سنن التنزيل
مقال

﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾… حين تعيد الدنيا ترتيب الناس في عينيك

  • 4 دقائق للقراءة
  • 5 آيات

موازين الناس تضطرب حين تخدعنا زينة الدنيا بمقاييس الشهرة والجاه، بينما يرشدنا الوحي إلى وزن القلوب بإرادة الحق واختيار صحبة الصادقين طلباً للطمأنينة.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

*﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: 28]… حين تعيد الدنيا ترتيب الناس في عينيك*

قال الله تعالى:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

كم مرة تجاوزت عيناك إنسانًا لأن الدنيا لم تضع حوله ما يلفت النظر؟

قد يكون أمامك إنسان هادئ خفي، لا مال ولا منصب ولا شهرة، فلا تكاد العين تتوقف عنده.

ثم يدخل صاحب اسم أو مكانة، فتلتفت الوجوه، وتتغير نبرة الحديث، ويصبح لكلامه وزن ربما لم يكن للكلام نفسه لو صدر عن غيره.

ماذا تغير؟

ربما لم يتغير الكلام.

الذي تغير هو الميزان في العين.

ولهذا قال الله لنبيه ﷺ:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: 28].

فالنفس تحتاج إلى صبر؛ لأنها قد تنجذب إلى البريق والمكانة والظهور.

ثم قال:

﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: 28].

وقد لا تغادر المجلس بقدميك، ولكنك تغادره بعينيك؛ تجلس مع إنسان وعيناك تبحثان عمن تراه أهم منه.

فالعين لا تنظر فقط؛ قد تبدأ منها إعادة ترتيب الناس في القلب.

ولماذا تعدو العين؟

﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28].

في الآية إرادتان:

﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28].

وفي المقابل:

﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28].

هم يريدون وجه الله، والدنيا تعرض زينتها على العين.

واللافت أن القرآن حين عرّف هؤلاء لم يذكر أموالهم ولا أنسابهم ولا مواقعهم، وإنما عرّفهم بعلاقتهم بالله:

﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ… يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28].

الدنيا كثيرًا ما تعرّف الإنسان بما يملك، أما القرآن هنا فيلفت إلى ما يريد.

والمشكلة ليست في المال أو المنصب أو الشهرة، كما أن الفضيلة ليست في الفقر بذاته.

قال تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

لكننا لا نعرف من الأتقى عند الله، ولم تُعط لنا مفاتيح القلوب.

لم يطلب منك القرآن أن تعرف من الأكرم عند الله، وإنما نهاك أن تجعل زينة الدنيا دليلًا على أنه الأكرم.

وهنا تصبح الآية مرآة لمعاملاتنا:

لمن نصغي باهتمام؟

ومن نؤخره لأننا لا نرجو منه منفعة؟

وهل نزن الفكرة بما فيها من حق، أم يسبق اسم قائلها إلى ميزاننا؟

واليوم أضافت وسائل التواصل إلى زينة العين أرقامًا جديدة: المتابعون، والمشاهدات، والإعجابات والانتشار.

لكن الشهرة لا تكشف منزلة الإنسان عند الله، كما أن الخفاء لا يدل على هوانه.

ولهذا قال نبينا محمد ﷺ:

«رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ».

ثم تنقلنا الآية من العين إلى القلب:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

غفلة في القلب، ثم اتباع للهوى، ثم أمر ينتهي إلى التفريط والضياع.

وسورة الكهف لا تترك المعنى نظريًا.

فصاحب الجنتين لم تكن مشكلته في النعمة، وإنما عندما تحولت النعمة من شيء في اليد إلى ميزان في القلب:

﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: 34].

ثم تقول السورة:

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46].

تأمل:

﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28].

ثم:

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46].

حذرت السورة العين من طلب الزينة، ثم أرتنا ماذا تفعل الزينة حين تتحول من نعمة في اليد إلى ميزان في القلب.

لكن إذا لم تكن الزينة هي التي تختار لنا الناس، فبأي ميزان نختار الدائرة الأقرب إلينا؟

من نصاحب؟ ومع من نطمئن إلى السير والعمل؟

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

تأمل:

لم يقل فقط: اصدقوا.

بل قال:

﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

لم يكتف القرآن هنا بالأمر بالصدق، بل وجّه إلى المعية.

وهنا رابط جميل مع الآية التي بدأنا منها:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: 28].

وهنا:

﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

السياقان مختلفان، لكن «المعية» في كليهما تستحق التأمل.

فليس السؤال فقط: من أعرف؟

بل: مع من أكون؟

قد تعرف أناسًا كثيرين وتحسن إلى الجميع، لكن ليس كل من تعرفه يصلح أن يكون من دائرتك القريبة.

ومن أعظم ما يورث الاطمئنان في هذه المعية: الصدق.

قد تختلف مع الصادق في رأي أو اجتهاد أو أسلوب، لكنك تعرف أين تقف معه.

إذا وافقك، اطمأننت إلى أن موافقته ليست تملقًا، وإذا خالفك لم تحمل مخالفته مباشرة على سوء القصد، وإذا نصحك لم تحتج إلى البحث خلف كلماته عن مصلحة مستترة.

ولهذا قد يكون الاختلاف مع الصادق أيسر من الاتفاق مع غير الصادق.

فالاختلاف يمكن مناقشته، والخطأ يمكن تصحيحه؛ أما إذا سقط الصدق، فقد اهتز الأساس الذي تقوم عليه الثقة.

وهنا يلتقي الميزانان:

﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28].

و:

﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

الأولى تصحح كيف تنظر إلى الناس، والثانية ترشدك إلى صفة عظيمة فيمن تختار أن تكون معه.

فلا تدع زينة الدنيا تختار لك الناس.

لا تبحث فقط عمن يملك أكثر، أو يعرف أكثر، أو يفتح لك أبوابًا أكثر.

ابحث عمن تستطيع أن تأمن صدقه.

فالمال قد ينفعك، والمنصب قد يفتح لك بابًا، والشهرة قد تمنحك حضورًا؛ لكن الصادق يمنح العلاقة شيئًا لا يُشترى:

الطمأنينة.

والصدق لا يغني عن الدين والخلق والأمانة والكفاءة بحسب نوع العلاقة، لكنه أساس لا تستقر الثقة بدونه.

ختامًا

ليست المشكلة أن ترى زينة الدنيا؛ فالقرآن نفسه سماها زينة.

المشكلة أن تتحول الزينة إلى ميزان ترى به الناس، ثم إلى بوصلة تختار بها من تقترب منهم.

فلا تجعل الشهرة دليلًا على القدر، ولا الخفاء دليلًا على الهوان، ولا كثرة المال دليلًا على الكرامة.

عامل الناس بالعدل والكرامة، واترك السرائر لمن يعلمها.

لكن حين تختار من يكون قريبًا منك، ومن تمشي وتعمل معه، فلا تسأل فقط:

ماذا يملك؟ ومن يعرف؟ وماذا سأكسب من قربه؟

واسأل:

هل أطمئن إلى صدقه؟

فالقرآن يقول:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: 28].

ويقول:

﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

ليست كل معية تُختار بما تضيفه إلى صورتك؛ بعض المعية تُختار بما تضيفه إلى دينك وقلبك وصدقك.

وقبل أن تعدو عيناك عن إنسان إلى غيره، اسأل:

ما الذي جعله كبيرًا في عيني؟

أهو الحق والفضل النافع؟

أم شيء من زينة الحياة الدنيا؟

وقبل أن تختار من يكون معك، اسأل:

على أي أساس اخترته؟

فليست القضية فقط:

من الكبير في عيني؟

بل:

بأي ميزان كَبُر فيها؟

ومع مَن اخترت أن أكون؟

شارك المقال