سنن التنزيل
مقال

سورة الانشقاق… لا تستوطن طبقة خُلقت لتغادرها

  • 3 دقائق للقراءة
  • 22 آيةً

أحوال الإنسان المتقلبة تكشف سنّة العبور في سورة الانشقاق، ليتنبه الكادح إلى حتمية لقاء ربه فلا يستوطن منازل الدنيا العابرة على حساب مآله الدائم.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

يعيش الإنسان متعلقًا بما يظنه ثابتًا: صحته، وشبابه، وماله، وأهله، ومكانته، وربما يظن حتى أن شدته لن تنتهي.

فتأتي سورة الانشقاق لتهدم هذا الوهم من أول آياتها:

﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ ۝ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ۝ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ۝ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ۝ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: 1–5].

السماء التي تراها ثابتة ستنشق، والأرض التي تطمئن إليها ستتغير وتلقي ما فيها.

فإذا كان ما فوقك سيتغير، وما تحتك سيتغير، فكيف تظن أنك ستبقى على حال؟

لكن السورة تلفت إلى معنى أعمق:

﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: 2، 5].

السماء منقادة، والأرض منقادة، ثم يأتي الإنسان بينهما:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: 6].

كل إنسان كادح.

هذا يكدح في طلب المال، وذاك في طلب المكانة، وآخر في بناء مستقبله.

لكن القرآن يكشف الوجهة التي وراء كل هذه الوجهات:

﴿إِلَىٰ رَبِّكَ﴾ [الإنشقاق: 6].

أنت لا تسير مع الزمن فقط؛ أنت تسير إلى الله.

وكل يوم يمضي ليس يومًا نقص من عمرك فحسب، بل مسافة قطعتها إلى اللقاء.

﴿فَمُلَاقِيهِ﴾.

ولهذا ليست القضية: هل نصل؟

فالوصول محتوم.

القضية: كيف نصل؟

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ۝ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ۝ وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: 7–9].

وفي المقابل:

﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ۝ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ۝ وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: 10–12].

واللافت أن السورة قالت عن الأول:

﴿يَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: 9]،

وقالت عن الآخر:

﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: 13].

سروران، لكن بينهما مسافة الأبد.

ليست المشكلة أن تفرح بالدنيا أو تحب أهلك أو تنتفع بنعم الله، وإنما أن يتحول الممر إلى مقر، وأن تنسى وأنت في المحطة أن أمامك وجهة.

ولهذا كان أصل الغفلة:

﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: 14].

ظن أنه لن يرجع.

﴿بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: 15].

ثم يقسم الله بمشاهد يراها الإنسان كل ليلة:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ۝ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ۝ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ۝ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: 16–19].

شفق يرحل.

وليل يأتي.

وقمر ينتقل في منازله حتى يكتمل.

كل شيء أمامك يقول:

لا شيء يبقى على حاله.

وأنت كذلك:

﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: 19].

طفولة فشباب فشيخوخة.

ضعف فقوة فضعف.

صحة ومرض.

غنى وفقر.

أمن وخوف.

قوة واستضعاف.

لا واحدة منها وطنًا دائمًا.

فلا تستوطن بقلبك طبقة خُلقت لتغادرها.

وهذه الآية لا تعزي المبتلى وحده، بل تحذر المنعَّم أيضًا.

تقول للمبتلى: لا تيأس، فهذا ليس آخر الطريق.

وتقول للقوي: لا تغتر، فهذا أيضًا ليس آخر الطريق.

وتعلم الأفراد والأمم ألا يحكموا على التاريخ من مشهد واحد؛ فكم من قوي بدا أن قوته لا تزول ثم صار خبرًا، وكم من مستضعف ظُن أن ضعفه نهايته ثم تبدلت الموازين.

لا تجعل «الآن» يحجب عنك «المآل».

ثم يأتي السؤال:

﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: 20–21].

وهنا تعود السورة إلى بدايتها.

السماء:

﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ [الإنشقاق: 2، 5].

والأرض:

﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ [الإنشقاق: 2، 5].

أما الإنسان فيُقرأ عليه كلام ربه:

﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: 21].

ما فوقك منقاد لله، وما تحتك منقاد لله، وأنت نفسك تنتقل وفق سنته، فكيف يأبى قلبك أن ينقاد؟

لقد أعطاك الله حرية أن تختار كيف تسير، لكنه لم يعطك حرية أن تختار هل تصل.

يمكنك أن تعرض عن القرآن، لكنك لا تستطيع إلغاء الحساب.

وهنا تظهر واحدة من أجمل مقابلات السورة:

في الدنيا:

﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ﴾ [الإنشقاق: 21].

وفي الآخرة:

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: 7].

كتاب يُقرأ عليك اليوم، وكتاب يُعطى لك غدًا، وبين الكتابين تكتب قصة حياتك.

أرسل الله إليك كتاب الهداية قبل أن يعطيك كتاب الحساب، وبيّن لك الطريق قبل أن يسألك كيف سرت فيه.

ثم تختم السورة:

﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: 25].

وهنا تكتمل هندستها.

بدأت بعالم يتغير:

سماء تنشق.

وأرض تتبدل.

وشفق يذهب.

وليل يأتي.

وقمر ينتقل.

وإنسان يركب طبقًا عن طبق.

كل شيء يعبر، وكل شيء في الدنيا قابل للانقطاع.

ثم تنتهي السورة بشيء لا ينقطع:

﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: 25].

فلا تتعلق بما سينقطع.

ولا تيأس بسبب ما سينقطع.

ولا تغتر بما سينقطع.

واعمل في العابر لما لا ينقطع.

ختامًا، أنت مخير في كيفية السير، ولست مخيرًا في أصل الوصول.

فلا تستوطن طبقة خُلقت لتغادرها، ولا تجعل الآن يحجب عنك المآل؛ فأنت منذ أول الطريق:

﴿كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: 6].

فاللهم أحسن كدحنا إليك، وأحسن لقاءنا بك، وارزقنا كتابًا باليمين، وحسابًا يسيرًا، وانقلابًا إلى أهلنا مسرورين، وأجرًا غير ممنون.

شارك المقال