حين تقيس الحق بما تملك
قياس الحق بمكاسب الدنيا ومظاهر القوة وهمٌ يبدده القرآن، فالامتداد الدنيوي ليس شهادة رضا، وقيمة المرء لا تُوزن بلقطة عابرة بل بما يبقى له في الآخرة.
حين تقيس الحق بما تملك
﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: 66]. قبل آية واحدة فقط قالت السورة: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]. رب السماوات والأرض وما بينهما. ثم يأتي الإنسان المنكر مستبعدًا: ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: 66]. استكثر الإنسان على رب السماوات والأرض أن يعيده، وهو الذي لم يكن شيئًا فخلقه. ولهذا لم يأخذه القرآن إلى دليل بعيد. أعاده إلى نفسه.
تذكر فقط من أين جئت
﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 67]. أنت تستبعد أن يحييك الله بعد موتك؟ ارجع خطوة إلى الوراء. قبل أن تسأل: كيف أعود بعد الموت؟ اسأل: كيف جئت قبل الحياة؟ ﴿خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 67]. والعجيب أننا سمعنا هذه الحجة نفسها في أول السورة. حين بُشر زكريا بيحيى، وتعجب من كيفية مجيء الولد مع بلوغه الكبر وكون امرأته عاقرًا، جاءه الجواب: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 9]. وهنا: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 67]. لكن الموقفين ليسا سواء. زكريا لم ينكر قدرة الله. كان يسأل عن كيفية تحقق الوعد مع ما يراه من أسباب قد أغلقت أبوابها. أما هنا فالإنسان يستبعد أصل الإحياء بعد الموت. ومع ذلك يأتي أصل الجواب واحدًا: تذكر البداية. فالذي خلقك ولم تكن شيئًا، لا يعجزه أن يعيدك بعد أن كنت شيئًا.
لم يقل: أولا يعلم؟ قال: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ﴾ [مريم: 67]. وهذه السورة منذ بدايتها تعلمنا قيمة الذكر. ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 2]. ثم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: 16]. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [مريم: 41]. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ﴾ [مريم: 51]. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ [مريم: 54]. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: 56]. والآن السورة التي حفظت لنا ذكر هؤلاء تقول للإنسان: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ﴾ [مريم: 67]. ليس المطلوب هنا أن يذكر قصة غيره. بل أن يذكر بدايته هو. فمن نسي بدايته أخطأ في تقدير نهايته.
من السؤال المستبعد إلى القسم الحاسم
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: 68]. قال الإنسان: هل سأخرج حيًا؟ فيأتي القسم: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾. ثم لا يقول فقط: ستخرجون. بل ينقلهم القرآن إلى المشهد: ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾. ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾. ﴿جِثِيًّا﴾. لم يعد السؤال: هل سيكون البعث؟ بل: كيف سيكون حضورهم حين يقع ما كانوا يستبعدونه؟
﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾
ولم يقل: لنحشرنهم فقط. بل: ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم: 68]. وقد سمعنا إبراهيم قبل ذلك يحذر أباه: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: 44]. هناك كان التحذير في الدنيا. وهنا مشهد الحشر. فالطريق الذي يبدأ باتباع دعوة الشيطان ليس بلا نهاية.
﴿جِثِيًّا﴾
أي جاثين على الركب. واللفظ سيتكرر بعد قليل: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 72]. بدأ المشهد: ﴿حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: 68]. ثم ينتهي بالظالمين: ﴿فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 72]. ويلفت السمع أن السورة عرضت قبل قليل صورة أخرى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58]. هناك أنبياء إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا لله سجدًا. وهنا قوم حول جهنم جثيًا. ولا نحول هذا إلى قاعدة لم ينص عليها القرآن، لكن اختلاف الصورتين يهز القلب. هناك خضوع لله في زمن العمل. وهنا انكشاف الحقيقة بعد أن انتهى زمن الاختيار.
درجات في العتو
﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69]. العتو ليس مجرد خطأ عابر. إنه شدة التمرد والاستكبار ومجاوزة الحد. ومرة أخرى يأتي الاسم: ﴿الرَّحْمَٰنِ﴾. قال إبراهيم: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: 44]. وهنا: ﴿أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69]. فالرحمن لا يعني أن التمرد لا عاقبة له. والرحمة لا تلغي العدل. كما أن الناس ليسوا في التمرد سواء: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: 69]. هناك من يمضي في الطريق حتى يزداد عتوًا. كما سنرى بعد قليل أن هناك من يهتدي فيزداد هدى.
هم يقيسون… والله يعلم
﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: 70]. احتفظ بهذه الكلمة: ﴿لَنَحْنُ أَعْلَمُ﴾ [مريم: 70]. لأن هؤلاء بعد قليل سيقيمون لأنفسهم ميزانًا آخر. سيقيسون الناس بالمقام. وبالمجلس. وبالأثاث. وبالمظهر. لكن قبل أن نسمع مقاييسهم، وضعت السورة الحقيقة: ﴿لَنَحْنُ أَعْلَمُ﴾ [مريم: 70]. هم يقيسون… والله يعلم.
أمر قد قُضي
﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]. في تفصيل «الورود» كلام معروف عند أهل العلم، ولا نحتاج هنا إلى الدخول في الخلاف. فالذي يعنينا عمليًا سيأتي في الآية التالية واضحًا. لكن قف عند: ﴿حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]. سمعنا في قصة عيسى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 21]. والآن: ﴿حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]. ما يقضيه الله لا تمنعه استبعادات البشر. قال الإنسان: ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ [مريم: 66]؟ والجواب: هناك أمر قد قُضي. من الذي ينجو؟ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 72]. مرة أخرى: التقوى. قالت مريم: ﴿إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 18]. وقال عن يحيى: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 13]. وقال عن أهل الجنة: ﴿نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 63]. والآن: ﴿نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ [مريم: 72]. وسنرى التقوى مرة أخرى قبل نهاية السورة. كأنها تنتقل أمامنا من صفة في عبد، إلى صفة لأهل الميراث، ثم إلى عنوان لأهل النجاة.
ثم تعيدنا السورة إلى الدنيا
بعد أن رأيناهم:
تعيدنا السورة إلى اللحظة التي كانوا فيها قادرين على أن يختاروا: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73]. وهنا نرى أصل المشكلة. والأعجب أننا رأينا مشهدًا مشابهًا قبل قليل. قال الله عن الأنبياء: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58]. وهنا: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا… أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73]. الحدث واحد: آيات الله تتلى. لكن الاستجابة مختلفة. هناك سمعوا الآيات فنظروا إلى الله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58]. وهنا سمعوا الآيات فنظروا إلى أنفسهم وإلى الناس: من منا أعلى؟ من منا أحسن مجلسًا؟ من منا أكثر وجاهة؟ المشكلة لم تكن في وضوح الآيات؛ فقد سماها الله ﴿بَيِّنَاتٍ﴾. المشكلة في الميزان الذي استقبلوا به الآيات.
الوحي يدعوهم إلى النظر فوق… وهم ينظرون حولهم
﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73]. المقام: ما يظهر من حسن الحال والمكان والمنزلة. والندي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم. أي: انظروا إلينا وإليكم. من أحسن مكانًا؟ من أحسن مجلسًا؟ من حوله الناس؟ من له النفوذ؟ من يبدو أقوى؟ وهنا يتحول النجاح الدنيوي من نعمة تحتاج إلى شكر إلى حجة مزعومة على صحة الطريق. كأن الإنسان يقول: لو كنت مخطئًا، فلماذا عندي كل هذا؟ ولو كان هؤلاء على الحق، فلماذا ليس عندهم ما عندي؟ وهذا الميزان يتكرر في كل زمان بصور مختلفة. مال. قوة. عدد. نفوذ. انتشار. مؤسسات. جماهير. تفوق. لكن القرآن لا يقول إن هذه الأشياء شر في نفسها. ولا يقول إن صاحب المال أو القوة على باطل. كما أن الضعف والفقر وقلة العدد ليست دليلًا تلقائيًا على صحة صاحبها. القوة لا تثبت الحق، والضعف لا يثبت الحق. الحق يُعرف بالحق.
القرآن لم ينكر نجاحهم… بل هدم استنتاجهم
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: 74]. لم يقل لهم القرآن: أنتم لا تملكون شيئًا. بل قال ما هو أقوى: كان قبلكم من هو: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: 74]. أكثر متاعًا. وأبهى منظرًا. ومع ذلك: ﴿أَهْلَكْنَا﴾. فالقرآن لم يهدم الواقع الذي تفاخروا به. هدم الاستنتاج الذي بنوه عليه. نعم، قد تكون ناجحًا في مقياس من مقاييس الدنيا. لكن نجاحك فيه لا يثبت وحده أن فكرتك حق. ولا أن موقفك عدل. ولا أن الله راض عن طريقك. كما أن خسارتك الدنيوية لا تثبت وحدها أنك على الحق. فالميزان شيء آخر.
قد يمتد لك… وأنت في الضلالة
﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا﴾ [مريم: 75]. هذه الآية تهدم وهمًا آخر. قد يكون الإنسان في الضلالة… ومع ذلك يمتد له. يمهل. ويترك له المجال إلى الأجل الذي شاءه الله. ولا ينبغي أن نحصر هذا المد في مال أو عمر أو سلطان؛ فاللفظ أوسع. لكن الحقيقة واضحة: الامتداد ليس شهادة رضا. والمثير أن الذي يمد له هو: ﴿الرَّحْمَٰنُ﴾. فالرحمة لا تعني أن السنن والعواقب قد ألغيت. وقد قال إبراهيم قبل ذلك: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ﴾ [مريم: 45]. فالرحمن قد يمهل. لكن الإمهال لا يغير حقيقة الطريق.
المد ليس رضا… والتأخير ليس نسيانًا
وقبل هذا المقطع بقليل قالت السورة: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]. فإذا رأيت باطلًا يمتد، فلا تجعل امتداده دليلًا على أنه خرج من الحساب. وإذا رأيت ظالمًا يمهل، فلا تجعل المهلة حكمًا بسلامة الطريق. المد ليس شهادة رضا، والتأخير ليس نسيانًا. فالله لا يحكم على الأشياء بعجلة أعمارنا.
السؤال ليس: كم أُعطيت؟
بل: إلى أين يقودك ما أُعطيت؟ قد يفتح للإنسان في الدنيا فيزداد شكرًا. وقد يفتح له فيزداد استغناءً. قد تزيد النعمة في يده فيقترب بها من الله. وقد تزيد في يده فيرى نفسه بها في غنى عنه. إذن لا يكفي أن تسأل: ماذا عندي؟ اسأل: ماذا صنع بي ما عندي؟
المؤمن صدق الوعد قبل أن يراه
﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ [مريم: 75]. قف عند: ﴿رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ [مريم: 75]. في الجزء السابق قالت السورة عن المؤمنين: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: 61]. المؤمن صدق وعد الرحمن وهو: ﴿بِالْغَيْبِ﴾. أما هنا فلا تنكشف الحقيقة للمنكر إلا: ﴿إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ [مريم: 75]. وهنا الفرق. الإيمان أن تستجيب للحق في الوقت الذي ما زال فيه العمل ممكنًا. أما أن ترى الحقيقة بعد أن تصبح مشاهدة لا يمكن دفعها، فذلك ليس هو الامتحان الذي كان مطلوبًا منك.
الميزان ينقلب
قالوا: ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73]. فيرد القرآن: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ [مريم: 75]. خير… ثم شر. مقام… ثم مكان. ندي… ثم جند. كانوا يتباهون بالمكان والجماعة والقوة. وسيأتي وقت تنكشف فيه حقيقة المكان والجند. المشكلة أنهم حكموا على القصة قبل أن تنتهي.
لا تحكم على القصة من لقطة واحدة
وهنا يظهر أصل الخطأ في المقطع كله. في أوله نظر الإنسان إلى الموت فقال: ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ [مريم: 66]. رأى جسدًا يموت، فظن أن هذه آخر لقطة. فقال له القرآن: قبل هذه اللقطة كنت: ﴿لَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 9]. وبعدها: ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾. ثم نظر الكافر إلى واقعه فقال: أنا خير مقامًا. وأحسن ناديًا. رأى اللقطة الحالية، فظن أنها الحكم النهائي. فقال له القرآن: كان قبلك من هو: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: 74]. ثم هلك. إذن المشكلة واحدة: أن تحكم على القصة من لقطة واحدة.
هناك زيادة أخرى لا يرونها
ثم تقول السورة: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: 76]. قبل قليل كانوا يتحدثون عن أشياء يمكن أن تزيد: أثاث. مكانة. مجلس. جند. والقرآن يريك زيادة من نوع آخر: ﴿هُدًى﴾. وهنا يتغير السؤال. ليس: هل تزيد؟ بل: ما الذي يزيد فيك؟ قد يزيد مالك. وقد يزيد نفوذك. وقد يزيد عدد من حولك. وقد يزيد ما يراه الناس من نجاحك. لكن هناك زيادة لا ينبغي أن تغيب: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: 76].
طريقان يتحركان
قال: ﴿مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا﴾ [مريم: 75]. ثم: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: 76]. طريقان يتحركان. إنسان أصر على الضلالة فيمتد فيها إلى ما شاء الله. وإنسان دخل طريق الهداية فيزيده الله هدى. ولهذا لا يكفي أن تسأل: أين أنا؟ اسأل أيضًا: إلى أين أتحرك؟ هل أصبحت اليوم أقرب إلى الله مما كنت؟ هل يزيد القرآن فيك شيئًا؟ هل تغيرت صلاتك؟ هل زاد صدقك؟ هل صار قلبك ألين؟ هل أصبحت أسرع رجوعًا إذا أخطأت؟ فالهداية ليست شهادة قديمة تحتفظ بها. إنها طريق تحتاج فيه دائمًا إلى مزيد من الهداية.
وبعد كل ما يظهر… ماذا يبقى؟
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾ [مريم: 76]. هذه الآية تأتي بعد حديث طويل عن: المقام. والندي. والأثاث. والمرأى. والجند. أشياء تظهر. وأشياء يتباهى بها الناس. وأشياء يمكن أن تملأ العين. ثم يقول: ﴿الْبَاقِيَاتُ﴾. وكأن الكلمة وحدها تعيد ترتيب المشهد. المقام يزول. والندي يتفرق. والأثاث يترك. والمظهر يتغير. والجند ينفضون. لكن هناك أشياء تبقى. ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [مريم: 76]. ولا حاجة إلى حصرها في صورة واحدة من العمل الصالح. فكل ما صح لله وبقي ثوابه عنده يدخل في هذا الباب، والأذكار العظيمة من أجل صوره. هم يتنافسون في الأشياء التي تظهر، والقرآن ينقل المنافسة إلى الأشياء التي تبقى.
من ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا﴾ [مريم: 73] إلى ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ﴾ [مريم: 76]
قالوا: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا﴾ [مريم: 73]. ثم قال الله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ﴾ [مريم: 76]. هم سألوا: من خير مقامًا؟ والقرآن غير السؤال: ما الخير عند ربك؟ وهذه هي المسافة بين ميزانين. ميزان يقيس بما تراه العين. وميزان يقيس بما له قيمة عند الله. وقد مر معنا إسماعيل: ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 55]. والآن: ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ﴾ [مريم: 76]. فليست القضية أن تبدو كبيرًا. بل: ما وزنك عند الله؟
بدأ بالرجوع… وانتهى بالمرد
في أول المقطع: ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: 66]. أنكر الرجوع. وفي آخره: ﴿وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾ [مريم: 76]. والمرد هو المرجع والعاقبة. بدأ المقطع بإنسان يستبعد أن يعود. وانتهى بتصحيح ما ينبغي أن يحمله معه إلى ذلك المرد. وبين البداية والنهاية عالج القرآن المرض نفسه في صور متعددة: لا تحكم على النهاية من الموت الذي تراه الآن. ولا تحكم على الحق من القوة التي تراها الآن. ولا تحكم على رضا الله من الامتداد الذي تراه الآن. ولا تحكم على قيمة الإنسان من الأثاث والندي والجند الذي تراه الآن. لا تحكم على القصة من لقطة واحدة. كنت قبل هذه اللقطة: ﴿لَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 9]. وبعدها: ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾. وما بينهما دنيا تتغير. فما السؤال الصحيح؟ لا تسأل فقط: ماذا عندي الآن؟ اسأل: ماذا سيبقى؟ ولا تسأل فقط: كم ازددت؟ اسأل: ما الذي ازداد فيَّ؟ ولا تسأل فقط: كيف يراني الناس؟ اسأل: كيف هو عند ربي؟ ولا تسأل فقط: كيف يبدو الطريق اليوم؟ اسأل: إلى أين يرد بي؟ فالكلمة الأخيرة في المقطع ليست: المقام. ولا الندي. ولا الأثاث. ولا الجند. بل: ﴿وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾ [مريم: 76].