سنن التنزيل
مقال

حين يعيد القرآن بناء اليقين

  • 3 دقائق للقراءة
  • 7 آيات

بناء اليقين القرآني لا يبدأ بوعد الفرج، بل بتعريف القلب بالمدبر والقدير والكافي؛ ليسقط اليأس وتستقر النفس مهما اضطربت الحياة واشتدت المحن.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

ما أكثر ما تضطرب القلوب حين تشتد المحن، وتتعقد الأسباب، وتغيب المخارج، حتى يظن الإنسان أن الأبواب قد أغلقت، وأن الواقع لا يحمل إلا مزيدًا من الألم.

لكن القرآن لا يبدأ من حيث يبدأ الناس.

فالناس يبدأون بالمحنة، ويبحثون عن الفرج.

أما القرآن فيبدأ بالله.

لأن الله سبحانه يعلم أن المشكلة ليست في شدة البلاء، وإنما في القلب الذي يستقبل البلاء. فإذا عرف القلب ربه حق المعرفة، استقرت نفسه، ولو اضطربت الدنيا من حوله.

ولهذا لا يبدأ القرآن بوعد الفرج، ولا بالدعوة إلى التفاؤل، وإنما يبدأ بتعريف المؤمن بربه، حتى يولد اليقين في قلبه ولادةً طبيعية.

وأول ما يقرره القرآن في هذا الطريق قوله تعالى:

﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: 5].

إنها ليست مجرد آية في بيان سلطان الله، بل هي مفتاح لقراءة الحياة كلها.

فالذي يجري في الأرض لم يبدأ في الأرض.

بل بدأ من السماء، من علم الله، وحكمته، وتقديره، ورحمته.

ولهذا لا يقرأ المؤمن الأحداث كما يقرأها غيره؛ فالناس يقفون عند ظاهر الوقائع، أما المؤمن فيوقن أن وراء كل ما يجري تدبيرًا محكمًا لا يغيب عنه شيء.

فإذا استقر في القلب أنه لا فوضى في هذا الكون، وأن كل شيء يجري بتقدير الله، انتقل القرآن إلى بناء اليقين من جهة أخرى، فيقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

فليس في قدرة الله مستحيل.

ولا يعجزه ظلم طال، ولا مرض استعصى، ولا ضعف أمة، ولا انغلاق طريق.

ثم يزيد القرآن هذا المعنى رسوخًا بقوله سبحانه:

﴿وَهُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: 9، 21].

فما تعظمه النفوس، وتصعبه الحسابات، هو عند الله يسير.

ثم يبلغ هذا البناء ذروته بقوله تعالى:

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82].

فالذي يدبر الأمر هو نفسه الذي لا تعجزه الأسباب، ولا يقيده زمان، ولا يقف أمام إرادته مانع.

وهنا يكون القرآن قد أزال من قلب المؤمن ثلاثة أوهام:

وهم الفوضى…

ووهم العجز…

ووهم الاستحالة.

ثم ينتقل إلى أعمق ما في النفس البشرية.

إلى ذلك الشعور الذي يهاجم الإنسان في أوقات الشدة:

أنا وحدي.

فيأتي الجواب الذي يسكب الطمأنينة في القلب:

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36].

يا لها من آية!

إنها لا تتحدث عن الكون، بل عنك أنت.

عن العبد الذي ضاقت به الدنيا، وانقطعت به الأسباب، وأثقله البلاء.

فتجيبه السماء بسؤال لا يترك في القلب موضعًا للخوف:

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]؟

فإذا كان الله هو المدبر، وهو القدير، وهو الذي لا يعجزه شيء، وهو الكافي لعبده، فما الذي يبقى لليأس؟

وهنا فقط يأتي الحديث عن الفرج.

ولم يبدأ به القرآن، لأن القلوب لا يثبتها مجرد الوعد، وإنما تثبتها معرفة الواعد.

قال تعالى:

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5].

ولم يقل: بعد العسر.

بل قال: مع العسر.

أي أن لطف الله يبدأ قبل انقضاء المحنة، وأن رحمته ترافق البلاء، وإن لم تدركها الأبصار في أول الطريق.

ثم يفتح القرآن أمام المؤمن أفقًا أعظم من مجرد زوال الكرب، فيقول:

﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5].

فغاية المؤمن ليست النجاة وحدها، بل الرضا.

وقد يؤخر الله بعض العطاء، حتى إذا جاء، أنسى العبد مرارة الطريق، وأيقن أن تدبير الله كان خيرًا من اختياره لنفسه.

وهنا تتجلى سنة عظيمة من سنن القرآن.

فالقرآن لا يعالج اليأس بالأماني، ولا يبني القلوب على الأمنيات، بل يبنيها على معرفة الله.

يعرفك أولًا بالمدبر…

ثم بالقدير…

ثم بمن لا يعجزه شيء…

ثم بالكافي…

ثم يعدك باليسر…

ثم يختم لك بالرضا.

إنها ليست آيات متفرقة، بل بناء قرآني متدرج، يعالج كل منفذ يمكن أن يدخل منه اليأس إلى القلب.

فإذا عرف المؤمن ربه بهذه المعرفة، لم يعد ينظر إلى المحنة كما كان ينظر إليها من قبل.

لم يعد يرى الأسباب وحدها، بل يرى مسبب الأسباب.

ولم يعد يقيس الأمور بحجمها، بل بعظمة من بيده تغييرها.

ولهذا فإن أعظم ما يمنحك القرآن في أوقات الشدة ليس أنه يعدك بالفرج، وإنما أنه يعرفك برب الفرج.

فإذا عرفت الله حق المعرفة، لم يعد اليقين تكلفًا، بل أصبح ثمرة طبيعية لهذه المعرفة.

فإذا اشتدت عليك المحن، فلا يكن أول ما يشغل قلبك: متى يأتي الفرج؟

بل ليكن أول ما يشغلك: من الذي يدبر الأمر؟

فإذا عرفت المدبر، هان عليك انتظار التدبير.

وإذا عرفت القدير، سقط من قلبك معنى المستحيل.

وإذا عرفت الكافي، زال عنك شعور الوحدة.

وإذا أيقنت أن مع العسر يسرًا، علمت أن اليأس ليس قراءة قرآنية للحياة.

وهكذا لا يخرج المؤمن من البلاء لأنه فهم البلاء، بل لأنه عرف رب البلاء.

ومن عرف الله حق المعرفة، اطمأن قلبه، ولو اضطربت الدنيا من حوله.

شارك المقال