سورة الإخلاص… حين تعرف مَن تقصد
سورة الإخلاص تكشف حقيقة افتقارنا الدائم إلى خالقنا، فتحرر قلوبنا من أسر الأسباب الزائلة وتوجه مسار حياتنا نحو من تصمد إليه الخلائق وحدَه.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
قال الله تعالى:
نقرأ سورة الإخلاص كثيرًا، وربما عرفناها قبل أن نعرف سورًا أطول منها. لكن كثرة التلاوة قد تجعلنا نمرّ سريعًا على سؤالها الكبير: من هو الله الذي نعبده، وندعوه، ونقصده إذا احتجنا؟
في أربع آيات، تعرّفنا السورة بربنا، ثم تعيد تعريف موقعنا نحن: من نكون أمام الأحد الصمد؟ وكيف نعيش بهذه المعرفة في عبادتنا وعملنا وعلاقاتنا؟
تبدأ السورة بأمر واضح:
﴿قُلْ﴾.
فالحديث عن الله لا يُبنى على ما يتخيله الإنسان أو يورثه الناس من تصورات. لقد علّم الله نبيه ﷺ ما يقول، وعلّمنا أن نأخذ معرفة ربنا مما أخبر به عن نفسه.
﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1].
بهذه البداية تستقيم الوجهة. الله أحد لا شريك له في ألوهيته، ولا يتوزع حقه في العبادة بينه وبين غيره. قد يكون في حياتنا من نحب، ومن نخشى ظلمه، ومن نرجو مساعدته، لكن لا أحد منهم يكون إلهًا نتوجه إليه بما لا يكون إلا لله.
وحين تغيب هذه الحقيقة عن القلب، قد تتكاثر عليه المطالب: يسعى إلى رضا كل أحد، ويجعل قيمته فيما يقوله الناس عنه، ويخاف فقد ما يملك حتى يظن أنه لا يستطيع العيش دونه. لا تزيل ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] مسؤوليات الحياة، لكنها تعيد ترتيبها؛ فيبقى للناس حقهم، ويكون لله وحده مقام العبادة والغاية.
ثم تعيد السورة اسم الجلالة:
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 2].
في أشهر ما ذكره أهل التفسير في «الصمد»: السيد الذي كمل في سؤدده، والذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها. تتلاقى هذه المعاني عند حقيقتين: كمال الله وغناه، وافتقار خلقه إليه.
هو غني عنا، ونحن فقراء إليه.
وليس هذا الافتقار حالةً نزورها حين يشتد المرض أو يقل المال، ثم نغادرها إذا صحت أجسادنا واتسعت أرزاقنا. نحن محتاجون إلى الله في الحالين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].
كم يتغير فهمنا لأنفسنا لو تذكرنا ذلك ونحن في أوج قوتنا! نذهب إلى الطبيب حين نمرض، ونعمل لنكسب، ونستشير من يعلم، ونسعى في إصلاح ما نستطيع. هذه أسباب نأخذ بها، لكن الطبيب محتاج إلى الله، وصاحب المال محتاج إليه، ونحن محتاجون إليه معهم. لا يحتقر المؤمن الأسباب، ولا يجعل قلبه أسيرًا لها.
وقد نقرأ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 2] من جهة حاجتنا نحن، وننسى أن لها خطابًا لمن يحتاج الناس إليه.
إذا كنت تملك مالًا يقصدك به المحتاجون، فلست الصمد. وإذا كنت صاحب علم يسألك الناس، فلست الصمد. وإذا كانت أسرتك تعتمد عليك، فأنت تحمل مسؤولية عظيمة، لكنك لست الصمد. تنفع من تستطيع بما أُعطيت، ثم تتذكر أنك مثلهم عبد مفتقر إلى الله.
هذه المعرفة تحرر الطرفين: لا يذل المحتاج قلبه لمن يعينه، ولا يتوهم صاحب القدرة أنه استغنى لأن الناس احتاجوا إليه. ويصبح العطاء أرحم حين يعرف المعطي أن ما بين يديه نعمة ومسؤولية، لا شهادة بتفوقه على من يسأل.
ثم تنتقل السورة من إثبات الأحدية والصمدية إلى نفي ما لا يليق بالله:
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3].
نحن نعرف حياةً يتقدم فيها الآباء ثم يأتي الأبناء؛ لكل إنسان بداية، ولكل جيل صلة بمن قبله ومن بعده. فجاءت الآية لتمنع أن ننقل ما نعرفه عن المخلوق إلى الخالق. ليس لله ولد، ولم يكن هو مولودًا؛ فلا نبحث له عن أصل، ولا نتصور له فرعًا.
ثم تختم السورة:
﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4].
ليس له نظير أو مماثل. بدأت السورة بـ﴿أَحَدٌ﴾ إثباتًا لوحدانيته، وانتهت بـ﴿أَحَدٌ﴾ نفيًا لوجود كفء له. وبين البدء والختام وقفت كلمة ﴿الصَّمَدُ﴾ لتقول لنا إلى من تتجه الخلائق في افتقارها.
هذا البناء ليس جمالًا يُتأمل ثم يُترك خارج الحياة. فإذا كان الله أحدًا صمدًا، فلمن نصلي؟ ولمن نعمل الخير؟ وماذا نفعل حين يمتدحنا الناس أو يغيب ثناؤهم؟
نُحسن إلى الناس لأن الإحسان حق، ونفرح بمودتهم وشكرهم، لكننا نراجع قلوبنا إذا أصبح ثناؤهم هو الغاية التي من أجلها نفعل الخير، أو صار غيابه سببًا لتركه. الإخلاص لا يُبعدنا عن الناس؛ بل يجعل ما نقدمه لهم أصدق، لأننا لا نحول حاجاتهم إلى وسيلة لصناعة صورتنا عندهم.
ولهذا يضيء خبر الرجل الذي كان يقرأ سورة الإخلاص في صلاته، فلما سُئل عن ذلك قال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فنقلوا قوله إلى النبي ﷺ، فقال: «أخبروه أن الله يحبه». لقد تجاوزت السورة عنده مجرد التلاوة إلى محبة ما عرّفته به عن ربه.
وتصل الصمدية إلى علاقاتنا القريبة أيضًا. نحب الزوج والصديق والأهل، ونأنس بهم ونطلب عونهم، وهذا من حياتنا التي نحتاج فيها بعضنا إلى بعض. لكننا قد نظلم من نحب حين نطالبه بأن يفهم كل ما فينا، ويزيل كل ألم عنا، ولا يغيب أو يعجز أبدًا. إنه بشر مثلنا؛ يعطي ويحتاج، يقوى ويتعب. حين نتذكر أننا جميعًا فقراء إلى الله، تصير محبتنا أرحم، ويخفّ ما نضعه على قلوب الخلق مما لا يطيقون.
وفي ترتيب المصحف، تأتي سورة الإخلاص بعد المسد. هناك نقرأ عن أبي لهب: ﴿مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: 2]. وهنا نقرأ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 2]. هذه إضاءة تدبرية توقظ سؤالًا: إذا لم تُغنِ عن الإنسان أسبابه حين جعلها موضع اتكائه، فإلى من يقصد بقلبه وهو يأخذ بها؟
وتلي الإخلاصَ المعوذتان. كأن القارئ يتعرف أولًا إلى ربه الأحد الصمد، ثم يمضي يستعيذ برب الفلق ورب الناس. معرفة الله تفتح باب اللجوء إليه؛ وإذا خاف المؤمن أو أصابه أذى، لم يكن مطلوبًا منه أن يدّعي أنه لا يخاف، بل أن يقصد ربه ويسأله العون، ويدفع الشر بما يستطيع من الأسباب.
ختامًا، سورة الإخلاص تعريف بالله، لكنها تكشف لنا حقيقة أنفسنا أيضًا. كلما قلت: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 2]، تذكرت أنك لست الصمد، وأن من حولك ليسوا كذلك. وكلما قلت: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، راجعت وجهتك: لمن تعبد، ولمن تُخلص، وأي مكان أعطيت للأسباب والناس في قلبك؟
فخذ بالأسباب، وأدِّ حق من يحتاجون إليك، وأحب الناس وأحسن إليهم. وإذا اتسعت لك الدنيا فلا يخدعنك ما تملك، وإذا ضاقت فلا تظن أن آخر باب قد أُغلق.
وراء كل سبب محدود، وكل قوة تزول، وكل إنسان يحتاج كما تحتاج، تبقى الحقيقة التي تجمع افتقارنا كله: