سنن التنزيل
دراسةُ سورة مريم · الجزء 4 من 8

حين يرفعهم الله… فيخرّون له سجدًا

  • 8 دقائق للقراءة
  • 22 آيةً

دعوة الأقربين تقتضي التمسك بالرحمة ووضوح الحق معاً، ليدرك الناصح أنه لا يملك قلوب من يحب، فلا تفسد قسوة الرفض صدقه ولا تحرمه بركة الثبات.

﴿يَا أَبَتِ﴾ [مريم: 42–45]… حين لا تملك قلب من تحب

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: 41].

مرة أخرى تقول السورة:

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ [مريم: 16، 41، 51، 54، 56].

قالتها مع مريم، والآن تقولها مع إبراهيم، وستقولها بعده مع موسى وإسماعيل وإدريس. أناس غادروا الأرض منذ قرون، لكن أسماءهم ما زالت تُذكر في الكتاب. وسنترك هذا الخيط حتى نرى إلى أين تأخذنا السورة. أما إبراهيم فتقدمه إلينا بوصف عظيم:

﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: 41، 56].

ليس مجرد صادق في موقف عابر. بل:

﴿صِدِّيقًا﴾.

الصدق راسخ فيه، ملازم له. وهذا المقطع الذي يبدأ:

﴿صِدِّيقًا﴾

سينتهي:

﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50].

عاش صدقًا، فأبقى الله له ذكر صدق. لكن بين البداية والنهاية قصة مؤلمة جدًا: نبي يحمل الحق، ويضعه بين يدي أحد أحب الناس إليه… ثم لا يستجيب.

حين تدخل الدعوة إلى البيت

﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 42].

ليس أمام إبراهيم ملك جبار. ولا قوم بعيدون. إنه أبوه. وهنا تصبح الدعوة أشد حساسية؛ لأن العقيدة تدخل إلى موضع تختلط فيه الحقيقة بالمحبة، والتوحيد بالقرابة، ووضوح الموقف ببر الوالد. لكن إبراهيم لم يجعل المحبة سببًا لإخفاء الحقيقة. كما أنه لم يجعل الحقيقة ذريعة لإسقاط الرحمة. قال:

﴿يَا أَبَتِ﴾ [مريم: 42–45].

ثم قالها مرة ثانية. وثالثة. ورابعة. كلما اشتدت الحقيقة بقي النداء:

﴿يَا أَبَتِ﴾ [مريم: 42–45].

وهذا وحده درس. الرحمة ليست مقدمة نقولها قبل أن يبدأ الكلام الجاد، ثم نتخلص منها. بل يمكن أن تقول أشد الحق وضوحًا، ويبقى قلبك ولسانك رحيمين بمن تخاطب.

السؤال الذي يهز أصل الفكرة

بدأ إبراهيم:

﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 42].

لم يبدأ بوصف أبيه. بدأ بوصف ما يعبده. لا يسمع. ولا يبصر. ولا يغني عنه شيئًا. لا يدرك حاجتك، ولا يرى حالك، ولا يملك أن يدفع عنك أو يجلب لك شيئًا. فلماذا يُعبد؟ والسؤال يزداد جمالًا حين نتذكر كيف بدأت السورة. زكريا نادى ربه:

﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3].

لم يسمعه الناس. لكن الله سمعه. وهنا إبراهيم يقول عن تلك المعبودات:

﴿لَا يَسْمَعُ﴾ [مريم: 42].

في أول السورة عبد يخفض صوته فيسمعه ربه. وهنا معبودات لا تسمع عابديها أصلًا. فأي فرق بين من يدعو ربًا يسمع النداء الخفي، ومن يدعو ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني؟

أربع ﴿يَا أَبَتِ﴾ [مريم: 42–45]… وأربع درجات في الحجة

لم يكن كلام إبراهيم تكرارًا. إنه يصعد بأبيه درجة بعد درجة. بدأ بتفكيك الباطل:

﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 42].

ثم قدم البديل:

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 43].

ثم كشف حقيقة الطريق:

﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: 44].

ثم كشف العاقبة:

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: 45].

المعبود. ثم الطريق. ثم من يقود إلى الضلال. ثم المصير. حجة تتصاعد. لكن شيئًا واحدًا لا يتغير خلالها:

﴿يَا أَبَتِ﴾ [مريم: 42–45].

﴿جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ﴾ [مريم: 43]

تأمل أدب إبراهيم وهو يملك الحق. لم يقل: أنا أعلم منك. ولا قال: أنت لا تعلم شيئًا. قال:

﴿قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: 43].

العلم جاءه. فهو عطاء، لا تاج يضعه الإنسان فوق رأسه ليتعالى به على الناس. ثم قال:

﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ [مريم: 43].

فلم يدع لنفسه الإحاطة بكل العلم. عنده من العلم ما لم يصل إلى أبيه، وما يكفي لأن يدله على الطريق. وهذا أدب نفتقده كثيرًا. قد تعرف في مسألة ما ما لا يعرفه من هو أكبر منك سنًا، أو أسبق منك تجربة، أو أعلى منك منزلة في أعين الناس. لكن العلم الذي جاءك من الله لا يعطيك الحق في احتقار من لم يعلم. بل يعطيك مسؤولية أن تدله. ولهذا لم يقل إبراهيم: أنت مخطئ وانتهى. قال:

﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 43].

إنه لا يريد أن ينتصر في الحوار. يريد أن يصل أبوه إلى الطريق. وهنا ميزان مهم لكل تشخيص ونقد: لا يكفي أن تكشف للإنسان أين أخطأ؛ دلّه أيضًا إلى أين يذهب.

من الصنم إلى من يقف خلف الطريق

ثم:

﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: 44].

لم يكن أبوه يقول: أنا أعبد الشيطان. لكنه كان يسير في الطريق الذي يدعو إليه الشيطان. فكشف إبراهيم له ما وراء الصورة الظاهرة. قد يظن الإنسان أنه يختار طريقًا بنفسه، بينما يكشف له الوحي من يقوده في هذا الطريق. ثم تأتي المفارقة:

﴿الشَّيْطَانَ﴾

و

﴿الرَّحْمَٰنِ﴾.

الشيطان:

﴿كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: 44].

فإياك أن تتبعه حتى ينقلك من طريق الرحمن إلى ولايته. ولهذا قال إبراهيم بعدها:

﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: 45].

العصيان ليس دائمًا خطوة تقف عند نفسها. قد يبدأ بانحراف، ثم يتحول مع الإصرار إلى طريق، ثم إلى ولاء وانحياز.

يخاف عليه… لا منه

ثم يقول:

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ﴾ [مريم: 45].

تأمل:

﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ [مريم: 45].

إنه يخاف عليه. ليس منتظرًا أن ينزل به العذاب حتى يقول: ألم أقل لك؟ ولا يريد أن ينتصر عليه. إنه يريد أن ينقذه. وهنا يظهر الفرق بين من يدعو الإنسان لأنه يحبه ويريد له الخير، ومن يجادله لأنه يريد أن يهزمه. الداعية الصادق لا يفرح بسقوط المخالف حتى يثبت أنه كان على حق. بل كان يتمنى ألا يسقط أصلًا. ثم:

﴿أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ﴾ [مريم: 45].

حتى التحذير يخرج من قلب مشفق. والأعجب:

﴿عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ﴾ [مريم: 45].

فالرحمة في القرآن ليست أن يترك الله عبده يسير إلى الهلاك بلا تحذير. بل من رحمته أن يبين له الطريق، وينذره قبل أن يصل إلى نهايته.

ماذا كان جواب الأب؟

بعد أربع مرات: ﴿يَا أَبَتِ﴾ [مريم: 42–45]، وبعد السؤال والحجة والبديل والتحذير… قال الأب:

﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46].

لم يجب عن سؤال: كيف تسمع هذه الآلهة؟ ولا كيف تبصر؟ ولا ماذا تغني؟ ولم يناقش:

﴿جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ﴾ [مريم: 43].

ولا:

﴿صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 43].

انتقل الحوار إلى التهديد:

﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾.

ثم الطرد:

﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46].

وهنا نرى صورة تتكرر في صراعات البشر: قد تبدأ المواجهة حول فكرة، فإذا عجز أحد الأطراف عن مناقشة الحجة نقل المعركة من الفكرة إلى صاحبها. لكن إبراهيم لم يكن يملك قلب أبيه. وهذه حقيقة مؤلمة ينبغي أن نفهمها: قد تقول الحق بأحسن ما تستطيع، ولا يستجيب من تحب. ليس لأنك بالضرورة أخطأت في العرض. ولا لأن الحق ضعيف. بل لأن القلوب ليست ملكًا لك.

لا تجعل إساءة المخالف تختار لك أخلاقك

هدده أبوه. فماذا قال إبراهيم؟

﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: 47].

لم يسمح للتهديد أن يختار له لغته. الأب اختار:

﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾.

وإبراهيم اختار:

﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: 47].

وهذا لا يعني أنه تنازل عن شيء من الحق. ولا أنه سيبقى في العلاقة بالصورة نفسها. بل سيعلن بعد قليل اعتزاله. لكنه يعلمنا: لا تجعل إساءة المخالف تختار لك أخلاقك. يمكن أن تكون ثابتًا بلا فحش. واضحًا بلا ظلم. مفاصلًا بلا تشفٍّ.

انتهى الحوار… ولم تنته الشفقة

قال:

﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47].

وكان وعد إبراهيم بالاستغفار لأبيه في هذه المرحلة قبل أن يتبين له من أمره ما بينه القرآن في موضع آخر. لكن الذي يهمنا في حركة المشهد أن إبراهيم خرج من الحوار دون أن يخرج فورًا من الشفقة. أبوه يهدده. وهو لا يزال يرجو له الخير. ثم يقول عن ربه:

﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47].

حفيًا به. لطيفًا. محسنًا. مكرمًا. ويا لجمال المقابلة. هناك إنسان يقول له:

﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾.

وهو يستحضر ربًا يقول عنه:

﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47].

قسوة البشر لم تحجب عنه لطف الله. وهذه قريبة مما قاله زكريا في أول السورة:

﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: 4].

كلاهما يدخل المستقبل من ذاكرة لطف قديم. حين يخيفك ما أمامك، تذكر من كان معك فيما وراءك.

ليست المفاصلة أول الطريق

ثم يقول إبراهيم:

﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: 48].

لاحظ كيف وصل إلى الاعتزال. لم يبدأ به. تكلم. وسأل. وبين. ودل على البديل. وحذر. وصبر. ثم تلقى التهديد. ثم قيل له:

﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46].

عندها:

﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾.

وهذا ميزان مهم. ليست المفاصلة دائمًا أول الطريق، وليست المخالطة دائمًا آخره. هناك وقت للبيان. ووقت للصبر. ووقت للحوار. وقد تأتي لحظة يصبح فيها الاعتزال هو الموقف الصحيح. والأهم أن اعتزاله لم يكن خصومة شخصية مع أبيه وحده. قال:

﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: 48].

القضية ليست مشكلة أسرية. إنها قضية عبادة ومرجعية وطريق.

ترك ما يدعون… وبقي يدعو

ثم:

﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: 48].

تأمل المقابلة:

﴿مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 38؛ الأحقاف: 4].

و

﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ [مريم: 48].

هم يدعون ما قال عنه:

﴿لَا يَسْمَعُ﴾ [مريم: 42].

وهو يدعو ربًا عرفه:

﴿حَفِيًّا﴾.

ثم تعود إلينا كلمة من أول السورة. قال زكريا:

﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: 4].

وقال إبراهيم:

﴿عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: 48].

زكريا أمام مستقبل لا يعرف كيف سيأتيه منه الولد. وإبراهيم يخرج من قومه إلى مستقبل لا يعرف ما ينتظره فيه. كلاهما يدخل المجهول بالدعاء. حين ضاقت بزكريا الأسباب دخل المستقبل بالدعاء، وحين خرج إبراهيم من قومه دخل المجهول بالدعاء. فالدعاء في هذه السورة ليس زينة حول الأحداث. إنه زاد الطريق.

أب رفض… وأجيال جاءت

ثم يقول الله:

﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: 49].

نبقى داخل القصة، فلا نحولها إلى معادلة تقول إن كل من ترك شيئًا لله سيعطى في الدنيا فورًا الصورة التي يتمناها. لكن انظر ماذا حدث لإبراهيم نفسه. حاول أن ينقل الهداية إلى الجيل الذي قبله: أبيه. فلم يستجب. ثم وهب الله له من بعده: إسحاق. ويعقوب. ابنًا. وحفيدًا. وكلاهما نبي. خرج إبراهيم من بيت لم يستجب له، ففتح الله أمامه بيتًا امتدت فيه النبوة أجيالًا. وهنا يعود السؤال الذي بدأ مع زكريا:

﴿خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي﴾ [مريم: 5].

ثم جاء يحيى. والآن إبراهيم يحاول مع أبيه، فلا يستجيب الأب، ثم تأتي بعد إبراهيم أجيال تحمل النبوة. شيئًا فشيئًا تكشف السورة أمامنا قضية الأجيال: كيف تنتقل الهداية؟ وكيف تنقطع؟ وماذا يترك السابق للاحق؟ لكننا لا نستبق جواب السورة.

الهبة ليست صورة واحدة

﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [مريم: 49].

الهبة تعود مرة أخرى. قال زكريا:

﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: 5].

وجاءت مريم البشرى بغلام زكي. وهنا:

﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [مريم: 49].

وسنرى بعد قليل مع موسى:

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: 53].

فليست الهبة صورة واحدة. قد تكون ولدًا. وقد تكون أخًا يعينك. وقد تكون حكمًا. وقد تكون حنانًا. وقد تكون شيئًا لم تعرف أصلًا أنك تحتاج إليه حتى وهبك الله إياه.

من الرحمة… مرة أخرى

﴿وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50].

بدأت السورة:

﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 2].

وفي قصة عيسى:

﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾ [مريم: 21].

وهنا:

﴿مِّن رَّحْمَتِنَا﴾ [مريم: 50، 53].

رحمة تجيب دعاء شيخ. ورحمة تأتي بآية للناس. ورحمة تمتد في أجيال بعد إبراهيم. ثم هبة أخرى:

﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50].

ذكر صدق رفيع بقي لهم بين الناس. وهنا تلتقي بداية المقطع بنهايته. بدأ:

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: 41].

وانتهى:

﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50].

بدأ بالأمر بذكر إبراهيم. وانتهى بالحديث عن الذكر الصادق الذي جعله الله له ولذريته. عاش صدقًا. فأبقى الله له ذكر صدق.

أنت لا تملك القلوب

وهنا ربما تكون أقسى دروس القصة وأرحمها في الوقت نفسه. إبراهيم:

﴿صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: 41، 56].

ومع ذلك لم يملك قلب أبيه. اختار أجمل النداء:

﴿يَا أَبَتِ﴾ [مريم: 42–45].

وقدم الحجة. وبين عجز المعبود. وعرض الطريق. وحذر من الشيطان. وخاف على أبيه من العذاب. ولم يشتم. ولم يظلم. ولم يتكبر بعلمه. ومع ذلك قال أبوه:

﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾.

فإذا كنت قد نصحت من تحب، وأحسنت إليه، وبينت له، ولم يستجب، فلا تحمل نفسك ما لم يجعله الله في يدك. أنت لا تملك القلوب. لكن هناك أشياء تملكها. تملك ألا تخسر أنت صدقك لأن غيرك رفض الحق. وألا تخسر رحمتك لأن غيرك قسا عليك. وألا تخسر أدبك لأن غيرك هددك. وألا تخسر طريقك لأن من تحب لم يمش فيه معك. قال أبوه:

﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾.

وقال إبراهيم:

﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: 47].

ثم مضى. لم يملك قلب أبيه. لكنه لم يسمح لرفض أبيه أن يفسد قلبه هو. وهب الله له بعد ذلك إسحاق ويعقوب. وجعل في ذريته النبوة. ثم مضت القرون، وغاب إبراهيم عن الأرض. لكننا ما زلنا نقرأ:

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [مريم: 41].

وما زال له:

﴿لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50].

فلا تجعل أكبر همك أن يسمع الناس صوتك اليوم. ولا أن تنتصر في كل حوار. ولا أن ترى كل ثمرة بعينيك. عليك الصدق. والبلاغ. والرحمة. والثبات. وأن تعرف متى تتكلم، ومتى تمضي. أما القلوب والنتائج وما ستفعله الكلمة بعدك… فذلك إلى الله.

شارك المقال