إصلاح الخلل يبدأ من مبادرة الفرد الواعي بمسؤوليته الأخلاقية، حيث ينهض المجتمع بأناس ينصرون الضعيف ويبذلون الإحسان دون انتظار جزاء أو ثناء.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
قال تعالى:
ليست هذه الآيات مجرد مشهد من حياة موسى عليه السلام، ولا قصة عابرة عن موقف إنساني؛ بل هي بناء قرآني يكشف سنة من سنن الله في إصلاح المجتمعات، وكيف يتحول الإنسان الصالح من متفرج على الخلل إلى عنصر من عناصر تغييره.
ففي هذا المشهد اجتمعت معانٍ عظيمة: ضعف يحتاج إلى من يسنده، ومروءة تحتاج إلى من يحملها، وحياء يحتاج إلى من يحفظه، وإحسان يحتاج إلى من يخلصه.
ومن هنا تظهر السنة المركزية:
سنة المبادرة في إصلاح الخلل
إن الله يصلح المجتمعات بأناس لا يعتادون رؤية الخلل، بل يبادرون إلى إصلاحه بما يستطيعون، ابتغاء وجه الله، لا انتظارًا لثناء الناس.
وصل موسى عليه السلام إلى ماء مدين وهو غريب عن المكان، خارج من بلده، لا يملك مالًا ولا مأوى، ومع ذلك لم تمنعه حاجته الخاصة من رؤية حاجة الآخرين.
لقد رأى مشهدًا غير متوازن:
﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: 23]
ثم رأى:
﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: 23].
فلم يمر بالمشهد مرور العابر، ولم يقل: هذا أمر لا يعنيني، وإنما تحرك فيه الشعور بالمسؤولية.
لكن القرآن يعلمنا أن الإصلاح لا يبدأ بمجرد الحماس، بل يبدأ بالفهم، فقال موسى عليه السلام:
﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ [القصص: 23].
سؤال قصير، لكنه يحمل منهجًا كاملًا؛ فالمصلح لا يعالج ما لا يعرف، ولا يبني موقفًا على الظن، بل يفهم الواقع أولًا، ثم يتحرك في ضوء الفهم.
فأجابتاه:
﴿لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: 23].
لم يكن خروجهما بحثًا عن مخالطة الرجال، ولا رغبة في مزاحمتهم، وإنما ضرورة فرضتها ظروف الحياة؛ فالأب شيخ كبير، ولا يوجد من يقوم بهذا الدور.
وهنا يقرر القرآن سنة عظيمة:
الضرورة قد تبيح الحاجة، لكنها لا تسقط الحياء، ولا تلغي الفطرة، ولا تجعل الاستثناء أصلًا.
فالقرآن لا يقدم مجتمعًا قائمًا على الصراع بين الأدوار، بل على التكامل؛ فإذا وجد العذر تحمل الإنسان ما يستطيع، وإذا زال العذر عادت الأمور إلى أصلها.
وهكذا كان المشهد محفوظًا بسياج من الأخلاق؛ فهما خرجتا للحاجة مع بقاء الحياء، وموسى عليه السلام تدخل للمساعدة مع بقاء الأدب.
ثم جاءت لحظة الفعل:
﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا﴾ [القصص: 24].
لم يسأل ليكتفي بالمعرفة، ولم يتعاطف ليكتفي بالمشاعر، بل انتقل إلى الإصلاح بالفعل.
وهنا تظهر المروءة الحقيقية؛ فهي ليست كلمات تقال، وإنما مسؤولية يحملها الإنسان حين يرى من يحتاج إلى عونه.
فالمروءة تحمي الضعيف، وتجعل صاحبها يتحرك حيث يتوقف الآخرون.
ثم يعلمنا القرآن كيف نحفظ الخير من أن يفسده تعلق النفس به:
﴿ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: 24].
لم يقف ينتظر شكرًا، ولم يجعل المعروف بابًا للمنّ أو التعلق، بل انصرف.
ولم يقل القرآن: ثم ذهب، وإنما قال: تولى؛ لأن المعنى أعمق من مجرد الحركة، فهو انصراف بالجسد والقلب، وانصراف عن انتظار الجزاء من الناس.
وهذه سنة في الإحسان:
إذا قدمت المعروف لله، فلا تجعل قلبك أسيرًا لاعتراف الناس به؛ فجزاء المحسن محفوظ عند من لا يضيع عنده عمل.
ثم يكشف السياق عن ثمرة عظيمة لهذا الإخلاص:
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: 25].
فلم يكن الإحسان طريقًا للطلب، لكنه أصبح بابًا للفرج.
خرج موسى عليه السلام من مصر خائفًا، لا يملك شيئًا، ثم ساق الله إليه بعد هذا الموقف الأمن والعمل والزواج، ثم بعد ذلك حمل الرسالة.
وكأن القرآن يقرر سنة باقية:
قد يجعل الله إحسانك إلى الناس أول أبواب إحسانه إليك.
وهنا يكتمل البناء الأخلاقي للمشهد:
حياء المرأة، ومروءة الرجل، وإخلاص العمل، ثم عطاء الله الذي يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان.
إن المجتمع الذي يريد القرآن بناءه ليس مجتمعًا يكثر فيه الحديث عن الإصلاح، بل مجتمع يتحرك فيه الإنسان عندما يرى الخلل.
فأزمة الأمم لا تبدأ دائمًا من قلة الموارد، بل من اعتياد رؤية الخلل دون محاولة إصلاحه.
نرى المحتاج فلا نعينه، ونرى الضعيف فلا ننصره، ونرى الخلل فلا نتحرك، ثم نسأل عن سبب ضعف المجتمع.
أما القرآن فيربي الإنسان على سؤال آخر:
ما دوري في إصلاح هذا الخلل؟
فقد لا يملك الإنسان تغيير العالم كله، لكنه يستطيع أن يمد يد عون، أو يرفع عن محتاج مشقة، أو ينصر ضعيفًا، أو يفتح باب خير.
ورب عمل صغير أخلصه صاحبه لله يكون عند الله بداية تغيير كبير.
*السنة المركزية*
جرت سنة الله أن المجتمعات تُحفظ وتنهض حين يوجد فيها من يبادر إلى إصلاح الخلل بفهم ومروءة وحياء وإخلاص؛ فإذا اعتاد الناس رؤية الخلل، وغابت المسؤولية، وتحول الإحسان إلى طلب للثناء، بدأ الضعف الأخلاقي وإن بقيت مظاهر القوة.
فليست العبرة فقط بما يملكه الإنسان من قدرات، وإنما بما يحمله من قلب حي يشعر بالمسؤولية.
وهكذا يعلمنا مشهد موسى عليه السلام عند ماء مدين أن بناء المجتمع يبدأ من موقف فردي صادق؛ موقف رجل رأى حاجة، فتحرك، وأحسن، ثم مضى… ففتح الله له من فضله ما لم يكن يحتسب.