معركة التزيين تستهدف قلب الموازين عبر زخرف القول، ليتحول المنكر في عين صاحبه إلى فضيلة يدافع عنها، ولا عاصم من هذا التضليل إلا الاستمساك بميزان الوحي.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
ليست أخطر معارك الشيطان أن يدفع الإنسان إلى المنكر وهو يعلم أنه منكر؛ فمَن بقي يعرف خطأه قد يندم ويتوب.
الخطر الأكبر أن يتغير الميزان نفسه؛ فيرى المنكر معروفًا، والباطل حقًا، والضلال هداية، ثم يدافع عنه وهو يظن أنه يحسن صنعًا.
وهنا تبدأ معركة التزيين.
فالشيطان لا يعمل وحده، وقد كشف القرآن عن شياطين الإنس والجن فقال:
زخرف القول… تجميل الباطل
الزخرف لا يغيّر حقيقة الشيء، وإنما يجمّل ظاهره حتى يخدع الناظر إليه.
وهكذا يعمل التزيين: لا يقول للإنسان دائمًا: اتبع الباطل، وإنما يغيّر أسماء الأشياء وصورها حتى يسهل قبولها؛ فقد يسمى الهوى حرية، والتنازل حكمة، والجبن عقلانية، والمنكر تقدمًا.
فالحقائق لم تتغير، لكن الأسماء التي قُدّمت بها تغيرت.
ولهذا فمعركة التزيين هي معركة على المفاهيم قبل أن تكون معركة على السلوك.
كيف يصنع التزيين المنكر؟
يكشف القرآن المراحل بدقة:
زخرف القول → إصغاء القلب → الرضا → الاقتراف.
فالمنكر قد يبدأ بكلمة مزخرفة؛ يسمعها الإنسان فيستنكرها، ثم تتكرر عليه، فيألفها، ثم يقبلها، ثم يدافع عنها، ثم يمارسها.
حتى يصل إلى المرحلة الأخطر:
﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8].
لم تعد المشكلة أنه فعل السوء، بل أنه رآه حسنًا.
حين يضيع الميزان
قال تعالى:
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 37].
وقال:
في الأولى يحسب أنه مهتدٍ، وفي الثانية يحسب أنه يحسن صنعًا.
وهنا يبلغ التزيين غايته:
أن يتحول المنكر من خطيئة يستغفر الإنسان منها، إلى فضيلة يفتخر بها ويدعو إليها.
فالذي يعصي وهو يعلم أنه عاصٍ قد يتوب، أما الذي انقلب ميزانه فلا يبحث عن التوبة؛ لأنه يرى نفسه على صواب.
من يحدد الميزان؟
لهذا قال الله:
فالحق لا يصبح حقًا لأن شخصًا عظيمًا قاله، ولا لأن الناس اعتادوه، ولا لأن الأكثرية قبلته.
وقد قال المقلدون:
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23].
فجاء ميزان الوحي:
﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: 24].
السؤال إذن ليس: من قال؟
بل: هل هو أهدى؟ وهل يوافق ما أنزل الله؟
القرآن… كاشف الزخرف
وهنا نفهم خطورة هجر القرآن:
﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30].
فليس الهجر أن نترك تلاوته فقط؛ فقد نقرأ القرآن ثم نهجر ميزانه عندما نحكم على الأفكار والمواقف والأعمال.
ولهذا قال تعالى:
﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: 43].
فالزخرف يتغير، والمصطلحات تتبدل، ووسائل التأثير تتطور، لكن ميزان الوحي لا يتغير.
ختامًا
المعركة الحقيقية ليست شخصًا ضد شخص، وإنما بين:
﴿هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: 153]
وبين:
﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112].
لذلك لا يكن سؤالنا الأول: من هم شياطين الإنس؟
بل السؤال الأخطر:
بأي ميزان أرى الأشياء؟
هل أرى الحق حقًا لأن الله سماه حقًا، والمنكر منكرًا لأن الله سماه منكرًا؟
أم أعادت زخرفة الكلمات وكثرة تكرارها تشكيل ميزاني؟
فليست أخطر انتصارات الشيطان أن يجعلك تفعل المنكر وأنت تعلم أنه منكر، بل أن يغيّر ميزانك حتى تفعله وأنت تحسب أنك مهتدٍ… وأنك تحسن صنعًا.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.