سنن التنزيل
دراسةُ سورة مريم · الجزء 7 من 8

ليس كل ما تتمناه على الله وعدًا من الله

  • 8 دقائق للقراءة
  • 26 آيةً

أمنيات الإنسان ورجاؤه لا يحولان رغباته إلى وعود إلهية، فحسن الظن بالله ثقة بحكمته وتدبيره، لا ادعاء لامتلاك الغيب والتحكم في مواقيت القدر.

ليس كل ما تتمناه على الله وعدًا من الله

﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77]. وراء هذه الآية مشهد يكشف كثيرًا من معناها. كان لخباب بن الأرت رضي الله عنه دَين على العاص بن وائل، فجاء يتقاضاه، فأبى العاص أن يؤديه حتى يكفر خباب بنبينا محمد ﷺ. فأبى خباب. فقال له العاص، ساخرًا من البعث: إذا بعثت بعد الموت، وكان لي هناك مال وولد، قضيتك. فنزل: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77]. لم يكن الرجل مؤمنًا بالبعث يحسن الظن بالله. كان ساخرًا منه. لكن العجيب في منطقه أنه حتى حين افترض البعث، حمل معه موازين الدنيا إلى الآخرة. كما كان يتصور نفسه هنا صاحب مال ومكانة، تخيل أنه سيكون هناك كذلك. كأن ما في يده اليوم شهادة على ما سيكون له غدًا. وهذا امتداد طبيعي للمرض الذي كشفته الآيات السابقة: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73]. هناك قاس الحق بما يملك الآن. وهنا ذهب أبعد: قاس الغيب بما يملك الآن.

﴿لَأُوتَيَنَّ﴾

لم يقل: لعل لي مالًا وولدًا. ولا: أرجو أن يكون لي. بل: ﴿لَأُوتَيَنَّ﴾. كلام مؤكد عن مستقبل لم يره. وهنا يأتي السؤال الذي يهدم الدعوى كلها: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 78]. من أين جئت بهذا اليقين؟ هل بلغت الغيب حتى اطلعت عليه؟ ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: 78]؟ أم عندك من الله عهد؟ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 78]؟ فإذا لم يكن هذا ولا ذاك، فما الذي حول الأمنية إلى خبر عن المستقبل؟ في أول السورة: ﴿فَهَبْ لِي﴾ [مريم: 5] وهنا يظهر فرق عظيم. زكريا أيضًا أراد ولدًا. لكنه قال: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: 5]. وهذا يقول: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77]. هناك عبد يطلب. وهنا إنسان يتحدث كأن المستقبل مضمون له. هناك افتقار: ﴿فَهَبْ لِي﴾ [مريم: 5]. وهنا ادعاء: ﴿لَأُوتَيَنَّ﴾. فالعبد يسأل. ويرجو. ويدعو. ويأخذ بالأسباب. لكنه لا يملك الغيب. ولا يكتب على الله الصورة التي يريدها للمستقبل.

ليس كل ما تتمناه على الله وعدًا من الله

وهنا نأخذ نحن العبرة، مع بقاء الآية في سياقها. قد يرجو المؤمن من الله شيئًا. شفاء. ولدًا. زواجًا. رزقًا. نصرًا. تفريج كرب. نجاحًا. ويدعو الله به، ويحسن الظن بربه. لكن حسن الظن بالله لا يعني أن يحول الإنسان أمنيته إلى وعد من الله. أن تقول: أرجو الله. شيء. وأن تقول: لا بد أن يعطيني الله هذا بعينه، في الوقت الذي أريد، وبالصورة التي رسمت. شيء آخر. حسن الظن بالله أن تثق برحمته وحكمته وعلمه وتدبيره. لا أن تكتب أنت العقد، ثم تطلب من الله أن ينفذه.

المؤمن لا يصنع الغيب

قالت السورة قبل قليل: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: 61]. المؤمن لم ير الجنة. ومع ذلك صدق. لماذا؟ لأن: ﴿وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ﴾ [مريم: 61]. أما هذا فيقول: ﴿لَأُوتَيَنَّ﴾. فيسأله القرآن: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: 78]؟ وهنا الفرق. المؤمن لا يصنع الغيب ثم يطلب من الله أن يصدقه؛ المؤمن يصدق ما أخبر الله به من الغيب. الوعد وعده. والغيب غيبه.

كان يريد أن يكتب مستقبله بكلامه

﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: 79]. هو يقول: ﴿لَأُوتَيَنَّ﴾. كأنه يكتب مستقبله بلسانه. فيأتي الرد: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: 79]. لن يصبح كلامك حقيقة لمجرد أنك قلته. لكن كلامك نفسه لن يضيع. سيكتب عليك. كان يتكلم كأنه يكتب مستقبله، فإذا بكلامه نفسه يُكتب في صحيفته. وهنا تربية لنا جميعًا: الكلمة التي تخرج منك ليست هواءً يختفي. ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: 79].

المد لا يعني الخير

ثم: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: 79]. وقبل آيات قليلة: ﴿مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا﴾ [مريم: 75]. مد. ثم مد. هناك امتداد في المهلة. وهنا امتداد في العذاب. فتتعلم السورة ألا تنخدع بمجرد الامتداد. ليس كل ما طال خيرًا. وليس كل ما ازداد بركة. وليس كل من امتدت له المهلة ناجيًا. قد يمتد الطريق… لكنه يمتد نحو الهاوية.

أين المال والولد؟

قال: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77]. فقال الله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 80]. يا له من انقلاب. مال. وولد. ثم: ﴿فَرْدًا﴾. ما يتحدث عنه كأنه ملك مضمون له سينفصل عنه. ويبقى الملك لله. وقد سمعنا من قبل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: 40]. وقال: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 63]. والآن: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: 80]. يظن الإنسان أن السؤال: ماذا سأملك؟ فتعيد السورة السؤال: لمن سيبقى الملك؟

﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 80]

ليست المشكلة في المال. ولا في الولد. فزكريا نفسه دعا الله أن يهبه ولدًا. والمال نعمة. والولد نعمة. لكن المشكلة أن يتحول ما حولك إلى وهم أنك به أقوى من حقيقتك. أن تتكئ عليه حتى تنسى أنك عبد. وأن تظن أن ما يحيط بك الآن سيحيط بك دائمًا. فتأتي كلمة واحدة: ﴿فَرْدًا﴾. كل ما تستكثر به حولك لا يغير حقيقة أنك ستأتي الله فردًا. وسيعود هذا المعنى في آخر السورة بصورة أعم: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95]. ما قيل هنا عن رجل واحد، ستقوله السورة بعد قليل عن الجميع.

على ماذا تتكئ؟

ثم تنتقل السورة: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: 81]. والانتقال ليس بعيدًا عن المشهد السابق. ذاك يتكئ على: ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77]. وهؤلاء يتكئون على: ﴿آلِهَةً﴾. والغاية: ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: 81]. يريدون قوة. ومنعة. ونصرة. وسندًا. فالإنسان يبحث دائمًا عما يتكئ عليه. لكن السؤال الذي يطرحه القرآن:

على ماذا تتكئ؟

وهل الشيء الذي جعلته سندك يملك فعلًا أن يحمل عنك ما تطلب منه؟

أرادوهم ﴿عِزًّا﴾… فصاروا ﴿ضِدًّا﴾

﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 82]. أرادوهم: ﴿عِزًّا﴾. فصاروا: ﴿ضِدًّا﴾. ما عبدوه سيتبرأ من عبادتهم. وما اتخذوه سندًا ينقلب عليهم. وهذا هو السند الوهمي حين تنكشف الحقيقة. الأسباب تؤخذ. والناس يستعان بهم فيما يقدرون عليه. والمال ينتفع به. والولد يرجى بره. لكن لا شيء من ذلك يوضع في المكان الذي لا يكون إلا لله. العزة المطلقة منه. والأمان النهائي عنده. والمصير إليه.

وحين يفتح الإنسان باب الإغواء

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: 83]. ﴿تَؤُزُّهُمْ﴾. تدفعهم. وتحركهم. وتغريهم بالشر تحريكًا شديدًا. وليس المعنى أن الله أجبرهم ابتداءً على الكفر. فالآية تقول: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم: 83]. لقد اختاروا طريق الكفر، وأصروا عليه، فكان من الخذلان أن يتركوا لقوى الإغواء التي اختاروا الاستجابة لها. وقد سمعنا إبراهيم من قبل يقول: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: 44]. هناك كان التحذير من الطريق. وهنا نرى ماذا يفعل الشيطان بمن استمر في الاستجابة له: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: 83]. فالشر لا يقف دائمًا عند النقطة التي بدأ منها. خطوة تفتح خطوة. واستجابة تسهل استجابة. حتى يصبح الإنسان مندفعًا في الطريق الذي اختاره.

لا تجعل الشهوة قائدك

وقبل هذا قالت السورة عن قوم: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: 59]. ولا نقول إن كل شهوة من الشيطان. فالرغبات جزء من خلق الإنسان. لكن حين يصبح الهوى قائدًا، يجد الإغواء بابًا مفتوحًا. ولهذا كان الطريق الآخر: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: 76]. هناك اندفاع في طريق. وهنا زيادة في طريق. والسؤال دائمًا: إلى أين تتحرك؟

ترى الباطل يمتد… فتستعجل

ثم يأتي الخطاب لنبينا محمد ﷺ: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: 84]. بعد أن ترى: كفرًا. وسخرية. وعنادًا. وآلهة تعبد. وشياطين تؤز. قد تسأل النفس: إلى متى؟ فيأتي: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ [مريم: 84]. وهذه تربية عظيمة للداعية وللمؤمن. رؤية الباطل لا تعطيك التحكم في توقيت سقوطه. ورؤية الظلم لا تعني أن الساعة التي ينتهي فيها صارت إليك. عليك أن تعرف الحق. وتثبت عليه. وتعمل بما أمرك الله. أما توقيت انتهاء المهلة فليس لك.

﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: 84]

لم يقل لنا النص ماذا يعد بالتحديد. وهذا أبلغ. المهلة كلها داخل الحساب. لا شيء مفتوح بلا حد. ولا شيء خرج من علم الله. ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: 84]. وقبلها: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]. فعدم تعجيل العقوبة ليس نسيانًا. وامتداد الباطل ليس انفلاتًا من الله. المد ليس رضا، والتأخير ليس نسيانًا، والمهلة ليست خروجًا من الحساب. وسيعود هذا اللفظ في آخر السورة: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: 94]. هنا يُعد لهم. وهناك يُحصون هم. لا المهلة تفلت. ولا صاحب المهلة يفلت.

الإنسان يعجل… والله يعد

نحن نرى يومًا. وأسبوعًا. وسنة. فنريد أن نعرف: متى؟ أما الله الذي لا ينسى فيقول: ﴿نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: 84]. وإذا كان الله يعد، فلماذا تستعجل أنت؟ ليس معنى ذلك أن تترك العمل. بل أن تعمل دون أن تجعل إيمانك متعلقًا بسرعة النتيجة. فأنت مكلف بما عليك. أما مواقيت الله فله.

ثم تنتهي المهلة

﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا ۝ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: 85–86]. هنا ينتهي كل ما كان الإنسان يتكئ عليه. وتظهر الوجهة. فريق: ﴿إِلَى الرَّحْمَٰنِ﴾ [مريم: 85]. وفريق: ﴿إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾ [مريم: 86]. هؤلاء: ﴿وَفْدًا﴾. وهؤلاء: ﴿وِرْدًا﴾.

﴿إِلَى الرَّحْمَٰنِ﴾ [مريم: 85]

لم يقل فقط: إلى الجنة. قال: ﴿إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا﴾ [مريم: 85]. والوفد هم القادمون على العظيم، وفي اللفظ معنى القدوم والتكريم. فالجمال ليس في هيئة الوفد فقط. بل في الوجهة: ﴿إِلَى الرَّحْمَٰنِ﴾ [مريم: 85]. هذا الاسم الذي رافقنا في السورة. مريم قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ﴾ [مريم: 18]. وإبراهيم قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ﴾ [مريم: 45]. والأنبياء: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ﴾ [مريم: 58]. والجنة: ﴿وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ﴾ [مريم: 61]. والآن: ﴿إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا﴾ [مريم: 85]. الرحمن لم يعد هنا اسمًا يقرأونه فقط. صار وجهتهم.

من ﴿أَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73] إلى ﴿وَفْدًا﴾

قبل آيات قليلة كانوا يتباهون: ﴿أَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73]. من مجلسه أحسن؟ من حوله أكثر؟ من جماعته أقوى؟ والآن لا تسأل السورة: في أي ناد كنت؟ بل: إلى أين أنت ذاهب؟ قد يكون الإنسان في الدنيا محاطًا بمن يعظمونه. ثم: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 80]. وقد لا يكون له من ذلك شيء. ثم يكون: ﴿إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا﴾ [مريم: 85]. فلا تجعل أكبر أسئلتك: من حولي الآن؟ بل: إلى من أنا ذاهب؟

وفد… وورد

﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: 86]. الورد في أصل اللفظ القادمون إلى المورد. لكن أي مورد هنا؟ ﴿جَهَنَّمَ﴾. فريق قادم إلى الرحمن وفدًا. وفريق يساق إلى جهنم وردًا. كلاهما قادم. لكن شتان بين الوجهتين. الاتجاه نفسه صار جزءًا من الجزاء.

ثم يسقط سند آخر

﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 87]. حتى الشفاعة ليست ملكًا مستقلًا يتصرف فيه أحد كيف يشاء. الأمر لله. وما يكون منها فبإذنه وعلى ما شرع. ثم تعود الكلمة التي بدأت بها هذه الرحلة: ﴿عَهْدًا﴾. في أول المقطع: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 78]. وفي آخره: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 87]. العهد يطوق المقطع من طرفيه. وقد فسره جماعة من السلف بما يدخل فيه الإيمان والتوحيد والوفاء لله. فليس العهد أمنية يكتبها الإنسان لنفسه. إنه ما جعله الله عهدًا.

سند بعد سند… يسقط

انظر الآن إلى المقطع كله. قال: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77]. فسقط وهم المال والولد: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 80]. واتخذوا آلهة: ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: 81]. فسقط وهم العزة: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 82]. ورأى الإنسان امتداد المهلة. فسقط وهم السلامة: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: 84]. ثم حتى الشفاعة: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ [مريم: 87]. سند بعد سند تنزعه السورة من القلب. حتى لا يبقى في النهاية إلا: ﴿الرَّحْمَٰنِ﴾. ﴿إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا﴾ [مريم: 85]. ﴿عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 78، 87].

على ماذا تتكئ؟

هذا هو السؤال الذي يتركه المقطع في القلب.

على ماذا تتكئ؟

على ما في يدك؟ سيزول. على من حولك؟ ستأتي فردًا. على قوة تظنها عزًا؟ قد تصبح ضدًا. على امتداد المهلة؟ إنما تعد عدًا. على أحد يملك لك المصير من دون الله؟ ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ [مريم: 87]. كل سند أخذ منزلة لا يملكها يسقط. ويبقى الرحمن.

بين الأمنية والعهد

قال الرجل: ﴿لَأُوتَيَنَّ﴾. وكأنه يحمل الغيب في يده. فقال الله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: 78]؟ ثم مضى المقطع كله يسحب منه أوهام السيطرة واحدًا بعد آخر. المال والولد. العز. الآلهة. المهلة. الشفاعة. حتى ينتهي عند: ﴿عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 78، 87]. وهنا نعرف الفرق بين الأمنية والعهد. الأمنية منك. والعهد منه. والرجاء منك. والوعد منه. والدعاء منك. والتقدير له. والعمل عليك. والغيب له. فلا تحول رجاءك إلى ادعاء. ولا تجعل ما أعطاك الله في الدنيا عهدًا لك بالنجاة. ولا تجعل امتداد ما في يدك دليلًا على الرضا. ليس كل ما تتمناه على الله وعدًا من الله، وليس كل ما أعطاك الله في الدنيا عهدًا لك بالنجاة، وليس كل ما امتد لك دليلًا على الرضا. الوعد ما وعد. والعهد ما عهد. والغيب غيبه. والعزة له. والوقت في عدّه. والمصير إليه. وكل ما تتكئ عليه سيُختبر. حتى لا يبقى في القلب إلا السؤال: هل لي عند الرحمن عهد؟ ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 87].

شارك المقال