سنن التنزيل
مقال

أنت فقير إلى الله… حتى فيما تظن أنك تستغني عنه

  • 3 دقائق للقراءة
  • 16 آيةً

الافتقار إلى الله حقيقةٌ قائمةٌ في أتم أحوال القوة والعافية، فامتلاك الأسباب لا يرفع حاجة الإنسان إلى خالقه في حركات جسده وهداية قلبه.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].

تأمل هذا النداء العظيم! لم يقل الله: أيها المرضى، أو الضعفاء، أو المحتاجون، وإنما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [فاطر: 15]، فجمع الأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعفاء، والملوك والرعية، تحت حقيقة واحدة لا يستثنى منها أحد: أنتم الفقراء إلى الله.

قد تظن أنك تحتاج إلى الله عندما تمرض، أو يضيق رزقك، أو تنقطع بك الأسباب، فإذا عادت صحتك واستقرت حياتك، خفّ شعورك بالحاجة إليه.

لكن الحقيقة أنك لا تصبح فقيرًا إلى الله حين تمرض، ولا غنيًا عنه حين تتعافى؛ فالمرض قد يكشف لك فقرًا كانت الصحة تحجبه عن شعورك.

تنام مطمئنًا، ولا تملك ضمان الاستيقاظ، والله يقول:

﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42].

ولهذا كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول عند الاستيقاظ: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور».

ثم تتناول طعامك، وربما ينتهي اهتمامك به عند آخر لقمة، بينما تجري في جسدك عمليات الهضم والامتصاص ونقل المغذيات دون أن تديرها بإرادتك الواعية.

أنت تضع الطعام في فمك، لكن من الذي خلق جسدك وهيأ فيه أسباب الانتفاع به؟

قال إبراهيم عليه السلام:

﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ۝ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 79–80].

إن ألفة النعمة قد تصبح حجابًا عن شهود فضل الله فيها.

فنحن لا نشعر بعظمة السمع حتى نفقده، ولا بقيمة البصر حتى يتهدده الخطر، ولا بنعمة التنفس حتى يضيق علينا النفس.

بل إن افتقارنا إلى الله يمتد إلى مشاعرنا:

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ ۝ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: 43–44].

قد تجلس بين أناس يضحكون، وتسمع ما يسمعون، ولكن قلبك لا يجد إلى الفرح سبيلًا.

فإذا كنت مفتقرًا إلى الله في نومك وطعامك وسمعك وبصرك، بل حتى في ضحكك وبكائك، فكيف تتوهم الاستغناء عنه؟

هنا يكشف القرآن أصل الغفلة:

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ ۝ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6–7].

تأمل: لم يقل إنه استغنى حقيقة، وإنما رأى نفسه مستغنيًا.

فالإنسان لا يستغني عن الله حين يملك المال، لكنه قد يغتر به، ولا يستغني عنه حين يمتلك القوة، لكنه قد يتوهم أنها تحميه من كل خطر.

وهذا ما قاله قارون:

﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: 78].

فالمشكلة ليست في امتلاك النعمة، وإنما في نسيان المنعم.

وهذه الغفلة قد تصيب المجتمعات والدول حين تغتر بقوتها الاقتصادية والعسكرية، وتظن أن ما تملكه من أسباب يضمن لها البقاء.

لكن امتلاك الأسباب شيء، والاستقلال عن الله شيء آخر.

فالقرآن لا يدعونا إلى ترك العمل أو الإعداد، وإنما إلى الأخذ بالأسباب دون الاغترار بها.

تأمل موسى عليه السلام حين وصل إلى مدين، فسقى للمرأتين، ثم تولى إلى الظل وقال:

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24].

لقد عمل وبذل وسعه، ثم أعلن فقره إلى ربه.

لم تمنعه قوته من الافتقار، ولم يمنعه افتقاره من العمل.

وهذا هو التوازن الذي نحتاج إليه: يد تعمل بالأسباب، وقلب متعلق بمسبب الأسباب.

لكن أعظم افتقارنا إلى الله ليس في حاجات أجسادنا وحدها، بل في هداية قلوبنا وثباتنا على الحق.

قال تعالى:

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: 21].

قد تملك الصحة والمال والعلم، لكنك لا تملك هداية قلبك استقلالًا عن الله.

ولهذا نكرر في كل ركعة:

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6].

فمن عرف الطريق لا يستغني عن الثبات عليه، ومن أطاع الله لا يستغني عن توفيقه وقبول عمله.

بل إنك مفتقر إلى الله حتى في قدرتك على شكره.

قال سليمان عليه السلام:

﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: 19].

تحتاج إلى الله ليمنحك النعمة، ثم تحتاج إليه ليوفقك إلى شكرها، ثم تحتاج إليه لتستعملها فيما يرضيه.

ومن هنا يصبح الدعاء عبودية افتقار، والشكر اعترافًا بالفضل، والتوكل اعتمادًا على الله مع بذل الأسباب.

وهذا الافتقار ينبغي أن يظهر في تعاملنا مع الناس.

قال تعالى:

﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ ۝ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ۝ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 8–10].

فمن عرف أن الله أغناه بعد فقر، كان ذلك أدعى إلى رحمة المحتاج، ومن عرف أن قوته نعمة، كان ذلك أدعى إلى ألا يظلم الضعيف.

فالافتقار إلى الله لا يصنع إنسانًا عاجزًا، بل إنسانًا متواضعًا مسؤولًا، يعمل ويشكر، ويقوى دون أن يتكبر، ويبتلى دون أن ييأس.

وتبقى الحقيقة الجامعة في ختام الآية الأولى:

﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].

فالله غني عنا وعن عبادتنا؛ لا تنفعه طاعتنا ولا تضره معصيتنا، وإنما تعود آثار أعمالنا علينا.

نحن لا نعبد الله لأنه يحتاج إلى عبادتنا، بل نعبده لأننا المحتاجون إليه، وهو المستحق للحمد والعبادة في كل حال.

ختامًا

ليس المطلوب أن نعترف بألسنتنا بأننا فقراء إلى الله فحسب، وإنما أن نعيش هذه الحقيقة.

أن نستيقظ فنحمده، ونأكل فنشكره، ونعمل فنستعين به، وننجح فلا نغتر، ونبتلى فلا نيأس، ونذنب فنعود إليه، ونطيعه فنسأله الثبات والقبول.

أنت لا تحتاج إلى الله حين تفقد الأسباب فحسب، بل تحتاج إليه حين تملكها، وتحتاج إليه حتى في قدرتك على شكره عليها.

ويبقى السؤال:

إذا كنت لا تستغني عن الله في نَفَسٍ تتنفسه، فكيف تغفل عن افتقارك إليه في قلبك وهدايتك ومصيرك؟

شارك المقال