سنن التنزيل
دراسةُ سورة مريم · الجزء 8 من 8

حين يبقى النداء… وتسكت القرون

  • 7 دقائق للقراءة
  • 41 آيةً

البقاء الحقيقي يتجلى في خفوت ضجيج القرون وسقوط أوهامها، لتسكت كل دعوى باطلة أمام جلال التنزيه ولا يبقى إلا صدق العبودية للرحمن.

﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۝ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ۝ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ۝ أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 88–91].

منذ أول سورة مريم ونحن نسمع عن الولد. زكريا عليه السلام دعا:

﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: 5].

فوهبه الله يحيى. ومريم بُشرت:

﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: 19].

ووهب الله لإبراهيم:

﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [مريم: 49].

ثم مر بنا من قال متكبرًا:

﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77].

والآن تصل السورة إلى أخطر موضع ورد فيه الولد:

﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا﴾ [مريم: 88].

السورة التي علمتنا منذ أولها أن الولد هبة من الله تختم بتنزيه الواهب عن أن يكون له ولد. هو الذي يهب. وهو الذي يخلق. وهو الذي يقول للشيء:

﴿كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 35].

فكيف يجعل المخلوقُ للخالق ما هو من جنس خلقه؟

عيسى أجاب منذ أن تكلم

وليست هذه القضية جديدة في السورة. بعد قصة عيسى عليه السلام قالت:

﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ۝ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 34–35].

والأعجب أن عيسى نفسه، حين تكلم في المهد، بدأ بتقرير الحقيقة التي ستعود السورة في نهايتها لتؤكدها:

﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30].

قبل أن يقول:

﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: 30].

وقبل:

﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: 30].

وقبل أن يذكر بركته وصلاته وزكاته وبره بأمه. كانت الكلمة الأولى:

﴿عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30].

ثم يأتي آخر السورة ليقول:

﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا﴾ [مريم: 88].

فما قاله عيسى في أول كلامه ما زال قائمًا في وجه كل دعوى جاءت بعده:

﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30].

﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: 89]

أي جئتم قولًا عظيمًا بالغًا في النكارة. ثم لا يكتفي القرآن بوصف فظاعته. بل يرسم مشهدًا كونيًا:

﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: 90].

﴿وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ﴾ [مريم: 90].

﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: 90].

السماوات تكاد تتفطر. والأرض تنشق. والجبال تخر مهدودة منهارة. ولماذا كل هذا؟

﴿أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 91].

ولا نحتاج أن ننسب إلى السماوات والجبال معنى لم يقله القرآن. يكفينا أن نقف أمام الصورة التي رسمها: قول من فظاعته تكاد السماوات تتفطر، والأرض تنشق، والجبال تنهدم. لماذا ﴿الرَّحْمَٰنُ﴾؟ لاحظ كيف يتكرر الاسم:

﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا﴾ [مريم: 88].

﴿أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 91].

﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 92].

﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93].

ثم بعد قليل:

﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96].

الاسم الذي نسبوا إليه الولد هو نفسه الذي يقرر القرآن أن الخلق جميعًا يأتونه عبيدًا، وهو نفسه الذي يجعل للمؤمنين ودًا. فلا تحتاج الرحمة إلى بنوة حتى تكون رحمة. وقرب الله من عباده لا يحول الخالق إلى واحد من خلقه. الله رحمن. والخلق عباده.

﴿وَمَا يَنبَغِي﴾ [مريم: 92]

﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 92].

لم يقل فقط: لم يتخذ. بل:

﴿وَمَا يَنبَغِي﴾ [مريم: 92].

أي لا يليق بجلاله وكماله. ثم يأتي الدليل من حقيقة العلاقة بين الله وخلقه:

﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93].

كل من في السماوات. وكل من في الأرض. داخل في هذه الحقيقة:

﴿عَبْدًا﴾.

ومنهم عيسى الذي قالها بنفسه:

﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30].

فالعلاقة الحقيقية ليست أبوة وبنوة. إنها ربوبية وعبودية.

ستأتيه عبدًا… فهل عشت له عبدًا؟

كل الخلق عبيد لله من جهة خلقه وملكه وسلطانه. لا يستطيع أحد أن يخرج من ملكه. لكن هناك فرقًا بين من عرف ربه في الدنيا فأطاعه وأحبه وانقاد له، وبين من عاش معرضًا ثم جاء يومًا لا يستطيع فيه أن يخرج عن سلطان الله. ولهذا يصبح السؤال: ستأتيه عبدًا على كل حال؛ فهل عشت له عبدًا باختيارك قبل أن تأتيه عبدًا لا تملك الخروج من ملكه؟ والسورة بدأت بهذه الكلمة:

﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: 2].

وقال عيسى:

﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30].

وقالت عن الجنة:

﴿وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: 61].

وقالت:

﴿نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 63].

وقالت:

﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: 65].

والآن:

﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93].

إنه خيط عظيم من خيوط السورة، لكنه ليس خيطها الوحيد. فإلى جواره سارت الرحمة، والتقوى، والكتاب، والصلاة، والذرية، والهبة، والميراث، والذكر، والبقاء.

لا أحد يضيع في الزحام

﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: 94].

قبل قليل قالت السورة:

﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: 84].

كانت المهلة داخلة في العد. والآن أصحاب المهلة أنفسهم داخلون في الإحصاء:

﴿أَحْصَاهُمْ﴾.

لا يفوت منهم أحد. ولا يضيع واحد في كثرة الخلق. ولا تختلط عليه الأسماء والوجوه. وقد قالت السورة من قبل:

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64].

هناك نُفي النسيان. وهنا أُثبت الإحصاء. وهذه للمؤمن طمأنينة، وللمسيء تحذير. عملك لا يضيع. لكن خطيئتك أيضًا ليست خارج علمه. الذي لا ينساك لا يضيع عنده خيرك، ولا يخفى عليه تقصيرك.

ثم تعود كلمة: ﴿فَرْدًا﴾

﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95].

قبل قليل قال عن ذلك الرجل الذي تفاخر بالمال والولد:

﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 80].

كان الحديث عن واحد. والآن:

﴿وَكُلُّهُمْ﴾.

ما قيل عن فرد أصبح حقيقة الجميع. في الدنيا أنت ابن أسرة. وأب. وأم. وزوج. وصاحب. وعضو في جماعة. وتحمل اسمًا وتاريخًا وعلاقات. والسورة نفسها لم تلغ شيئًا من ذلك. بل حدثتنا عن زكريا وما سيترك بعده. وعن إبراهيم وأبيه. وعن إسماعيل وأهله. وعن الأنبياء وذرياتهم. وعن:

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: 59].

فأنت مسؤول عمّن حولك. لكن مسؤوليتك عنهم شيء، واحتماؤك بهم من مسؤوليتك أمام الله شيء آخر. لا أحد يؤمن عنك. ولا أحد يسجد عنك. ولا أحد يحمل عنك علاقتك بالله. ولهذا عرفنا من قبل أن: السجدة لا تُورث. والآن نعرف لماذا:

﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95].

وبعد ﴿فَرْدًا﴾ يأتي ﴿وُدًّا﴾

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96].

بعد أن نزعت السورة من الإنسان وهم الاتكاء على المال والولد والندي والجند والآلهة، وقالت له إنك آتٍ فردًا، لا تتركه في وحشة. هناك شيء آخر:

﴿وُدًّا﴾.

لكن من يصنعه؟

﴿سَيَجْعَلُ﴾.

ومن يجعله؟

﴿الرَّحْمَٰنُ﴾.

لا تقول الآية إن كل مؤمن صالح سيحبه كل الناس. فقد عودي الأنبياء وأوذي الصالحون. لكن الله يجعل لأهل الإيمان والعمل الصالح من الود والقبول ما يشاء في قلوب عباده وأوليائه. والمهم هنا أن الود: جعل من الرحمن.

العمل عليك… والود هبة

قال:

﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [مريم: 96].

هذا ما عليك. ثم:

﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96].

هذا عطاؤه. والسورة ممتلئة بالعطاء.

﴿فَهَبْ لِي﴾ [مريم: 5].

﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ [مريم: 19].

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ [مريم: 53].

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: 53].

والآن لا يقول «وهب» ولكن المعنى من جنس العطاء:

﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96].

العمل عليك… والود هبة. فلا تجعل أكبر مشروعك أن تملك قلوب الناس. أصلح ما بينك وبين الله. واعمل صالحًا. والقلوب لله.

بدأنا بالرحمة… واقتربنا من الود

افتتحت السورة:

﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 2].

وقرب ختامها:

﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96].

وبين الرحمة والود مرت قصص كثيرة. دعاء. وهبة. مخاض. وخوف. وفراق. وسجود. وخَلَف أضاع الصلاة. وتوبة. وجنة. وحشر. لكن اسم الرحمن بقي حاضرًا. رحمته ليست فكرة مجردة. تظهر هبة. ونجاة. ووعدًا. ووفدًا. وودًا.

ثم يعود بنا إلى الكتاب

﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾ [مريم: 97].

بعد كل ما سمعناه، تلتفت السورة إلى القرآن نفسه. هذا الذي قص علينا زكريا. ومريم. وعيسى. وإبراهيم. وموسى. وإسماعيل. وإدريس. والذين خلفوا من بعدهم. والذين تفاخروا بالمقام والندي. والذي قال:

﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77].

كل ذلك وصل إلينا في هذا القرآن الذي يسره الله بلسان نبينا محمد ﷺ للتبشير والإنذار. والسؤال لم يعد: ماذا حدث لهم؟ بل: ماذا سيفعل هذا القرآن فينا؟

الكتاب وصل إليك… فماذا صنع بك؟

في أول السورة قال ليحيى:

﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12].

وقال عيسى:

﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: 30].

وتكرر:

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ [مريم: 16، 41، 51، 54، 56].

ثم رأينا الأنبياء:

﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58].

ورأينا آخرين:

﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [مريم: 73]

فلم يسجدوا. بل قالوا:

﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73].

الآيات وصلت إلى الفريقين. لكنها لم تصنع فيهما الشيء نفسه. والآن وصل القرآن إلينا نحن. فلا يكفي أن نسأل: ماذا فهمت؟ بل: ماذا صنع الكتاب فيك؟ هل غير ميزانك؟ هل أصلح صلاتك؟ هل زادك هدى؟ هل ردك إذا أخطأت؟ هل جعلك أسرع سجودًا وأقل عتوًا؟ هل نقل القرآن من لسانك إلى حياتك شيئًا؟

التقوى التي مشت معنا حتى النهاية

﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ [مريم: 97].

التقوى لم تظهر هنا فجأة. قالت مريم:

﴿إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 18].

وقال عن يحيى:

﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 13].

وقال عن الجنة:

﴿نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 63].

وقال:

﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ [مريم: 72].

ثم:

﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا﴾ [مريم: 85].

والآن:

﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ [مريم: 97].

التقوى ظهرت في الطريق. وفي الميراث. وفي النجاة. وفي الحشر. ثم صارت في آخر السورة عنوان أهل البشارة.

لكن القرآن نفسه ينذر

﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾ [مريم: 97].

«لُدًّا»: شديدي الخصومة والعناد. وهذا يعيدنا إلى أولئك الذين قالت عنهم السورة:

﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [مريم: 73].

الآيات:

﴿بَيِّنَاتٍ﴾.

لكن القلوب:

﴿لُدًّا﴾.

وهذه حقيقة ينبغي ألا ننساها. ليست كل مشكلة نقصًا في الدليل. أحيانًا يكون الدليل بينًا، لكن القلب لا يريد أن ينقاد. فالقرآن نفسه يكون: بشارة للمتقين. وإنذارًا للمعاندين. والكتاب واحد. لكن القلوب ليست واحدة.

ثم تسكت السورة

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: 98].

بعد كل الأصوات التي سمعناها في السورة… يأتي الصمت. قرون كاملة. أمم. أجيال. أناس كانوا يملؤون أيامهم حركة وكلامًا وخصومة. كان لهم مال. وولد. ومقام. وندي. وأثاث. وجند. وكان منهم من يظن أن ما في يده سيبقى. ثم:

﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: 98]؟

هل تشعر الآن بوجود واحد منهم؟ ثم تنزل الآية إلى ما هو أدق:

﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: 98]؟

والركز: الصوت الخفي. حتى الصوت الخافت لا تسمعه. وهنا نعود إلى أول السورة كيف بدأت سورة مريم؟

﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3].

صوت رجل واحد. شيخ كبير. وهن عظمه. واشتعل رأسه شيبًا. يقف في خلوته. لا ندي حوله. ولا جند. ولا جمهور. ولا ضجيج.

﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3].

لكنه نادى الله. فسمعه الله. وأجاب دعاءه. وحفظ لنا القرآن نداءه. وبعد قرون ما زلنا نقرأ:

﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3].

ثم تنتهي السورة بقرون كاملة:

﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: 98]؟

لا.

﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: 98]؟

حتى الصوت الخفي غاب.

نداء خفي بقي… وقرون سكتت

يا لها من مسافة بين أول السورة وآخرها. في البداية:

﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3].

وفي النهاية:

﴿رِكْزًا﴾.

في البداية صوت خفي بقي. وفي النهاية قرون كاملة لم يبق لها حتى صوت خفي. فليس المهم أن يكون صوتك أعلى الأصوات. ولا أن يكون مجلسك:

﴿أَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73].

ولا أن يكون جندك أكثر. ولا أثاثك أجمل. ولا أن يحيط باسمك الضجيج. فقد يملأ الإنسان الدنيا صوتًا… ثم لا يبقى له:

﴿رِكْزًا﴾.

وقد يهمس عبد بدعاء لا يسمعه الناس… فيحفظ الله أثره إلى ما شاء. وقد قالت السورة قبل ذلك:

﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾ [مريم: 76].

فليس البقاء الحقيقي أن يظل الناس يرددون اسمك. ولا أن تحفظ الدنيا صورتك. ولا أن يكثر حولك الندي. البقاء الحقيقي أن يبقى عند الله ما قدمت. قد تحتاج في دعوتك أن يسمعك الناس. وقد يكون من واجبك أن ترفع صوت الحق. لكن الأهم قبل ذلك: أن يكون ما تقوله وما تفعله مما يرضاه الله. بدأت سورة مريم بصوت عبد خافت سمعه الله. وانتهت بقرون كاملة أسكتها الزمن. وبينهما تعلمنا أن الرحمة لله. والهبة لله. والغيب لله. والعزة لله. والود يجعله الله. والخلق كلهم آتوه. والكتاب وصل إلينا. وأن ما يبقى ليس كل ما لمع في أعين الناس. ولهذا، حين يسكت كل شيء، يبقى السؤال: ماذا بقي لك عند الله؟

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: 98].

شارك المقال