سنن التنزيل
مقال

﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾… حين يكون الغنى نفعًا والبيان عدلًا

  • 3 دقائق للقراءة
  • 3 آيات

حقيقة القدرة تكمن في تحويل الرزق إلى نفع مبذول والبيان إلى عدل قائم، لا في تكديس المال وكثرة الكلام دون استقامة تثمر الخير.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

قال تعالى:

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 75–76]

[النحل: 75-76].

مَثَلان متتابعان، يقيم بهما القرآن الحجة في التوحيد، ويبطل التسوية بين العاجز والقادر، وبين من لا يأتي بخير ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم.

لكن هندسة المثلين تضع أمامنا أيضًا ميزانًا دقيقًا:

ليست القضية فقط: ماذا عندك؟

ولكن: ماذا خرج منك بما أعطاك الله؟

في المثل الأول لم يقل القرآن: فقير وغني.

بل قال:

﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ [النحل: 75]،

ثم قابله بمن:

﴿رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ [النحل: 75].

تأمل حركة الكلمات:

﴿رَزَقْنَاهُ﴾ ثم ﴿يُنفِقُ﴾.

﴿رَزَقْنَاهُ﴾ تذكّرك بمصدر النعمة، و﴿يُنفِقُ﴾ تذكّرك بوظيفتها.

دخلت النعمة إليه رزقًا، وخرجت منه نفعًا.

فليست العبرة بكثرة ما تجمع، وإنما بما يفتح الله من الخير فيما رزقك.

وقد يملك الإنسان الكثير، بل قد يملك من الكنوز ما يذكّر بقارون، ثم يكون أسيرًا لما جمع؛ يحرس المال ويخشى عليه ويمنعه من مواضع الخير.

يملك المال في الظاهر، وقد يملكه المال في الباطن.

ثم يأتي المثل الثاني:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ [النحل: 76].

وهنا لفتة عجيبة:

لم يقابل القرآن الأبكم بمتكلم.

بل قال:

﴿وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: 76].

لأن القضية ليست كثرة الكلام، وإنما ما يأتي به الكلام من خير.

قد يتحدث الإنسان كثيرًا، ويرتفع صوته، وتتسع منابره، ثم حين يحتاج الحق إلى كلمة يسكت، وحين يحتاج المظلوم إلى عدل يغيب.

قد يملأ الدنيا كلامًا، ثم يكون في ميزان الأثر ممن ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ [النحل: 76].

فالبيان الحقيقي ليس كثرة الكلمات، وإنما أن تكون الكلمة في موضعها طريقًا إلى الحق والعدل.

ثم لم تقف الآية عند:

﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: 76، 90]،

بل أضافت:

﴿وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 76].

فجمعت بين الكلمة وصاحب الكلمة:

﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: 76، 90]: أثره في غيره.

﴿وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 76]: حاله في نفسه.

فليس المطلوب أن تدعو الناس إلى العدل فقط، بل أن تستقيم أنت على الطريق الذي تدعوهم إليه.

واللافت أن المثلين يجمعهما التعبير نفسه:

﴿لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ [النحل: 75–76].

ثم تكشف الجهة الأخرى صورة القدرة النافعة:

في الأول:

﴿فَهُوَ يُنفِقُ﴾ [النحل: 75].

وفي الثاني:

﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: 76، 90].

فالقرآن ينقل النظر من الإمكانات إلى الثمرات.

ما قيمة مال لا يتحرك إلى موضع الحاجة؟

وما قيمة علم لا يهدي؟

وما قيمة جاه لا ينصر حقًا؟

وما قيمة منصب لا يرد مظلمة؟

وما قيمة قوة لا تحمي ضعيفًا؟

وما قيمة لسان يستطيع أن يتحدث في كل شيء، ثم يعجز عندما يحتاج العدل إلى كلمة؟

فالعجز ليس دائمًا في قلة الوسائل؛ قد تتوافر الوسائل كلها، ثم تتعطل وظيفتها.

وهنا يأتي السؤال القرآني مرتين:

﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ [النحل: 75]؟

ثم:

﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: 76]؟

وكأن القرآن يعيد ضبط ميزاننا:

لا تنظر فقط إلى ما يملك الإنسان، بل ماذا يفعل بما يملك.

ولا إلى مقدار ما يقول، بل ماذا يقيم بقوله.

ولا إلى المكان الذي يحتله، بل الطريق الذي يسير عليه.

وهكذا ترسم الآيتان ثلاثة أسئلة لنا:

ماذا فعلت بما في يدك؟

﴿فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ﴾ [النحل: 75].

وماذا فعلت بما على لسانك؟

﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: 76، 90].

وأين أنت في الطريق؟

﴿وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 76].

يدٌ تنفع، ولسانٌ يعدل، وصاحبٌ يستقيم.

ختامًا،

قد يملك الإنسان مال قارون، ثم يكون مملوكًا لما جمع.

وقد يملأ الدنيا كلامًا، ثم لا يأتي كلامه بخير.

وقد تقل إمكاناته، لكن الله يفتح على يديه من أبواب النفع ما لا يفتحه على أصحاب الأموال والمناصب والأصوات العالية.

فلا تسأل نفسك فقط:

ماذا أعطاني الله؟

ولكن اسأل:

ماذا خرج إلى الناس من الخير بما أعطاني الله؟

فهناك يظهر أثر النعمة، وهناك تُعرف حقيقة القدرة.

﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ [النحل: 75]؟

شارك المقال