حين تتذكر رعاية الله
رعاية الله الدائمة في سورة الضحى تبدد ظنون الهجر عند اشتداد الابتلاء، وتحول استحضار النعم إلى طمأنينة تثمر رحمة بالضعفاء وصونا لحقوقهم.
﴿وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ [الضحى: 2–3].
قد يمرّ بالإنسان وقت يطول فيه انتظار ما يرجوه، فيظن أن التأخر جوابٌ على قدره عند الله. ويشتد هذا الظن إذا وجد من حوله من يزيده وجعًا بكلمة قاسية أو تفسير متعجل لما أصابه. وفي سورة الضحى نقرأ كيف واجه الوحي دعوى مؤذية قيلت لنبينا محمد ﷺ حين أبطأ عنه الوحي؛ إذ زعم المشركون أن ربه تركه وأبغضه. فجاء الرد قاطعًا: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ [الضحى: 3].
أقسم الله بالضحى، ثم بالليل إذا سجى وسكن. كلاهما من آياته، ولكل منهما موضعه. وفي هذا المطلع ما يهيئ القلب لسماع الجواب: فترة السكون التي احتج بها المكذبون لم تكن دليلًا على ما ادعوه. لم يغب الله عن المشهد حين أبطأ الوحي، ولم يكن قول المشركين أصدق من رعاية الله لنبيه ﷺ.
وتكررت في السورة إضافة الرب إلى نبيه: ﴿رَبُّكَ﴾ في نفي الهجر، و﴿رَبُّكَ﴾ في الوعد بالعطاء، و﴿رَبُّكَ﴾ في الأمر بالتحديث بالنعمة. فالذي ينفي عنه الهجر هو ربه، والذي يعده بالعطاء هو ربه، والذي يدعوه إلى شكر النعمة هو ربه. ليست الرعاية هنا كلمة تقال في ساعة المواساة ثم تنقطع؛ إنها حاضرة في ماضي النبي ﷺ، وفي وعد الله له، وفي المنهج الذي أمره أن يسير عليه.
قال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى: 4–5]. كان المشركون ينظرون إلى لحظة احتباس الوحي، ففتح الله لنبيه أفقًا أبعد من تلك اللحظة ومن الدنيا كلها. ما عند الله له في الآخرة خير من الدنيا، ووعده بالعطاء حتى يرضى. وهو وعد عظيم لنبينا ﷺ، لا نحتاج إلى تحديد مقدار عطائه لنفهم ما فيه من إكرام، ولا إلى أن نجعل كل ألم في حياة المؤمن وعدًا بغنى قريب أو نصر في موعد يختاره لنفسه.
ثم جاءت ثلاثة شواهد من حياة النبي ﷺ؛ كأن السورة تقول له: انظر إلى الطريق الذي قطعته برعاية ربك. ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ﴾ [الضحى: 6–8]. فقد أباه صغيرًا، فجعل الله له من يؤويه ويكفله. ولم يكن يعلم ما أوحاه الله إليه من الكتاب والشرائع، فهداه إلى الوحي والرسالة. وكان فقيرًا، فأغناه الله. تلك أحوال مختلفة جمعتها رعاية واحدة: حاجة إلى مأوى، وحاجة إلى هداية، وحاجة إلى كفاية.
لهذا لا تُقرأ الذكرى في السورة حنينًا إلى الماضي، بل شاهدًا يعين على النظر الصحيح إلى الحاضر. ونحن إذا ضاقت بنا الأيام، يحسن أن نتذكر ما مررنا به من عسر، ومن فتح الله لنا أبواب عونٍ لم نكن نتوقعها. وقد تبقى بعض حاجاتنا بلا جواب نراه الآن؛ فتذكّر النعمة يردعنا عن الجزم بأن التأخر هجر، ويعيننا على العمل بما في أيدينا بدل الاستسلام لظنوننا.
لكن سورة الضحى تمضي خطوة أبعد. فبعد أن ذكّرت النبي ﷺ بما تلقاه من رعاية، قالت: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 9–11]. هنا يظهر أثر النعمة في معاملة الناس. من أُوِيَ بعد يتمه يعرف أن اليتيم يحتاج إلى من يصون كرامته وحقه، ومن عرف فضل الهداية لا يغلق الباب في وجه من يسأل، ومن عرف أن الفضل من ربه لا ينسب النعمة إلى نفسه وحدها.
﴿فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9] نهيٌ يبلغ موضع ضعف اليتيم؛ فقد يحتاج إلى طعام ومال، لكنه يحتاج كذلك إلى ألا يُذلّ في البيت، أو يُتعدّى على ماله، أو يُشعر بأن كفالته تمنٌّ عليه. وواقعنا يضع هذا الأمر أمام الأسرة والوصي والمؤسسة: حفظ حقه في الميراث، ورعاية تعليمه، وحسن خطابه، وإشراكه في حياة تحفظ له الأمان. فاليتيم لا يُكرم بكلام الشفقة إذا ضاع حقه بين الأيدي.
﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10]. يسأل إنسان عن مال أو طعام، ويسأل آخر عن علم أو طريق يهتدي به. قد نملك إعطاء الأول وقد لا نملك، وقد نعرف جواب الثاني وقد نجهله؛ لكننا نملك ألا نكسر السائل بالزجر والاحتقار. فإن لم نستطع الإعطاء رددنا برفق، وإن لم نعلم الجواب قلنا ذلك ودللنا، إن استطعنا، على من يعلم. وهذا أدب تحتاجه أبواب البيوت، ومكاتب المؤسسات، ومجالس التعليم؛ فكم من إنسان حملته حاجته على سؤال شقّ عليه أن ينطق به.
ثم تختم السورة بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]. التحديث بالنعمة اعتراف بمصدرها وشكر لها، وأعظم ما أُنعم به على النبي ﷺ الوحي والهداية. ولا يصدق شكر النعمة إذا تحدثنا بها ثم أغلقنا أبوابها في وجه المحتاج. من آتاه الله مالًا عرف حقه في العطاء، ومن آتاه علمًا نفع به، ومن آتاه قدرة على رعاية ضعيف لم يتركه للقهر. هكذا يصل ما في القلب إلى ما تفعله اليد وما يقوله اللسان.
وفي ترتيب المصحف تأتي سورة الشرح بعد الضحى، فتواصل تذكير النبي ﷺ بنعم ربه عليه. أما سورة الضحى فقد أتمت رسالتها هنا: ردّت دعوى الهجر، وفتحت باب الوعد، وأقامت شواهد الرعاية، ثم جعلت للطمأنينة ثمرة تُرى في حقوق الناس.
ختامًا، حين يطول انتظارنا، لا نحكم على رعاية الله لنا من لحظة واحدة، ولا نفسر ابتلاء غيرنا بأنه هوان عليه. نتذكر فضل الله، ونأخذ بالأسباب، ونحفظ حق من جعلهم الله في طريقنا. فالسورة التي بدأت بمواساة النبي ﷺ انتهت بتعليمنا كيف لا نزيد وجع اليتيم والسائل، وكيف نجعل شكر النعمة رحمةً تصل إليهما.