سنن التنزيل
مقال

حين لا يكون للشيطان سلطان

  • 3 دقائق للقراءة
  • 11 آيةً

سلطان الشيطان يتوقف عند حدود التزيين والوسوسة، بينما تحمي العبودية لله صاحبها من تحويل الاستفزاز إلى استجابة تمنح الغواية حق القيادة.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42].

إذا كان الشيطان يوسوس للإنسان، ويزيّن له، ويستفزه ويدعوه إلى المعصية، فكيف يقول الله له: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42؛ الإسراء: 65]؟

الجواب يبدأ من كلمة دقيقة في الآية نفسها:

﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الحجر: 42].

فالشيطان يدعو، والإنسان يتبع.

بل إن إبليس حين أعلن خطته قال:

﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 39-40].

فهو يملك التزيين والإغواء والوسوسة، لكنه لا يملك أن يجبر الإنسان على المعصية.

ولهذا يكشف يوم القيامة حقيقة المعركة:

﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم﴾ [إبراهيم: 22].

دعوتكم… فاستجبتم لي.

بين الكلمتين تقع مسؤولية الإنسان.

فالشيطان لا يحتاج دائمًا إلى أن يضع فيك شيئًا جديدًا؛ يكفيه أن ينفخ فيما هو موجود: في الغضب حتى يتحول إلى ظلم، وفي الجرح حتى يصير حقدًا، وفي الخوف حتى يمنع من الحق، وفي الرغبة حتى تستعبد صاحبها، وفي الشعور بالتميز حتى يصبح كبرًا.

وقد يدخل من باب خير في أصله؛ من غيرة على الدين أو حماسة للحق، ثم يدفع صاحبه إلى تجاوز حدود الله وهو يظن أنه ينصرها.

فالشيطان لا يعنيه دائمًا من أي باب تدخل إلى المعصية؛ وإنما يعنيه أن تصل إليها.

ولهذا قال الله:

﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ﴾ [الإسراء: 64].

استفزاز، وصوت، وحشد، ومشاركة، ووعود.

ثم تأتي الآية بعدها:

﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 65].

فليست النجاة في ألا تُعرض عليك الفتنة، وإنما في ألا تتحول الفتنة إلى قيادة.

وليست القضية أن الشيطان لا يوسوس، وإنما ألا تتحول وسوسته إلى اتباع.

وهنا يفتح القرآن لنا باب النجاة:

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].

تأمل:

﴿مَسَّهُمْ﴾… ﴿تَذَكَّرُوا﴾… ﴿مُبْصِرُونَ﴾.

لم يقل إن الشيطان لا يمسهم، بل قد يأتي الطائف، وهنا تقع اللحظة الحاسمة: ﴿تَذَكَّرُوا﴾.

تذكروا الله، وأمره ونهيه، والعاقبة، فانكشفت غشاوة اللحظة:

﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].

فالشيطان يريد أن يحول الخاطر إلى استجابة، والاستجابة إلى اتباع، والاتباع إلى تولٍّ؛ أما التقوى فتقطع السلسلة قبل أن تستحكم.

ولهذا قال تعالى:

﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۝ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: 99-100].

تأمل المقابلة:

﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾… ﴿يَتَوَلَّوْنَهُ﴾.

فالمعركة في حقيقتها معركة عبودية وولاية.

ولهذا قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42؛ الإسراء: 65].

فالعبودية لله تحرر الإنسان من أن يصبح عبدًا لغضبه أو شهوته أو حقده أو كبره.

ولا يعني ذلك أن المؤمن لا يخطئ أو لا يغضب أو لا يشتهي؛ لكنه لا يجعل هذه الأشياء صاحبة القرار، وإذا زلّ عاد واستغفر وتاب، فلا يمنح الشيطان من نفسه أكثر مما أخذ في لحظة الغفلة.

وهذا المعنى نراه في حياتنا كل يوم.

كم من بيت لم تهدمه المشكلة الأولى، وإنما هدمه النفخ فيها: كلمة تقابلها كلمة أشد، ثم تُستحضر أخطاء الماضي، ويدخل سوء الظن، حتى تصبح شرارة كان يمكن إطفاؤها حريقًا.

وكم من صداقة أو رحم بدأت قطيعتها بموقف صغير، ثم جاء من ينقل الكلام ويزيد عليه ويقول: كيف تسكت؟ حتى صار الإنسان يهدم علاقة سنوات دفاعًا عن غضب ساعات.

وفي عصر الشاشات أصبح الاستفزاز صناعة كاملة؛ صورة، ومقطع، وتعليق، وخبر، ثم يجد الإنسان نفسه بعد دقائق ممتلئًا غضبًا، وربما نشر واتهم وشتم قبل أن يتثبت.

وهنا يحتاج إلى لحظة:

﴿تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].

وما يقع في الفرد والأسرة يقع في المجتمع والأمة.

فليس كل صوت مرتفع حقًا، وليس كل تحريض واجبًا، وليس كل غضب نصرة، وليس كل اندفاع شجاعة.

وقد يستطيع الخصم أن يستفز أمة إلى المكان الذي يريده، فتتحرك برد الفعل بدل البصيرة؛ فيختار لها لحظة غضبها وطريقة ردها وميدان حركتها، وهي تظن أنها صاحبة القرار.

وهنا تظهر قيمة العبودية: أن يكون الوحي هو الذي يحدد لنا متى نغضب، ولماذا نغضب، وكيف نتصرف حين نغضب.

لكن القرآن لا يجعل الإنسان يعتمد على نفسه في هذه المعركة:

﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 65].

فلا تقل: أنا قوي ولن يصل إليّ الشيطان؛ بل افتقر إلى الله واستعذ به:

﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ۝ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: 97-98].

والأعجب أن الشيطان الذي يزيّن لك اليوم هو نفسه الذي يتبرأ منك غدًا:

﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم﴾ [ابراهيم: 22].

قبل المعصية يقول لك: افعل.

وبعدها يتركك وحدك مع النتيجة.

ختامًا

ليست المعركة أن تسكت وسوسة الشيطان، وإنما ألا تمنحها حق القيادة.

فالشيطان يزيّن ويستفز ويدعو، والإنسان إما أن يتذكر فيبصر، وإما أن يستجيب فيتبع.

وهنا يفترق الطريقان.

فإذا طرق الغضب قلبك فتذكر قبل أن تظلم، وإذا نادتك الشهوة فتذكر قبل أن تستجيب، وإذا استفزك أحد فتذكر قبل أن تتخذ قرارك، وإذا زين لك الشيطان معصية فتذكر أنه سيتبرأ منك بعد أن تقع فيها.

فالشيطان يستطيع أن يدعو، لكنه لا يستطيع أن يستجيب بدلًا منك.

ويستطيع أن يزيّن، لكنه لا يملك القرار عنك.

فاجعل وسوسته دعوة لا قيادة، وتزيينه عرضًا لا سلطانًا، واستعن بالله؛ فإن المعركة لا تُكسب بقوة النفس وحدها، وإنما بصدق العبودية والتوكل عليه:

﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 65].

شارك المقال