سنن التنزيل
مقال

حين تعجز اليد… لا يعجز الإحسان

  • 3 دقائق للقراءة
  • 4 آيات

عجز اليد عن العطاء المادي لا يسقط الإحسان، فالأدب القرآني يربينا على حفظ كرامة المحتاج بلين القول وجميل الرجاء حين تضيق الأسباب.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

من جمال القرآن أنه لا يعلّم الإنسان كيف يعطي فحسب، بل يعلّمه كيف يتصرف حين لا يستطيع أن يعطي.

فالحياة لا تدوم على حال؛ يومٌ يجد الإنسان، ويومٌ يعوزه، مرةً تكون يده مبسوطة، وأخرى تضيق به الأسباب.

ولذلك قال الله تعالى:

﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: 26].

هذا عند القدرة.

ولكن ماذا يفعل الإنسان إذا جاءه صاحب حاجة وليس في يده ما يعطيه؟

هنا يأتي الأدب القرآني:

﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: 28].

إن كنت قادرًا فأعطِ، وإن كنت عاجزًا فأحسن القول.

فالقرآن لا يكلّفك ما لا تملك، لكنه لا يسمح أن يتحول عجز اليد إلى قسوة القلب واللسان.

لم يقل: لفَقرك!

ومن ألطف ما في الآية أن الله لم يقل: وإن تعرض عنهم لأنك فقير أو لا تملك.

وإنما قال:

﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ [الإسراء: 28].

يا لجمال التعبير!

ينقل القرآن نظر الإنسان من يده الفارغة إلى خزائن ربه الممتلئة.

فالمؤمن حين لا يملك ليس يائسًا، وإنما هو منتظر؛ لا يعرّف نفسه بما فقد، وإنما بما يرجو.

إنه اليوم لا يستطيع العطاء، لكنه ينتظر رحمةً ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، فإذا جاءته الرحمة تحول من محتاج إلى معطٍ، ومن عاجز إلى قادر.

فالضيق حالة عابرة، أما خزائن الله فلا تنفد.

إذا عجزت عن حاجته فلا تكسر قلبه

﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: 28].

لم يقل القرآن: فلا حرج عليك وانتهى الأمر.

فإذا سقط عنك ما لا تستطيع، بقي عليك ما تستطيع.

لا تملك المال، لكنك تملك الكلمة.

وقد يعجز الإنسان عن قضاء حاجة أخيه، لكنه لا يعجز عن حفظ كرامته.

فلا تقل له بغلظة: ليس عندي.

ولا تشعره أن سؤاله أثقل عليك.

ولا تضف إلى ألم الحاجة ألم الإهانة.

بل اجعل عجزك جميلًا كما يكون عطاؤك جميلًا.

وهنا يلتقي هذا المعنى بقول الله تعالى:

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: 263].

وهذه تقلب كثيرًا من موازيننا.

فقد يظن الإنسان أن المال هو كل شيء، بينما يخبرنا القرآن أن كلمة تحفظ كرامة المحتاج خير من مال يأخذه ثم يدفع ثمنه من ماء وجهه.

فليست قيمة الصدقة في مقدار ما خرج من يدك فقط، بل فيما بقي من كرامة أخيك بعد أن أخذها.

موسى عليه السلام… صنع المعروف ثم مضى

ويأتي مشهد آخر في القرآن يزيد هذا الأدب جمالًا.

حين وجد موسى عليه السلام المرأتين تمنعان غنمهما عن الماء، لم يطل السؤال ولم ينتظر مقابلًا:

﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: 24].

كلمتان ترسمان أدبًا كاملًا:

سقى… ثم تولّى.

صنع المعروف ثم ابتعد.

لم يقف على رأس إحسانه ينتظر شكرًا، ولم يجعل مساعدته مدخلًا إلى منّة أو مقابل.

ولا نجزم أن حفظ ماء الوجه هو العلة المقصودة من توليه، لكن المشهد يفتح لنا معنى تربويًا رفيعًا: من جمال المعروف أن تعرف متى تنصرف بعده.

فبعض الناس يعطي المحتاج حاجته، ثم يبقى يذكّره بها حتى يسترد منه كرامته!

أما المعروف الخالص، فيدخل حياة الإنسان بهدوء، يقضي حاجته، ثم يمضي.

ثلاث صور… وكرامة واحدة

وهكذا يرسم القرآن للمؤمن ثلاث صور للإحسان:

إذا عجزت عن العطاء:

﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: 28].

وإذا قدرت وأعطيت:

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: 263].

وإذا قضيت الحاجة، فتأمل جمال مشهد موسى:

﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: 24].

قول ميسور عند العجز، وعطاء بلا أذى عند القدرة، وانصراف جميل بعد المعروف.

وهذا هو التكافل الذي يصنعه القرآن؛ ليس تكافل الأموال وحدها، وإنما تكافل القلوب والمشاعر والكرامة.

فقد لا تستطيع أن تسدد دَين إنسان، ولا أن توفر له عملًا، ولا أن تقضي حاجته، لكنك تستطيع ألا تزيد ألمه ألمًا، وألا تجعل حاجته بابًا لإذلاله.

وفي زمان كثرت فيه الحاجات وضاقت فيه أحوال الناس، نحن أحوج ما نكون إلى هذا الأدب.

ليس كل إنسان يستطيع أن يكون صاحب مال، لكن كل إنسان يستطيع أن يكون صاحب خُلُق.

وإذا عجزت يدك أن تضع شيئًا في يد المحتاج، فلا تعجز أن تضع شيئًا في قلبه.

فالقرآن لا يريد منك أن تقضي حاجة الإنسان فحسب، بل يريد أن يخرج من عندك محتفظًا بكرامته.

ختامًا، ما أرقَّ هذا الدين حين يعلّمنا أن للإحسان صورًا لا تحتاج كلها إلى مال:

يدٌ تعطي إن قدرت،

ولسانٌ يجبر إن عجزت،

وقلبٌ لا يمنّ إذا أحسن.

فإذا لم تستطع أن تحمل عن الناس أثقالهم، فلا تكن ثقلًا جديدًا عليهم.

شارك المقال