج آباءنا وأمهاتنا، لكننا قد نحمل شيئًا من بيوتهم إلى بيوتنا.

ولهذا يعطينا القرآن ميزانًا أعلى من العادة:

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]

[النساء: ١٩].

وهنا قاعدة مهمة:

ليس كل مألوف معروفًا، وليس كل مختلف عن مألوفك منكرًا.

فما ورثناه وكان جميلًا حافظنا عليه، وما كان خاطئًا أصلحناه، وما كان مجرد عادة لم نفرضه على الآخر وكأنه دين.

ومن هنا نفهم أهمية الاختيار.

قال نبينا محمد ﷺ:

«إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه».

وقال في المرأة:

«فاظفر بذات الدين تربت يداك».

والخلق من صلب الدين؛ لكن الزواج يكشف أثر الدين في التفاصيل.

فليس السؤال فقط: هل يصلي؟

بل: كيف يغضب؟ كيف يختلف؟ هل يحفظ السر؟ هل يعترف بخطئه؟ وهل يؤدي الحق عندما يخالف هواه؟

وكذلك ذات الدين يظهر دينها في خلقها وأمانتها وحفظها للحقوق عند الرضا والغضب.

فالزواج سيمر بالرخاء والضيق، والصحة والمرض، واختلاف الطباع، وتدخل الأهل، وتربية الأبناء.

وهنا يظهر الدين حين يتحول إلى خلق.

ثم يكتشف الزوجان أنهما تزوجا بشرًا لا يخلوان من النقص.

قال نبينا محمد ﷺ:

«لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر».

وقال تعالى:

﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]

[النساء: ١٩].

تأمل:

﴿شَيْئًا﴾… ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].

قد نقترب بأعيننا من «الشيء» الذي نكرهه حتى يحجب عنا «الخير الكثير» الذي نعيش فيه.

فالكمال لله وحده.

لكن عدم طلب الكمال لا يعني احتمال الظلم؛ فهناك فرق بين نقص بشري يُتعايش معه، وسلوك يحتاج إلى إصلاح، وظلم يجب أن يتوقف.

ويبقى الميزان:

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].

وقد ترك لنا نبينا محمد ﷺ في بيته تفسيرًا عمليًا لهذا المعروف.

سابق عائشة رضي الله عنها، ووقف لها لتنظر إلى لعب الحبشة حتى اكتفت، وكان في مهنة أهله يخدم في بيته.

وظل وفيًّا لخديجة رضي الله عنها بعد وفاتها، يذكرها ويصل صديقاتها.

وحين دفعت الغيرة إحدى أمهات المؤمنين إلى كسر إناء الطعام، لم يحول الموقف إلى معركة، بل قال:

«غارت أمكم»،

ثم عالج أثر الخطأ وحفظ الحق.

وكأن الموقف يعلمنا:

فهم سبب الخطأ لا يعني قبول الخطأ، لكنه يغير طريقة علاجه.

فالرفق ليس ضعفًا، وخدمة الرجل لأهله لا تنتقص من رجولته، واحتواء مشاعر الزوجة ليس هزيمة، وإظهار الحب لا يسقط الهيبة.

وفي الجانب الآخر حفظت لنا التجربة وصية أمامة بنت الحارث لابنتها عند زواجها، ومن أشهر كلماتها:

«كوني له أَمَةً يكن لك عبدًا»،

ثم أوصتها بحسن الهيئة، وحفظ البيت والمال والسر.

وليس المقصود إلغاء شخصية المرأة، وإنما معنى جميل يصلح للزوجين:

لا تدخل الزواج تسأل فقط: ماذا سيقدم لي؟ بل اسأل أيضًا: ماذا سأقدم أنا لهذا البيت؟

ومن أنفع الأسئلة عند الخلاف:

هذا الذي أغضبني من زوجي أو زوجتي… هل هو فعلًا مخالف للمعروف، أم أنه فقط مختلف عما اعتدت أن أراه في بيت أبي وأمي؟

فبعض ما نظنه خلافًا بين زوجين قد يكون في الحقيقة مقارنة صامتة بين بيتين قديمين داخل بيت جديد.

فلا تجعل بيت أبيك وأمك نسخة ملزمة لبيتك.

خذ منه أجمل ما فيه، وأصلح ما يحتاج إلى إصلاح، ثم ابنيا معًا بيتًا جديدًا ميزانه:

﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21].

﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].

ختامًا، لا تسأل فقط:

ماذا أخذتُ من بيت أبي وأمي؟

بل اسأل:

ماذا سيرى أبنائي في بيتي اليوم ويحملونه معهم غدًا إلى بيوتهم؟

فكما حملنا شيئًا من بيوت آبائنا وأمهاتنا إلى زواجنا، فإننا اليوم نصنع بأقوالنا، وخلافاتنا، واعتذاراتنا، ومودتنا وطريقة تعاملنا…

«البيت الأول» الذي قد يحمله أبناؤنا غدًا إلى بيوتهم الجديدة.

شارك المقال