ميزان الإيمان يبنى على التوازن بين رجاء رحمة الله الواسعة والوجل من عدله، ليمضي العبد بالتوحيد والعمل دون يأسٍ أو اغترار.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
*أمة الرحمة… بين عدل الله وسعة مغفرته*
حين يجتمع الخوف والرجاء في ميزان الإيمان
من أعظم ما يميز الخطاب القرآني أنه لا يربي الإنسان على الخوف وحده، ولا يفتح له باب الرجاء بلا ضابط، بل يبني قلبًا متوازنًا يعرف عظمة الله، ويرجو رحمته، ويخاف عدله.
قال تعالى:
فالله سبحانه رحيم لا يظلم، وعادل لا يترك الظلم بلا حساب.
عدل الله الذي لا يضيع الحق
وفي خاتمة سورة المائدة يظهر هذا المعنى في مشهد عظيم يوم القيامة، حين يسأل الله عيسى ابن مريم عليه السلام:
﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116].
فيتبرأ عيسى عليه السلام من ذلك، ويفوض الأمر إلى ربه:
فجاء ختام الآية بـ العزة والحكمة؛ لأن الأمر كله لله، يحكم بالعدل، ويضع الرحمة في موضعها، ولا يغفر ما كان ظلمًا وإصرارًا على الحق بعد قيامه.
الرحمة التي سبقت كل شيء
ثم يأتي القرآن في فاتحة الكتاب ليعرّف المؤمن بربه قبل أن يذكره بيوم الحساب:
فتتقدم الرحمة على ذكر يوم الدين؛ ليعلم الإنسان أن الذي سيحاسبه هو الرحمن الرحيم.
فالذي يملك يوم الحساب هو الذي كتب على نفسه الرحمة:
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54].
وقال سبحانه:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156].
لكنها ليست رحمة تُفهم على أنها أمان من العمل، بل رحمة تقود إلى الطاعة، وتزيد المؤمن شكرًا وافتقارًا إلى الله.
أمة الرحمة
ومن أعظم مظاهر رحمة الله بهذه الأمة أن بعث فيها نبي الرحمة محمدًا ﷺ، فقال سبحانه:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
فجاء النبي ﷺ حاملًا أعظم رسالة هداية، ومدخرًا لأمته من الرحمة والشفاعة ما يكون سببًا للنجاة بإذن الله.
قال ﷺ:
«لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة».
وهذه الرحمة العظيمة لا تلغي مسؤولية الإنسان، بل تجعل المؤمن أشد حرصًا على الثبات؛ لأن من عرف رحمة الله لم يجرؤ على معصيته، ومن عرف عظمته لم يأمن مكره.
أعظم أبواب الرحمة: التوحيد
ومن أعظم ما يفتح للعبد باب رحمة الله أن يلقى الله بالتوحيد الخالص.
قال تعالى:
فالتوحيد هو أصل النجاة، ومن مات عليه فهو تحت مشيئة الله ورحمته.
ولهذا كانت كلمة:
﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات: 35؛ محمد: 19]
أعظم ما تحمله القلوب، وأعظم ما يلقى به العبد ربه.
السنة المركزية
يكشف القرآن سنة عظيمة:
أن المؤمن يسير إلى الله بين جناحين: خوفٍ يمنعه من الغرور، ورجاءٍ يمنعه من اليأس.
فمن غلبه الخوف قنط، ومن غلبه الرجاء اغتر، أما أهل الإيمان فيعرفون أن ربهم رحيم عادل؛ يعاقب بحكمة، ويغفر بفضل، ويرحم من صدق معه.
فيا من أثقلته الذنوب، لا تيأس من رحمة الله.
ويا من أخافه الحساب، تذكر أن مالك يوم الدين هو الرحمن الرحيم.
واجعل أعظم زادك لقاء الله بقلب سليم، وتوحيد صادق، وعمل صالح.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل رحمته، وأن يثبتنا على التوحيد حتى نلقاه، وأن يحشرنا في زمرة نبينا محمد ﷺ، والحمد لله رب العالمين.