سنن التنزيل
مقال

حين تُطوى الفتن… ويُوضَع الكتاب

  • دقيقتان للقراءة
  • 4 آيات

فتن الدنيا الزائفة تسقط يوم القيامة بميزان العدل الإلهي، ليدرك الإنسان أن قيمته الحقيقية تكمن فيما رآه الله من قلبه وعمله لا صورته أمام الناس.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

يعيش الإنسان في هذه الدنيا بين صورتين:

صورة يراها الناس، وحقيقة يعلمها الله.

وقد ينجح الإنسان في صناعة صورته أمام الخلق، لكنه لا يستطيع أن يغير ما يُكتب في صحيفة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة.

قال تعالى:

﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49].

هذه الآية ليست مجرد مشهد من مشاهد القيامة، بل هي خاتمة المعنى الذي تبنيه سورة الكهف؛ فالسورة كلها تعلّم الإنسان أن الحقيقة ليست دائمًا فيما تراه العين، وإنما فيما يراه الله ويزنه بميزان الحق.

بين ظاهر الفتنة وحقيقة الميزان

في قصة أصحاب الكهف بدا المشهد في ظاهره خسارة:

شباب تركوا الأهل والوطن والراحة، ولجؤوا إلى كهف لا يملكون فيه شيئًا.

لكن ميزان الله كان مختلفًا؛ فقد كانوا أهل ثبات، فخلّد الله ذكرهم وجعل قصتهم آية للأجيال.

وفي قصة صاحب الجنتين ظهر المال في صورة النجاح، وظن صاحبه أن القوة والنعمة دليل الفضل، حتى قال:

﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 35].

فكشف الله أن النعمة إذا انفصلت عن الشكر قد تتحول إلى فتنة.

وفي قصة موسى والخضر يتعلم الإنسان أن ظاهر الأحداث ليس دائمًا هو الحقيقة؛ فكم من أمر يراه الإنسان شرًا، وفي علم الله رحمة وحكمة.

وفي قصة ذي القرنين يظهر أن القوة ليست قيمة في ذاتها، وإنما قيمتها في كيفية استعمالها، ولذلك قال:

﴿هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98].

وهكذا تجمع السورة فتن الدين والمال والعلم والسلطان، لتقرر سنة واحدة:

أن الإنسان لا يُقاس بما يملكه، وإنما بموقفه حين يُفتن بما يملك.

لحظة انكشاف الحقيقة

ثم تأتي خاتمة السورة:

﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الكهف: 49].

هناك تسقط كل الصور التي صنعها الإنسان، وتختفي الألقاب والمظاهر، ولا يبقى إلا العمل.

لا يُسأل الإنسان كيف بدا للناس، بل ماذا كان بينه وبين الله.

ولا يُنظر إلى ما جمعه، بل إلى ما قدمه.

ولهذا قال سبحانه:

﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: 49].

لم يقل: وجدوا ما عملوا مكتوبًا فقط، بل قال: حاضرًا.

فكل شيء يعود:

كلمة قيلت، وخطوة خفية، وإحسان لم يره أحد، وظلم ظنه صاحبه قد نُسي.

كل ذلك حاضر أمام عدل الله.

بين الكتابين

ومن لطائف سورة الكهف أنها تبدأ بقوله تعالى:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1].

وتختم بمشهد:

﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الكهف: 49].

فبين الكتاب المنزل والكتاب الموضوع رحلة الإنسان كلها.

الأول هداية ورحمة؛ ليكشف الطريق وسط الفتن.

والثاني شهادة وعدل؛ ليكشف حقيقة ما اختاره الإنسان في الطريق.

فمن عاش مع الكتاب المنزل هُدي، فإذا وُضع الكتاب الآخر وجد فيه ما يسره.

سنة الفتن

تعلمنا سورة الكهف أن الفتن لا تكشف قيمة الإنسان بما تخرجه منه فقط، بل بما تكشفه من حقيقة قلبه.

فقد يملك الإنسان القليل ويكون عند الله عظيمًا.

وقد يملك الكثير ويخسر إذا جعل ما في يده أكبر مما في قلبه.

والعالم اليوم يدفع الإنسان إلى صناعة الصورة، أما القرآن فيدعوه إلى صناعة الحقيقة.

الناس تسأل:

كيف أبدو؟

أما القرآن فيسأل:

ماذا كُتب لي؟

ولهذا فالسعيد من عاش مع كتاب الهداية قبل أن يقف أمام كتاب الحساب، وجعل الوحي قائدًا له في زمن الفتن؛ حتى إذا وُضع الكتاب وجد فيه ما يطمئن قلبه.

فالحقيقة التي تبقى ليست ما رآه الناس منك…

بل ما رآه الله منك.

والحمد لله رب العالمين.

شارك المقال